مواقع اخرى خدمات الصور الإسلامية فرق منحرفة مقالات المكتبة الصوتية
English  Francais  أهل السنة

تمهيد

بسم الله الرحمن الرحيم


النبوة والرسالة:

النبوةُ مشتقة من النَّبوة وهي الرفعة، أو من النبإِ وهو الخبر، فالنبيّ فعيل بمعنى فاعل أي مخبر عن الله تعالى بواسطة الملَك. والنبوة خاصة بالبشر فليس في الملائكة ولا في الجن نبي، وأما الرسالة فليست خاصة بالبشر قال تعالى: {الله يصطفي من الملائكة رسلاً ومن الناس} (سورة الحج/75).

الفرق بين الرسول والنبي:

الرسول من البشر هو النبي الذي أوحي إليه بشرع يشتمل على حكم جديد لم يكن في شرع الرسول الذي قبله كسيدنا محمد وعيسى وموسى فإن هؤلاء كل واحد منهم أنزل عليه حكم جديد.

فموسى عليه السلام أنزل عليه قتل القاتل من دون أن يترك القاتل بالمصالحة على الدية ولا بالعفو المجانيّ، وعيسى أُنزل عليه حكم جديد وهو الدية فقط، ومحمد أنزل عليه القصاص والعفو على الدية والعفو المجانيّ وشبهُ ذلك، هذا في القتل العمد، وكذلك الصلوات ما كانت تصلى في شرع من قبل محمد إلا في مكان مخصوص، وأنزل الله على محمد أن الأرض جعلت مسجدًا أي تصح الصلاة في المكان المخصوص وغيره، وأما النبيّ غير الرسول فهو من أوحي إليه باتباع شرع الرسول الذي كان قبله وأمر بتبليغ ذلك، ولم يوحَ إليه بشرع جديد، فكل رسول نبي وليس كل نبي رسولاً.

النبوة غير مكتسبة، فهي غير متعلقة بكسب للنبي كما يقول تبارك وتعالى: {يؤتي الحكمةَ من يشآء} (سورة البقرة/269) أي النبوة والرسالة فلا تنال بالعمل والاجتهاد في العبادة وحسن الخلق إنما تنال باصطفاء الله وموهبته. ثم إن الله ختم النبوة بمحمد صلى الله عليه وسلم فهو ءاخر الأنبياء وأمّته ءاخر أمة أرسل إليها رسول.

والرسول لا بد أن يكون أكمل من المرسلِ إليهم عقلاً وفضلاً وفطنة ومعرفة وصلاحًا وعفة وشجاعة وسخاوة وزهدًا، قال تعالى: {إن الله اصطفى ءادم ونوحًا وءال إبراهيم وءال عمران على العالمين} (سورة ءال عمران/33).

ولا يجوز أن يكون الرسول امرأة، ولا أن يكون عبدًا مملوكًا، ولا أن يكون ناقص الحس لأجل الحاجة إلى كمال الحواس في أداء الرسالة وما يتعلق بها، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما بعثَ اللهُ نبيًّا إلا حسن الوجهِ حسنَ الصوت، وإن نبيَّكم أحسنهم وجهًا وأحسنهم صوتًا" رواه الترمذيّ.

ما يجب للأنبياء وما يستحيل عليهم:

يجب للأنبياء الصدق، فيستحيل عليهم الكذب لأن الكذب ينافي منصب النبوة، ويجب لهم الأمانة فيستحيل عليهم الخيانة.

ويجب لهم الفطانة فيستحيل عليهم الغباوة والبلادة أي ضعف الفهم، لأن الأنبياء أرسلوا ليبلغوا الناس مصالح ءاخرتهم ودنياهم، والبلادة تنافي ذلك.

وكذلك يستحيل على الأنبياء الرذالة كسرقة حبة عنب واختلاس النظر إلى الأجنبية بشهوة، وكذلك يستحيل عليهم السفاهة كتذبير المال.

ما ورد في عدد الأنبياء والرسل والكتب المنزلة:

روى ابن حبان في صحيحه عن أبي ذر قال: قلت: يا رسول الله كم الأنبياء؟ قال :"مائة ألف وأربعة وعشرون ألفًا". قلت: يا رسول الله كم الرسل من ذلك؟ قال :"ثلائمائة وثلاثة عشر جمًّا غفيرًا". قال: قلت: يا رسول الله من كان أولهم؟ قال:"ءادم" قلت: يا رسول الله أنبيّ مرسل؟ قال: "نعم خلقه الله بيده (أي بعنايته)، ونفخ فيه من روحه، وكلمه قُبُلا".

وقد اختلف العلماء في بيان عدد الأنبياء فمنهم من احتج بحديث ابن حبان المتقدم ذكره، ومنهم من لم يعين عددًا معلومًا محتجًّا بأنه لم يرد في ذلك حديث قطعي الثبوت.

وأما الكتب المنزلة عليهم فمائة وأربعة كتب منها خمسون أنزلت على شيث، وثلاثون على إدريس، وعشرة على إبراهيم، وعشرة على موسى قبل التوراة، وأنزل التوراة على موسى، والزبور على داود، والإنجيل على عيسى، والقرءان على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وأول الأنبياء ءادم عليه السلام فهو نبي رسول وءاخرهم محمد عليهم الصلاة والسلام. ولا يجوز الأخذ بقول من ينفي رسالة ءادم ونبوته لأنه قول باطل.

دين الأنبياء واحد وشرائعهم مختلفة:

قال الله تعالى: {كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين} (سورة البقرة/213) أي أن الناس كانوا كلهم على دين واحد وهو الإسلام ثم اختلفوا فبعث الله النبيين، وروى الشيخان وأحمد وابن حبان وغيرهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "الأنبياء إخوة لعلات دينهم واحد وأمهاتهم شتى"، والمعنى أن الأنبياء كلهم على دين واحد هو دين الإسلام فكلهم دعوا إلى عبادة الله وحده وعدم الإشراك به شيئًا والتصديق بأنبيائه، ولكن شرائعهم مختلفة أي الأحكام، ومثال ذلك: أنه كان جائزًا في شرع ءادم أن يتزوج الأخ من أخته إن لم تكن توأمًا له لأن حواء رضي الله عنها ولدت أربعين بطنًا كل مرة ذكرًا وأنثى وكان حرامًا عليه أن يتزوج الأخ بأخته التي هي توأمة له ثم نسخ الله تعالى هذا الحكم بعد موت ءادم وحرم زواج الأخ بأخته إن كانت توأمة له أو لم تكن. أيضًا كان مفروضًا في شرائع أنبياء بني إسرائيل كموسى صلاتان في اليوم والليلة، وفي شرع نبينا محمد صلى الله عليه وسلم خمس صلوات.

وكان جائزًا في شرع سيدنا يعقوب عليه السلام أن يجمع الرجل في الزواج بين المرأة وأختها وهو محرم في شرع محمد صلى الله عليه وسلم، وكان جائزًا في الشرائع القديمة أن يسجد المسلم للمسلم للتحية وهو محرم في شرعنا، فقد صحّ أن معاذ بن جبل لما قدم من الشام سجد لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له الرسول: "ما هذا؟" قال: يا رسول الله رأيت أهل الشام يسجدون لبطارقتهم وأساقفتهم وأنت أولى بذلك، قال: "لا تفعل، لو كنت ءامر أحدًا أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها". رواه ابن حبان وابن ماجه وغيرهما.

عصمة الأنبياء:

اتفق المسلمون على ان الأنبياء معصومون عن الكفر قبل النبوة وبعدها، وكذلك كبائر الذنوب كالزنى وأكل الربا وغير ذلك، وأما الذنوب الصغيرة فما كان من صغائر الخسة والدناءة فهم معصومون منها قبل النبوة وبعدها. وأما الصغائر التي هي غير صغائر الخسة فقد ذهب أكثر العلماء ومنهم الإمام أبو الحسن الأشعري رضي الله عنه إلى أنه تجوز في حقّهم كالمعصية التي حصلت من ءادم عليه السلام قال تعالى {وعصى ءادم ربه فغوى} (سورة طه/121)، ولكنهم ينبَّهون فورًا فيتوبون قبل أن يقتدي بهم فيها غيرهم، وهذا هو القول الصواب.

المعجزة:

ليعلم أن السبيل إلى معرفة النبي هو المعجزة، وهي مشتقة في اللغة من العجز، والمراد ما يُظهر عجز الخلق عن معارضته، وتعريفها أنها أمر إلهي خارق للعادة في دار التكليف لإظهار صدق مدعي النبوة، مع عجز من ينازعه عن معارضته بمثل ذلك الأمر الإلهي.

ووجه دلالة المعجزة على صدق النبي أنه لما ادعى الرسالة وقال إن صدقَ دعواي أن الله أرسلني لفعل كذا، فظهور ذلك على يده كان بمنزلة صدق عبدي فيما يبلغ عني.

بدءُ الخلق:

اعلم أرشدنا الله وإيَّاك أن الله سبحانه وتعالى خالق العالمَ بأسرهِ العلويّ والسفليّ والعرش والكرسيّ، وهو الأولُ أي الأزليّ الذي لا بداية لوجوده، كان في الأزلِ وحده ولم يكن شىءٌ من العوالم الكثيفة كالعرش والشمس والقمر والإنسان ولا من العوالم اللطيفة كالنور والظلام والأرواح فهو موجود لا كالموجودات ليس كخلقه جسمًا لطيفًا ولا جسمًا كثيفًا لقوله تعالى {ليس كمثله شىء} (سورة الشورى/11) وذلك لأنه لو كنا جسمًا كثيفًا لكان له أمثال ولو كان جسمًا لطيفًا لكان له أمثال وقد دلت هذه الآيةُ على ذلك وعلى أنّه لا يتصف بصفات العالمين كالحركة والسكون والتحول من حال الى حال والتحيز في جهة او مكان والجلوس والاستقرار في جهة وذلك لأن الجلوس صفة مشتركة بين الإنسان والملائكة والجنّ والطيور، فهو سبحانه وتعالى الموجود الأزليّ الذي لا ابتداء لوجوده، وما سواه حادث مخلوق خلقه الله بقدرته فأبرزه من العدم إلى الوجود، قال الله تبارك وتعالى: {اللهُ خالقُ كل شىء وهو على كلّ شىء وكيل} (سورة الزمر/62)، وقال سبحانه: {وخلقَ كل شىء فقدره تقديرًا} (سورة الفرقان/2)، وقال تعالى: {الحمدُ لله الذي خلق السموات والأرضَ وجعلَ الظلماتِ والنور} (سورة الأنعام/1)، فإن الله سبحانه وتعالى أخبر في هذه الآية بأنه لم يكن في الأزلِ نور ولا ظلام فوجب الإيمانُ بأنه مضى وقت لم يكن فيه نور ولا ظلام فيجب الإيمان بذلك مع أنّ وهم الإنسان لا يستطيع أن يتصوره فكيف يستطيع أن يتصور الله، فالعقل الذي يعجز عن أن يتصور بعض المخلوقات كيف يستطيع أن يتصور الخالق فهو كما قال أئمة الهدى: "مهما تصورت ببالك فالله بخلاف ذلك"، قال ذلك الإمام أحمد بن حنبل والإمام ذو النون المصري والشافعي وغيرهم.

أما الماء والعرش فهما أول خلق الله، وأولهما وجودًا الماء، فهو أصل لغيره من المخلوقات واللهُ تعالى خلقه بقدرته من غير أصل، فبداية العالم إذًا من غير مادة ولا يحيل العقل السليم ذلك، والدليل الشرعيّ الذي استند إليه العلماء في أن أصل العالم هو الماء وهو أول المخلوقات خبرُ رسول الله صلى الله عليه وسلم الصادق المصدوق الذي رواه ابن حبان وابن ماجه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: "كلُّ شىء خلقَ من الماء"، ولفظ ابن حبان أن أبا هريرة قال: قلت: يا رسول الله إني إذا رأيتُك طابت نفسي وقرَّت عيني فأنبئني عن كل شىء، قال: "إن اللهَ تعالى خلقَ كلّ شىء من الماء"، وفي لفظ: "كل شىء خلق من الماء"، وروى السديُّ بأسانيد متعددة عن جماعة من الصحابة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إنَّ الله لم يخلق شيئًا مما خلقَ قبل الماء". فيتبين بذلك أن الماءَ هو أصل جميع المخلوقات وهو أول الخلق، فمن الماء خلق اللهُ العالمَ.

وثاني المخلوقات بعد الماء العرشُ وهو أكبر الأجرام التي خلقها الله، ثم خلق الله القلم الأعلى، ثم اللوح المحفوظ. والذي يدلّ على أولية هذه المخلوقات الأربعة ما رواه البخاريّ وابن الجارود والبيهقي من حديث عمران بن الحصين قال: أتى أناسٌ من أهل اليمنِ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا رسول الله جئناك لنتفقه في الدين فأنبئنا عن بَدء هذا الأمر ما كان، فقال: "كان اللهُ ولم يكن شىء غيرُه، وكان عرشُهُ على الماء وكتب في الذكر كلَّ شىء، ثم خلقَ السموات والأرض" وفي رواية البيهقي من طريق أبي معاوية: "كان الله قبلَ كل شىء"

فهذا الوفد سأل النبيَّ صلى الله عليه وسلم عن بدء هذا الأمر أي عن أول العالم فاجابهم النبي صلى الله عليه وسلم أولاً بالأهم أي بأهمّ مما سألوا وهو أنه أثبتَ الأزليةَ لله وحده، ثم أجابهم عن سؤالهم وهو أول العالم وبدء الخلق، والأمر الأهم هو قوله صلى الله عليه وسلم:"كان اللهُ ولم يكن شىء غيرُه" أي كان الله في الأزل موجودًا وليس غيره معه، فأفادهم عليه الصلاة والسلام أن الأزلية المطلقة ليست إلا لله الخالق، وأن الموجود الذي لا ابتداء لوجوده هو الله سبحانه وتعالى فقط لا يشاركه في هذه الصفة شىء غيره من المخلوقات، لأن الألوهية لا تصح مع إثبات شىء غير الله مع الله تعالى في الأزل، وقد أثبت الله في القرءان الأزليةَ له وحده ليفهمنا أن هذا العالم كله مخلوق خلقه من العدم إلى الوجود، قال الله تعالى: {هو الأول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شىء عليم} (سورة الحديد/3) والأولُ إذا أطلق على الله معناه الذي لا بداية لوجوده. وقد أجمع علماء المسلمين قاطبة على تكفير الذين قالوا بأزلية العالم كابن سينا والفارابي ومن تبعهم، وسواء في الكفر الذين قالوا: إن العالم قديم بجنسه ونوعه، حادث مخلوق بأفراده، والذين قالوا إن العالم قديم أزلي بمادته وصورته أي تركيبه، فكلا الفريقين كفار، وممن نقل الإجماع على تكفيرهم الإمام الفقيه المحدث الأصوليّ بدر الدين الزركشيّ في كتابه تشنيف المسامع بشرح جمع الجوامع فقال بعد أن ذكر كلام الفريقين: "وضللهم المسلمون وكفروهم"، وممن نص على تكفيرهم الإمام المجتهد والحافظ اللغويّ تقي الدين السبكي الشافعي، والقاضي عياض المالكي، والحافظ ابن حجر العسقلاني شارح صحيح البخاري وغيرهم.

أما الحديث الذي رواه الإمام أحمد والترمذي من حديث عبادة بن الصامت عن النبي أنه قال: "أولُ ما خلق الله القلم، ثم قال اكتب فجرى بما هو كائن إلى يوم القيامة" فالمراد به الأولية النسبية أي هو أول بالنسبة إلى ما عدا الماء والعرش، ويعين هذا التأويل حديث مسلم في صحيحه: "كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة، وعرشه على الماء" فقد دل هذا الحديث على أن ذلك بعد خلق العرش، فثبت تقديم العرش على القلم الذي كتب به المقادير.

وبما تقدم من النقل الصحيح يعلم بطلان قول إن النور المحمدي هو أول خلق الله، والاستدلال لذلك بحديث: "أول ما خلق الله تعالى نورُ نبيك يا جابر، خلقه الله من نوره قبل الأشياء" باطل لأنه حديث موضوع على رسول الله كما قال السيوطي في شرح الترمذي وغيره، وهو جدير بكونه موضوعًا لمخالفته القرءان والحديث ولا يصح نسبته إلى مصنف عبد الرزاق الصنعاني لأنه ذكر في تفسيره أن الماء بدءُ الخلق، وأما حديث: "أول ما خلق الله العقل" فليس بثابت كما ذكر الحافظ العراقي وغيره.


مواضيع ذات صلة
عذرأ لا يوجد موضوع مشابه

<<< الدرس المقبل

الدرس السابق >>>