بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين له النعمة وله الفضل وله الثناء الحسن والصلاة والسلام الأتمان الأكملان على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه الطيبين الطاهرين، الإيمان بالقدر من أصول الإيمان، يقول شيخنا المحدث الفقيه الشيخ عبد الله الهرري رحمه الله أما بعد فقد روينا بالإسناد المتصل بصحيح الإمام مسلم بن الحجاج من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال خاصم المشركون رسول الله صلى الله عليه وسلم في القدر فأنزل الله تبارك وتعالى (إن المجرمين في ضلال وسعر يوم يسحبون في النار على وجوههم ذوقوا مس سقر إنا كل شيء خلقناه بقدر) فالقدر من أصول الإيمان التي يجب الإيمان بها على كل بالغ عاقل، أي على كل مكلف، ثم القدر معناه التدبير، وقال بعضهم التعيين،

ولكن التفسير بالتدبير هو منقول عن أئمة اللغة، أما التعيين فلم ينقل عن أحدٍ منهم، فمن أئمة اللغة الذين فسروا القدر بالتدبير، الإمام اللغوي الزجاج، وكذلك بدر الدين الزركشي، فمعنى (إنا كل شيء خلقناه بقدر) أن الله تبارك وتعالى خلق كل شيء من الأشياء بقدر، أي بتدبير أزلي، الله تعالى قدّر الخلائق كلها، دبّر الخلائق كلها بتديره الأزلي على حسب مشيئته تعالى الأزلية، وعلمه الأزلي، فوجدت الخلائق كلها في أوقاتها على حسب مشيئة الله تعالى الأزلية وعلمه الأزلي، فهذا التدبير الأزلي الأبدي الذي دبّر به الأشياء المحدثات يسمى تقديرا، وكل ما خلق الله تعالى أي أبرزه من العدم إلى الوجود هو بتدبير الله الأزلي، وكان المشركون يقولون إن الأمر لوقته،

ليس لتقدير سابقٍ أزلي، كانوا يقولون الأمر أُنُف، قال الحافظ النووي في الأسماء واللغات، أي مستأنف، لم يسبق به علم الله، تعالى الله عن قولهم الباطل علوًا كبيرا، لا يقال إن الله لم يكن شائيًا وجود كذا ثم صار شائيا، هذا لا يجوز، لأن فيه تشبيه الله بخلقه، لأننا نحن نشاء الشيء بعد أن لم نكن شاءٍ له، تحصل فينا بعد أن لم تكن، المشيئة تحصل فينا بعد أن لم تكن، لأن أجسامنا وجدت بعد أن لم تكن موجودة، نقول عند الاختصار عن الله سميع لا كالسامعين، بصيرٌ لا كالمبصرين، لأن السامعين سواه سمعهم محدث أي مخلوق، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أذن لي أن أحدّت عن ملكٍ من ملائكة الله من حملة العرش إنما بين شحمة أذنه إلى عاتقه مسيرة سبعمائة عام،

قال شيخنا رحمه الله روينا بالإسناد المتصل في مسند الإمام أحمد وسنن أبي داود وصحيح ابن حبان رحمهما الله تعالى، عن عبد الله بن الديلمي قال أتيت أبي بن كعب فقلت يا أبا المنذر إنه حدث في نفسي شيء من القدر فحدّثني بشيء لعل الله ينفعني به، قال إن الله تعالى لو عذّب أهل أرضه وسمواته لعذبهم وهو غير ظالم لهم، ولو رحمهم كانت رحمته خيرًا لهم من أعمالهم ولو أنفقت مثل أُحد ذهبًا في سبيل الله ما قبله الله منك حتى تؤمن بالقدر، وتعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك وما أخطئك لم يكن ليصيبك، ولو مت على غير هذا لدخلت النار، ثم أتيت عبد الله بن مسعودٍ وحدثني مثل ذلك، ثم أتيت حذيفة بن اليمان فحدثني مثل ذلك، ثم أتيت زيد بن ثابت فحدثني عن النبي صلى الله عليه وسلم بمثل ذلك،

أبي بن كعب قال فيه الرسول عليه السلام أٌقرأكم أبي، أي أعلمكم بقراءة القرآن معنى قوله إن الله لو عذّب أهل أرضه وسمواته أي أن الله ليس مجبورًا أن يفعل لعباده ما هو صالحهم، أو ما هو أصلح لهم، كيف يكون مجبورًا وهو الحاكم الذي يقضي ولا يُقضى عليه، وهو الذي ليس عليه محكومية لغيره، وهو الآمر الذي ليس عليه مأمورية لغيره، وهو الناهي الذي ليس له ناه، هؤلاء الأنبياء لولا أن الله بعثهم لنسمع أمرهم، ما كان يجب علينا أن نتبعهم، لأنهم عبيدٌ مثلنا، ما وجب علينا طاعتهم إلا لأن الله أمرنا باتباعهم، أعطاهم المعجزات حتى يكون ذلك شاهدًا لنا أنهم صادقون في ما يقولون عن الله تعالى، ومعنى ولو رحمهم كانت رحمته خيرًا لهم من أعمالهم،

إذا أكرمهم بالدرجات العالية، كان ذلك فضلًا بل مزيد فضلٍ من الله تعالى عليهم، ليس من باب الوجوب الإلزامي على الله تبارك وتعالى، ثم قال عليه الصلاة والسلام ولو أنفقت مثل أحُدٍ ذهبًا في سبيل الله ما قبله الله منك حتى تؤمن بالقدر، المعنى، أن الذي لم يؤمن بالقدر ليس له حسنة من الحسنات، لأن عدم الإيمان بالقدر ينافي الإيمان فلا يصح الإيمان مع التكذيب بالقدر، لو أنفقت مثل أُحُدٍ ذهبًا، المعنى الإنسان لو أنفق مثل ذلك الجبل الذي هو أحد هو ضخم طويل وعريض، لو أنفق مثله في سبيل الله ما قبله الله منه أي لا يعطيه ثوابًا لأنه لم يؤمن بالقدر فلا يستحق ثوابا، وكذلك سائر الأعمال، لا تقبل مع التكذيب بالقدر، لأن ذلك كفر،

فالكلام في القدر بالقدر الذي ليس فيه خروج عن الشريعة واجب، أما ما زاد على ذلك فهو ممنوع، فقد روينا بالإسناد الصحيح المتصل من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إذا ذُكر القدر فأمسكوا رواه الطبراني، المعنى، لا تتعمقوا في البحث عنه بل اكتفوا بالقدر الذي يتطلبه الإيمان، وهو أن تعتقد أن كل شيء يجري في الكون وكل شيء يدخل في الوجود من الأعيان أشخاص أجسام، وأجسامٍ وحركاتٍ وسكنون حتى نوايا القلوب كل ذلك بتقدير الله الأزلي، هذا القدر واجب معرفته، إنما قصد رسول الله صلى الله عليه وسلم ترك الخوض في البحث إلى حدٍ يحتار فيه القلب ويقع في تيه الضلال، لأن الإنسان إذا تعمّق في البحث عن معرفة القدر يصل إلى التيه،

إلى تيه الحيرة والضلال، لذلك نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخوض، ما نهى عن معرفة القدر بل فرضٌ ذلك علينا، وهذا تيه معنوي، تيه للقلوب، كما أن بني إسرائيل الذين عصوا موسى عليه السلام حينما أمرهم بجهاد الجبابرة، قالوا فاذهب أنت وربك فقاتلا، كان بيت المقدس في ذلك الوقت في يد الجبابرة، موسى الله تعالى خلصه من فرعون وخلص ببركته بني إسرائيل الذين كان فرعون يستعبدهم خلصهم بأعجوبة بأن فلق بهم البحر اثني عشر فرقة، كل فرق كالجبل العظيم، فجازوا البحر وقطعوه وأهلك الله أعداءهم فرعون ومن معه، ولما اقتربوا من الأرض المقدسة في فلسطين قال لهم اذهبوا فجاهدوا هؤلاء الجبابرة، الذين كانوا يحكمون القدس، الكفار،

الذين كانوا مستولين على القدس، فأبوا رفضوا امتنعوا قالوا فاذهب أنت وربك فقاتلا، إنا ههنا قاعدون، الله تعالى حرّم عليهم دخول الأرض المقدسة أربعين سنة، يتيهون في الأرض في بضع فراسخة يذهبون ثم يعودون إلى حيث كانوا، يتيهون تيه الحيرة، فكذلك الذي يخوض في القدر يقع في تيه الحيرة القلبية، ثم موسى عليه السلام أدركته الوفاة فطلب من ربه أن يدنيه من الأرض المقدسة برمية حجر فحقق الله تعالى له ذلك ودُفن في مكان قريب بحيث إذا رمي بحجرة يصل هذا الحجر إلى حدود الأرض المقدسة، قبره عليه السلام بين أريحا والأرض المقدسة، هذا القبر الذي مر به رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة المعراج فوجد عليه السلام موسى عليه السلام قائمًا يصلي في قبره،

وهكذا الأنبياء كلهم بعد أن يموتوا يحيهم الله حياة برزخية ثم موسى جاء إلى بيت المقدس وصلى مع النبي صلى الله عليه وسلم ثم سبقه إلى السماء السادسة واستقبله هناك أيضًا في ليلة الإسراء والمعراج، ثم إن القدر ورد على معنيين، ورد على المعنى الذي ذُكر وورد في حديث جبريل بمعنى المقدور، كل شيء دخل في الوجود يسمى مقدورا وهذا الذي أراده رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث جبريل الذي سأل جبريل فيه الرسول عليه السلام وكان جاءه تلك المرة ولم يعرفه حتى ذهب، في هذا الحديث مذكور أن جبريل سأل الرسول صلى الله عليه وسلم فأخبرني ما الإيمان قال أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره، القدر هنا بمعنى المقدور، أي المخلوق، وليس بمعنى التقدير، الذي هو صفة الله الأزلية، لأن صفة الله تعالى لا توصف بالشر، وسبحان الله وبحمده والحمد لله رب العالمين.