مواقع اخرى خدمات الصور الإسلامية فرق منحرفة مقالات المكتبة الصوتية
English  Francais  أهل السنة

الإيمان والردة

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمدُ للهِ الملِكِ الديّانِ والصلاةُ والسلامُ على محمدٍ سَيِّدِ ولدِ عَدْنان.

الحمدُ للهِ الذي أعزّنا بالإسلام، وأكرمنا بالإيمان، وشرح صُدورنا بالقرآن، ورحمنا ببعثةِ محمد عليه الصلاةُ والسلامُ. وأشهد أنْ لا إله إلا الله، وحده لا شريك له ولا نِدَّ له، مهما تصورت ببالك فاللهُ بخلافِ ذلك.

وأشهدُ أنَّ سيدَنا ونبيّنا وعظيمنا وقائدنا محمداً عبدُهُ ورسُولُهُ، وصفيُّهُ وخليلُهُ، سيدُ الاولين والآخرين، وإمامُ المجاهدينَ، صلى عليك اللهُ يا عَلَمَ الهُدى ما سَبَّحَ الديّانَ كلُّ موحِّدِ.

أما بعد أيها الأحبةُ المسلمونَ، أوصي ونفسي وإياكم بتقوى اللهِ العظيمِ والسير على خُطَى رسولِهِ الكريم، يقولُ اللهُ تبارك وتعالى في القرآن الكريم {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا}.

وقال عليه الصلاةُ والسلامُ :" الإيمانُ أن تؤمنَ باللهِ وملائكتهِ وكُتُبِهِ ورُسُلِهِ واليَومِ الآخرِ والقدَرِ خيره وشره.

اعلموا رحمكمُ اللهُ أنَّ الايمانَ لغةً التصديقُ وشرعاً تصديق مخصُوص، أي هو التصديقُ بالقلب بما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم.

والإسلام لُغةً الانقياد وشرعاً انقيادٌ مخصوصٌ أي هو الانقيادُ لما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم بالنطق بالشهادتين بقولِ أشهدُ أنْ لا إله إلا اللهُ وأنَّ محمداً رسولُ اللهِ.

والإسلامُ والإيمانُ متلازمان لا يُقْبَلُ أحدُهُما بدون الآخر، فقد قال أبو حنيفة رضي الله عنه في كتاب الفِقْهِ الأكبر " لا يكونُ ايمانٌ بلا إسلام ولا إسلام بلا إيمان فهما كالظهرِ مَعَ البطنِ" فكما أن الظهر لا ينفصلُ عن البطن، فكذلك الإيمانُ لا ينفصلُ عن الإسلام، والإسلامُ لا ينفصل عن الإيمان. فمن آمن بما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم وصَدَّق ذلك بالنطق بالشهادتين فهو مسلم مؤمن إن مات على ذلك لا بُدَّ أ ن يدخل الجنة.

وإنَّ أولَ ما يجب على الانسان معرفةُ اللهِ والإيمانُ به ومعرفةُ رسولِهِ والإيمانُ بِهِ وبما جاء به، والنطقُ بذلك مرة واحدة، ومن حصل منه ذلك مع الاعتقاد الجازم فهو مسلمٌ مؤمنٌ، ثم لا يكمُلُ إيمانُهُ وإسلامُهُ إلا بأداء الواجبات واجتناب المحرمات.

لذلك نقولُ أقل مسمى الإيمان والاعتقادُ القلبيُ بمعنى الشهادتين مع النطقِ بذلك باللسان ويحصُلُ أقلُّ مُسَمَّى الإسلام بقول : أشهد أنْ لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله.

وقال الله تعالى {وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً} فلذلك لا يُقالُ فلانٌ مسلمٌ ولكنه ليس بمؤمن ولا يجوز أيضاً أن يقال فلانٌ مؤمنٌ ولكنه ليس بمسلمٍ، بل يُقال فلانٌ كاملُ الإيمان أو فلان غير كامل الإيمان.

فمن آمن باللهِ ورسوله وأدى الواجباتِ واجتنب المحرماتِ فهذا مسلمٌ مؤمنٌ وإيمانُه كاملٌ ومن ترك بعضَ الواجباتِ وأكل الربا أو شرب الخمر فهذا مسلم مؤمن وايمانه ناقص.

وأما قولُ اللهِ عز وجلَّ {قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ } فالمراد بأسلمنا: الإسلام اللغويَ الذي هو الانقيادُ وليس المقصودُ الإسلام الشرعيَّ حيث أن هؤلاءِ الأعرابَ كانوا يَظهرون للناسِ أنهم يحبون الرسول صلى الله عليه وسلم وأنهم منقادُون له، خوفاً من القتلِ وفي قلوبهم كُرهٌ للنبي.

قال الامامُ القرطبيُّ في تفسير الآيةِ " معنى {أَسْلَمْنَا} أي استسلمنا خوف القتلِ والسبيِ وهذه صِفَةُ المنافقين وكذلك ما جاءَ في الحديثِ " لا يؤمِنُ أحَدُكُم حتى يُحِبَّ لأخِيهِ ما يُحِبُّ لنفسِهِ " ونحو هذا من الأحاديثِ، فليسَ المرادُ به نفيَ أصلَ الإيمانِ عنهُ بل المرادُ نفْيُ الايمانِ الكاملِ الذي يكونُ به مُتَّبعاً للنبيَّ اتباعاً كاملاً.

واسمُ الإيمانِ يجمَعُ الطاعاتِ فَرضَها ونَفْلها وأنها على ثلاثةِ أقسامٍ، فقِسْمٌ يكفرُ بتركِه، وقسمٌ يفسقُ بتركِهِ وقِسْمٌ يكونُ بتركِهِ تاركا للأفضلِ غيرَ فاسِقٍ ولا كافِرٍ.

والأمرُ الذي لا يَفْسُقُ ولا يَكْفُرُ الإنسانُ بتركِهِ ويكونُ تاركا للأفضلِ هو ما يكونُ من العباداتِ كنوافلِ الصلاةِ أي سُنَنِ الصلاةِ أو صيامِ الإثنينِ والخميسِ، فمن ترك هذه الأشياءَ فليسَ عليهِ معصِية.

أما ما يَفْسُقٌ الانسانُ بتركِهِ أي يعصي اللهَ بذلكَ، هذا في حال تركَ فَرْضاً مِنَ الفرائِضِ، كالصلاةِ والزكاةِ والصِيامِ والحجِ واجتنابِ المحرماتِ.

والأمرُ الأخيرُ فيكْفُرُ الانسانُ بتركِهِ لهذا الأمر ونزول اسمُ الإيمانِ عنه، ويكونُ ذلك بتركه مثلاً لتعظيمِ اللهِ أو تعظيمِ أنبياءِ اللهِ ويسمى هذا الأمرُ الردةُ.

لذلك لا يزولُ اسمُ الإيمانِ والإسلامِ عن المؤمنِ إلا بالردة التي هي أفحشُ أنواعِ الكُفرِ ويسمى عندئذٍ كافراً، ولا يجوزُ مناداتُهُ بالمسلم ولا بالمؤمنِ كما فعل الامام الشافعيُّ فإنه قال لِحَفْصٍ الفرْدِ بعدما ناقشهُ في مسئلةِ الكلامِ " لقد كفرتَ باللهِ العظيمِ " .

والردةُ ثلاثةُ أقسامٍ كما قسمها النوويُّ وغيره من شافعيةٍ وحنفيةٍ وغيرهم: اعتقاداتٌ وأفعالٌ وأقوالٌ، وكل قسمٍ يتشعَّبُ شُعباً كثيرةً .

فقد ذكر النوويُّ الشافعيُّ في كتابه " المنهاج " إنَّ الردةَ هي قَطْعُ الاسلامِ بنيةٍ أو قولِ كُفرٍ أو فعلٍ سواءٌ قاله استهزاءً أو عناداً أو اعتقاداً ".

وذَكَرَ مثل ذلك الحَطَّابُ المالكيُّ في كتابهِ مواهِبُ الجليلِ، وابنُ عابدينَ الحنفيُّ في كتابِ ردِّ المُحتارِ على الدُرِّ المختارِ، والبُهوتيّ الحنبليُّ في شرحِ مُنتهى الإراداتِ فلينظرها من شاء.

فتبيّنَ أن المذاهِبَ الأربعةَ متفقةٌ على تقسيمِ الكُفرِ إلى أنواعِهِ الثلاثةِ وعلى هذا التقسيم كان مفتي بيروتَ الأسبقُ عبدُ الباسطِ الفاخوريُّ، فإنه يقولُ في كتابهِ الكفايةُ لذوي العنايةِ في أحكامِ الردةِ: وهي قَطْعُ مُكلَّفٍ مُخْتَارٍ الإسلامَ ولو امرأة بنية الكفر أو فعلٍ مكفرٍ أو قولٍ مكفرٍ سواءٌ قالهُ استهزاءً أو اعتقاداً أو عناداً.

وكلُ قِسمٍ من هؤلاءِ الثلاثةِ يُخرِجُ من الإسلامٍ بمفردِهِ من غيْرِ أن ينضَمَّ إليه قِسمٌ آخرٌ، كالأقوالِ الكفريةِ تُخْرِجُ من الإسلامِ من دونِ أن يقترِنَ بها اعتقادٌ أو فعلٌ.

فقد قال الإمامُ مُلاّ علي القاري في شرحِهِ على الفقِهِ الأكبرِ للإمامِ أبي حنيفة ما نصُّهُ " مَنْ كَفَرَ باللسانِ وقلبُه مطمئنٌ بالإيمانِ فهو كافرٌ وليسَ بمؤمنٍ عند اللهِ ".

والأقوالُ هي أكثرُ ما تكونُ سَبَباً لخُروجِ الناسِ من الإسلامِ وهي أشدُّ معاصي اللسَانِ وأخطرُها على الإطلاقِ، كسَبِّ اللهِ وسبِّ الأنبياءِ والملائكةِ ودينِ الإسلامِ. فقد قالَ عليه الصَّلاةُ والسلامُ:" إنَّ العبدَ ليتكلمُ بالكلمةِ لا يرى بها بأساً يهوي بها في النار سبعينَ خريفاً" أي أنَّ العَبْدَ قد يتكلمُ بالكلمةِ الفاسدةِ وهُو لا يراها ضارَّةً لجهلهِ بأمورِ دينهِ، فتكونُ هذهِ الكلمةِ سَبَبَاً لنزولِهِ إلى قعْرِ جهنمَ إن ماتَ عليها، أما من وَقعَ في الكُفْرِ يجبُ عليهِ العودُ فوراً إلى الإسلامِ بقولِ: أشهدُ أنْ لا إله إلا الله وأشهدُ أنَّ محمداً رسول الله.

ونسأَلُكَ اللهمَّ أن تتوفَّانا على الإيمان وتحفظنا مِنَ الكُفرِ.

مواضيع ذات صلة

<<< الدرس المقبل

الدرس السابق >>>