مواقع اخرى خدمات الصور الإسلامية فرق منحرفة مقالات المكتبة الصوتية
English  Francais  أهل السنة

ليلة النصف من شعبان

ليلة النصف من شعبان




قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إذا كانت ليلة النصف من شعبان فقوموا ليلها وصوموا نهارها".



ليلة النصف من شعبان هي ليلة مباركة وأكثر ما يبلغ المرء فيها أن يقوم ليلها ويصوم نهارها ويتقي الله فيها.



وأما قراءة سورة يس في ليلة النصف من شعبان ففيه ثواب كما في سائر الأوقات ولكن لم يرد عن رسول الله صلى عليه وسلم أنه يستحب قراءتها في هذه الليلة خاصة.



وينبغي أن لا يعتقد أنها هي الليلة التي يقول الله فيها: {فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ} سورة الدخان.



وإن كان شاع عند بعض العوام أن هذه الليلة هي ليلة النصف من شعبان فهذا غير صحيح والصواب أن هذه الليلة هي ليلة القدر.

ومعنى {فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ} أن الله يطلع ملائكته هذه الليلة ليلة القدر على تفاصيل ما يحدث في هذه السنة إلى مثلها من العام القابل من موت وحياة وولادة وأرزاق ونحو ذلك.



إعلم أخي المسلم أن تقدير الله تعالى الأزلي لا يغيره شىء لا دعوة داع ولا صدقة متصدق ولا صلاة مصل ولا غير ذلك من الحسنات بل لا بد أن يكون الخلق على ما قدر لهم من غير أن يتغير ذلك.



وأما قول الله تعالى: {يَمْحُو اللّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ} فليس معناه أن المحو والإثبات في تقدير الله، بل المعنى في هذا أن الله عز وجل قد كتب ما يصيب العبد من عباده من البلاء والحرمان والموت وغير ذلك وأنه إن دعا الله تعالى أو أطاعه في صلة الرحم وغيرها لم يصبه ذلك البلاء ورزقه كثيرا أو عمره طويلا وكتب في أم الكتاب ما هو كائن من الأمرين فالمحو والإثبات راجع إلى أحد الكتابين كما أشار إليه ابن عباس، فقد روى البيهقي عن ابن عباس في قول الله عز وجل {يَمْحُو اللّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ}، قال: يمحو الله ما يشاء من أحد الكتابين، هما كتابان يمحو الله ما يشاء من أحدهما ويثبت وعنده أم الكتاب. انتهى .

والمحو يكون في غير الشقاوة والسعادة، فقد روى البيهقي أيضا عن مجاهد أنه قال في تفسير قول الله تعالى: {فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ} أنه قال يفرق في ليلة القدر ما يكون في السنة من رزق أو مصيبة، فأما كتاب الشقاء والسعادة فإنه ثابت لا يغير. انتهى.



فلذلك لا يصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الدعاء الذي فيه: إن كنت كتبتني في أم الكتاب عندك شقيا فامح عني اسم الشقاء وأثبتني عندك سعيدا، وإن كنت كتبتني في أم الكتاب محروما مقترا علي رزقي فامح عني حرماني وتقتير رزقي وأثبتني عندك سعيدا موفقا للخير، فإنك تقول في كتابك يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب، ولا ما أشبهه ولم يصح هذا الدعاء أيضا عن عمر ولا عن مجاهد ولا عن غيرهما من السلف.

كما يعلم ذلك من كتاب القدر للبيهقي ولا يجوز أن يظن أن الداعي إذا دعا الله بشىء أن الله يشاء له ذلك الشىء بعد أن لم يكن شائيا لأن الله لا يفعل شيئا لم يشأ في الأزل وكذلك إن شاء الله في الأزل أن يدعوه العبد بالنجاة من شىء مكروه فيستجيب له فيسلم من ذلك المكروه بدعائه فيحصل ما طلب.

وإن شاء الله في الأزل أن يدعوه العبد بذلك ولم يشاء أن ينال مطلوبه لم ينل لأن مشيئة الله لا تتغير، لكنه ينال ثواب الدعاء لأن الدعاء حسنة والدليل على ذلك ما رواه مسلم وأبو داوود من حديث سعد أن النبي قال: "سألت ربي لأمتي ثلاثا فأعطاني ثنتين ومنعني واحدة، سألته أن لا يهلك أمتي بالسنة فأعطانيها. وسألته أن لا يهلك أمتي بالغرق فأعطانيها.

وسألته أن لا يجعل بأسهم بينهم فمنعنيها".



دل هذا الحديث أنه لا تتجدد لله مشيئة لم تكن في الأزل فلو كانت مشيئته تتغير لدعاء داع لغيرها لدعوة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم.



ويناسب هنا إيراد عبارة البيهقي في كتابه القضاء والقدر من حديث علي بن أبي طالب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من سره أن يمد الله في عمره ويوسع له رزقه ويدفع عنه ميتة السوء فليتق الله وليصل رحمه"، قال الشيخ (يعني البيهقي): وتفسير ذلك وما قبله في قول ابن عباس (إن الحذر لا يغني من القدر وإن الدعاء يدفع القدر وهو إذا دفع القدر فهو من القدر)، عن طاوس عن ابن عباس قال: لا ينفع الحذر من القدر ولكن الله عز وجل يمحو بالدعاء ما شاء من القدر.



عن عكرمة عن ابن عباس في قول الله عز وجل: {يَمْحُو اللّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ} قال: يمحو الله ما يشاء من أحد الكتابين، هما كتابان يمحو الله ما يشاء من أحدهما ويثبت وعنده أم الكتاب قال الشيخ: والمعنى في هذا أن الله جل ثناؤه قد كتب ما يصيب عبداً من عباده من البلاء والحرمان والموت وغير ذلك وأنه إن دعا الله تعالى أو أطاعه في صلة الرحم وغيرها لم يصبه ذلك البلاء ورزقه كثيراً وعمره طويلاً وكتب في أم الكتاب ما هو كائن من الأمرين فالمحو والإثبات يرجع إلى أحد الكتابين كما أشار إليه ابن عباس والله أعلم.



عن ابن عباس قال: {يَمْحُو اللّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ} قال: هو الرجل يعمل الزمان بطاعة الله ثم يعود لمعصية الله فيموت على ضلالة فهو الذي يمحو ويثبت، والرجل يعمل بطاعة الله وقد كان سبق له خير حتى يموت وهو في طاعة الله فهو الذي يثبت.



قال الشيخ: وقد دل بعض ما مضى من السنن أن الواحد منا قد يعمل زماناً بمعصية الله ثم يختم له بعمل أهل الجنة ويعمل الآخر زماناً بطاعة الله ثم يختم له بعمل أهل النار فيرجع كل واحد منهما إلى ما سبق من علم الله فيهما فيحتمل أن يكون المحو والإثبات راجعين إلى عملهما. والله أعلم.



عن عبد الله هو ابن مسعود قال: ما دعا عبد بهذه الدعوات إلا وسع الله عليه في معيشته: يا ذا المن ولا يمن عليك، يا ذا الجلال والإكرام، يا ذا الطول لا إله إلا أنت، ظهر اللاجئين وجار المستجيرين ومأمن الخائفين، إن كنت كتبتني في أم الكتاب عندك شقياً فامح عني اسم الشقاء وأثبتني عندك سعيداً وإن كنت كتبتني في أم الكتاب محروماً مقتراً علي رزقي فامح عني حرماني وتقتير رزقي وأثبتني عندك سعيداً موفقاً للخير فإنك تقول في كتابك: {يَمْحُو اللّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ} قال: فهذا موقوف.



عن أبي عثمان النهدي قال: سمعت عمر بن الخطاب وهو يطوف بالكعبة يقول: اللهم إن كنت كتبتني في السعادة فأثبتني فيها وإن كنت كتبت علي الشقوة والذنب والمقت فامحني وأثبتني في السعادة {يَمْحُو اللّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ} فإن صح شيئ من هذا فمعناه يرجع إلى ما ذكرنا من محو العمل والحال.



وتقدير قوله: اللهم إن كنت كتبتني أعمل عمل الأشقياء وحالي حال الفقراء برهة من دهري فامح ذلك عني بإثبات عمل السعداء وحال الأغنياء واجعل خاتمة أمري سعيداً موفقاً للخير فإنك قلت في كتابك: {يَمْحُو اللّهُ مَا يَشَاء} أي من عمل الأشقياء {وَيُثْبِتُ} أي من عمل السعداء ويبدل ما يشاء من حال الفقر ويثبت ما يشاء من حال الغنى ثم المحو والإثبات جميعاً مسطوران في أم الكتاب.



عن منصور قال: قلت لمجاهد: ما تقول في هذا الدعاء: اللهم ان كان اسمي في السعداء فأثبته فيه وإن كان في الأشقياء فامحه منهم واجعله في السعداء فقال: حسن. ثم مكثت حولاً فسألته عن ذلك فقال: {حم (1) وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ (2) إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ (3) فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ}. قال: يفرق في ليلة القدر ما يكون في السنة من رزق أو مصيبة فأما كتاب الشقاء والسعادة فإنه ثابت لا يغير. يعني رجع عن قوله الأول إلى الثاني.



عن سعيد ابن جبير عن ابن عباس في قوله عز وجل: {يَمْحُو اللّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ} قال: يريد أمر السماء يعني في شهر رمضان فيمحو ما يشاء غير الشقاء والسعادة والموت والحياة.



عن علي ابن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله: {يَمْحُو اللّهُ مَا يَشَاءُ} يقول: يبدل الله ما يشاء من القرءان فينسخه، {وَيُثْبِتُ} يقول: يثبت ما يشاء لا يبدله {وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ} يقول: جملة ذلك عنده في أم الكتاب الناسخ والمنسوخ وما يبدل وما يثبت كل ذلك في كتاب، هذا أصح ما قيل في تأويل هذه الآية وأجراه على الأصول وعلى مثل ذلك حملها الشافعي رحمه الله ومن أهل العلم من زعم أن المراد بالزيادة في العمر نفي الآفات عنه والزيادة في عقله وفهمه وبصيرته. انتهى كلام البيهقي.



فانظر أيها الطالب الوقوف على الحقيقة وتأمل، إن هذه الألفاظ المروية عن قتادة وابن مسعود وعمر وابن عباس ليس فيها هذه الكلمات التي اعتاد الناس قراءتها في ليلة النصف من شعبان إنما المذكور في ذلك بعض ما يقرءونه.



واعلم أن البيهقي لم يصحح شيئاً من هذه الروايات وقد أتى بصيغة التردد فيما روى عن عمر للدلالة على عدم ثبوته وترجيحه أن يكون المعنى المراد بالآية الناسخ والمنسوخ دليلٌ على أنه لم يثبت عنده ما سوى ذلك.


مواضيع ذات صلة

<<< الدرس المقبل

الدرس السابق >>>