مواقع اخرى خدمات الصور الإسلامية فرق منحرفة المكتبة الصوتية
English  Francais  أهل السنة

ليلة النصف من شعبان

ليلة النصف من شعبان




الخطبة الاولى :



إنَّ الحمدَ لله نحمدُه ونستغفره ونتستهديه ونعوذُ بالله من شرور أنفسنا ومن سيّئات أعمالنا، من يهْدِ اللهُ فلا مضِلَّ له ومن يضلل فلا هادي له وأشهدُ أن لا إله إلا اللهُ وحدَه لا شريك له وأشهد أنّ محمداً عبدُه ورسولُه من بعثهُ اللهُ رحمةً للعالمين هادياً ومبشراً ونذيراً. بلّغ الرسالة وأدّى الامانة ونصحَ الامّة فجزاهُ اللهُ عنّا خيرَ ما جزى نبيّاً من أنبيائه. صلواتُ اللهِ وسلامه عليه وعلى كلِّ رسولٍ أرْسَلَه.



أما بعدُ عبادَ اللهِ أوصيكم ونفسيَ بتقوى الله العليّ العظيم.



يقولُ اللهُ تعالى في كتابِهِ العزيز { وإذا سألكَ عبادي عَنّي فإني قريبٌ أجيبُ دعوةَ الداعِ إذا دعانِ } سورة البقرة, آية: 186.



ويقول أيضاً { وإذا مسَّ الإنسانَ الضُرُّ دَعَانَا لجنبِهِ أو قاعداً أو قائماً } سورة يونس, آية: 12.

ويقول أيضاً عَزّ مِنْ قَائِل { وإذا مَسَّ النّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا ربَّهُم منيبينَ إليه } سورة الروم, آية:33 .

ويقول عليه الصلاةُ والسلام " الدعاءُ مُخُّ العبادة ".



إخوة الايمان، إن المؤمن إذا دعا ربّهُ وتذلّل له كان له بذلكَ أجرٌ إنْ أخلصَ النية، ولقد بيّنَ النبيُ صلى الله عليه وسلم لنا متى يكونُ الدعاءُ أقرب للإجابةِ فمنْ ذلكَ الدعاءُ ما بينَ الأذان والإقامةِ وءاخرَ ساعةٍ من يوم الجمعة وفي الثلثِ الأخيرِ منَ الليلِ وفي السجودِ في الصلاةِ ودُعاءُ المسافرِ ودعاءُ المظلوم وكذلكَ الدعاءُ عندَ قبرِ النبيِ صلى الله عليه وسلم وعند قبورِ غيرِه منَ الانبياءِ والدعاءُ عند قبورِ الصالحين كالشافعي وأبي حنيفة ومعروفٍ الكَرْخي الذي قيل فيه " قبرُ معروفٍ التِّرياقُ المُجرَّب " وغيرُهُم كثير. وكذلك الدُّعاءُ عندَ المُلْتَزَم وتحتَ الميزابِ (ميزابِ الرَّحمة).





إخوة الايمانِ، إنَّ الدعاءَ قُربَةٌ من القُرَب إن كانَ بخير، وينتفعُ المسلمُ بالدُعاءِ ولو لم يحصل على مراده الذي طلبه، فالدّاعي قد يُعطى بعضَ ما طلَب ولا يُعطَى البعضَ الآخر، وأما قولُه تعالى { ادعوني أستَجبْ لكم } فمعناه اعبدوني أُثِبْكم. وليس معناه أنّ كلَّ ما دعا به الانسانُ يُعطاه.



وينبغي أيّها الأحبَّةُ المؤمنونَ أنْ يكونَ الدعاءُ بما يجوزُ الدّعاءُ بِهِ شرعاً لا غيرَ، فلا يجوزُ التّلفظُ بكلامٍ أثناءَ الدّعاءِ يُفهم منه أنَّ اللهَ يُغيّرُ مشيئتَهُ إذْ ربُّنا عزَّ وجلَّ مشيئتهُ أزليةٌ أبدية لا تتغيّر، لا لدعاءِ داعٍ ولا لصدقة متصدِّقٍ. وأما الحديثُ الذي رواهُ التّرمذي " ولا يَرُدُّ القَدَرَ شيءٌ إلا الدعاء " فالمرادُ به القضاءُ المعلَّق، لأنّ القضاءَ منه ما هو معلَّقٌ ومنه ما هو مُبْرَمٌ لا يتغير. فالمعلَّقُ معناه أنّه معلَّق في صحفِ الملائكةِ التي نقلوها من اللوحِ المحفوظ، فيكونُ مكتوباً عندهم مثلاً فلانٌ إنْ وصَل رَحِمَهُ أو برّ والديه أو دعا بكذا يعيش الى المائة أو يُعطى كذا من الرزق والصحة وإنْ لم يصلْ رحمه يعيش الى الستين ولا يُعطى كذا من الرّزقِ والصحة. هذا معنى القضاءِ المعلّق أو القَدَرِ المعلّق، وليس معناه أن تقديرَ اللهِ الأزليَ الذي هو صفتُهُ معلّق على فعلِ هذا الشخص او دعائِهِ. فالله تعالى يعلم كلَّ شيء، لا يخفى عليه شيء، هو يعلَمُ بعلمِهِ الأزليِ أيَّ الأمرين سيختار هذا الشخص وما الذي سيصيبُه واللوحُ المحفوظُ كُتِبَ فيهِ ذلكَ أيضاً.



وممّا استدَلَّ بِهِ أهلُ الحقّ على أنَّ اللهَ لا يُغيّرُ مشيئتَهُ لدعاء داعٍ الحديثُ الذي رواهُ الحافظ عبدُ الرحمنِ بنُ أبي حاتِمٍ عن أبي هريرةَ أنّ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قال " سألتُ رَبي أربعاً فأعطاني ثلاثاً وَمَنَعَني واحدةً. سألتُه أن لا يُكْفِرَ أمَتي جملةً فأعطانيها وسألته أن لا يُهْلِكَهم بما أهلك به الأُمَمَ قبلَهم فأعطانيها وسألتُه أن لا يُظهِرَ عليهم عدواً من غيرِهم فيستأصِلَهم فأعطانيها، وسألتُه أن لا يَجْعَلَ بأسَهُم بينهم فَمَنَعَنيها ".



وروى مسلمٌ عنْ ثوبانَ أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال " سألتُ ربي ثلاثاً فأعطاني ثِنتينِ ومنعني واحدة " وفي روايةٍ " قال لي : يا محمدُ إنّي إذا قضيتُ قَضَاءً فإنَّهُ لا يُرَدُّ ". فلوْ كان اللهُ يغيرَ مشيئتهُ بدعوةٍ لغيّرَها لحبيبه المصطفى صلى الله عليه وسلم. ولكِنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ لا تتغيرُ صفاتُه.



وهنا أيّها الأحبّةُ ينبغي التنبيهُ إلى أنَّ قولَ اللهِ تعالى: { يَمحُو اللهُ ما يشاءُ ويُثبت { ليسَ معناهُ كما يتوهم بعضُ الجُهّالِ من أنَّ اللهَ يغيّرُ مشيئتَهُ بلِ المعنى الصحيحُ لهذه الآيةِ هو كما قال الشافعي رضي اللهُ عنه فيما رواهُ عنه البيهقيُ رحمه اللهُ، أي أنَّ اللهَ تعالى يمحو ما يشاءُ من القرءانِ ويرفَعُ حكمَهُ وينسَخُهُ ويُثبت ما يشاءُ من القرءانِ فلا ينسخُه وهذا في حياةِ رسولِ اللهِ أما بعد وفاته فلا نَسْخَ.



وأمَا قولُه تعالى { كلَّ يومٍ هو في شأن { فليسَ معناهُ أنّ اللهَ يغيّرُ مشيئتهُ وإنما معناهُ كما قالَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم " يَغْفِرُ ذنباً ويكشِفُ كَرْباً ويَرفَعُ قوماً ويضع ءاخرين ".



ويوافق هذا قولُ الناسِ: " سبحانَ الذي يُغيّر ولا يتغيّر " وهو كلامٌ جميلٌ إذِ التغيُّرُ في المخلوقاتِ وليسَ في اللهِ وصفاته.



ثمّ إن ممّا ينبغي التنبُّه منه دعاءٌ اعتادَ بعض الناس على ترْدَادِهِ في ليلة النصف من شعبان وهو " اللهم إن كنت كتبتني عندَك في أمِّ الكتابِ شقيّاً محروماً أو مطروداً أو مُقَتَّراً عليَّ في الرِّزقِ فامحُ اللهم بفضلك شقاوتي وحِرماني وطردي وإقتار رِزقي ...الخ. فهذا اللفظُ رُويَ بعضُهُ عن عُمَرَ وابن مسعودٍ ومجاهدٍ ولم يثبتْ عن أحدٍ منهم ولا يصِحُّ روايتُه لِما يُتَوَهَّم منه.



فإنَّ مَمنْ يعتقدُ أنَّ اللهَ يغيّر مشيئتَهُ بدعوةِ داعٍ فقد فَسَدتْ عقيدته.



إخوة الايمانِ وبما أنّ ليلةَ النصفِ من شعبانَ قدِ اقتربت نُذكّركم بالحديث الذي رواه ابن ماجه " إذا كانت ليلةُ النِّصفِ من شعبان فقوموا ليلَها وصوموا نهارها ".



فليلةُ النصفِ من شعبانَ هي ليلةٌ مباركةٌ وأكثرُ ما يَبْلُغُ المرءُ تلكَ الليلةَ أن يقومَ ليلها ويصومَ نهارَها ويتّقي اللهَ فيها.



وتقوى الله معناها أداءُ الواجبات واجتناب المحرّمات. وينبغي للشخصِ في هذِهِ الليلةِ كما ينبغي في سائر الاوقات أن يتذكّر أنَّ الموتَ ءاتٍ لا محالة وأنَّ الناسَ سيُبعثون ويُحشرون ويُسألون ويُحاسبون فيفوز من ءامن واتّقى ويَخسَرُ من كفر وظلم. فعلى الانسان أن يعتَنيَ كلَّ الاعتناءِ بالتزود للآخرةِ بجِدٍٍّ واجتهادٍ زائدين وفي ذلكَ قالَ بعض الصوفية :



إذا العِشرون من شعبانَ ولَّتْ || فواصلْ شُرْبَ ليلِكَ بالنّهار

ولا تشربْ بأقداحٍ صغارٍ || فقد ضاقَ الزمانُ عَنِ الصِغار



المُرادُ به شراب الحسنات معناه كَثِّر من الحسنات الليل والنهار أي أنَّ الموتَ ءاتٍ قريب فعليك أن تتزود لآخِرتِك من هذه الدنيا بجِدٍّ زائدٍ .



وفي ذلك جاء قوله تعالى: { ولا تنسَ نصيبكَ مِنَ الدُّنيا } أي لا تنسَ نصيبكَ لآخرتك من دنياك. فمن تزوّد لآخرته من هذه الدّنيا فهو المتزوِّدُ ومن فاته التزوّد للآخرة من هذه الدنيا فقدْ فَاتَهُ التزودُ، ومن المهم هنا التذكيرُ أيضاً بطلبِ العلمِ الشرعيِ وبأنّه واجب على كلِّ مسلمٍ فقد قال عليه الصلاة والسلام : " طلبُ العلمِ فريضةٌ على كلِّ مسلم " رواه البيهقي.





أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم.





الخطبة الثانية : إنّ الحمد لله نحمَدُه ونستغفره ونستعينه ونستهديه ونعوذُ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهدِ اللهُ فلا مُضِلَّ له ومن يُضْلِلْ فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحدَه لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسولُه صلواتُ اللهِ وسلامه عليه وعلى كلِّ رسولٍ أرسلَه.



أما بعد عبادَ اللهِ أوصيكم ونفسي بتقوى اللهِ العليّ العظيم.

يقول الله تعالى في كتابه العزيز { يا أيّها الناس اتّقوا ربَّكم إنّ زلزلة الساعةِ شيءٌ عظيم، يوم ترونها تذهَلُ كلُّ مُرضِعةٍ عمّا أرضَعت وتضَعُ كلُّ ذاتِ حَمْلٍ حملَها، وترى الناسَ سُكَارى وما هم بسُكارى ولكنَّ عذاب الله شديد }.



إخوة الايمان نذكركم بتجنب المعاصي في كافّة أوقاتكم والمحافظة على أولادكم فادعوا الله أن يحفَظَكُم من الفتن وهاكُم قِصَّةً فيها عِبرةٌ لتَبقوْا بينَ الخوفِ والرّجاء...



مرَّ رجلٌ من الصالحينَ بالكعبةِ فَوَجَدَ رجلاً معلّقاً بأستارِ الكعبةِ يدعو اللهَ " اللهم اقبضني إليكَ غَيْرَ مَفتونٍ" فقال له " هنا يُدْعا للدنيا وللآخرة فلماذا تَدْعو بهذا الدعاءِ قال له " لو عرفت قِصّتي " قال " وما هي "، قال " كان لي أخ أَذّنَ في المسجدِ احتساباً أربعينَ عاماً فلما حَضَرَتْهُ الوفاةُ طَلَبَ المُصحف فظنَنَّا أنه يريدُ أن يَتبرك بهِ فلما أتيناهُ به قال (أخوه) اشهدوا أني بريءٌ من هذا وارتدَّ عن الاسلام ومات على الكفر. وأخي الآخرُ كذلك أذّنَ في المسجدِ احتساباً ثلاثين عاماً فلما حَضَرتْهُ الوفاةُ فَعَلَ فِعْلَةَ أخيهِ. وأنا خائف على نفسي فقال له الرجلُ الصالحُ وما كان عَمَلَهُما أي ما هي المعصيةُ التي كانا يقعان فيها كثيراً. قال كانا يتتبعان عورات الناس. أي يتتبعان عيوب الناس. فمن شؤم هذه المعصية اسود قلبهما فوقعا في الكفر.



نسأل الله السلامةَ وحُسنَ الخِتامِ.


مواضيع ذات صلة

<<< الدرس المقبل

الدرس السابق >>>