بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على سيد المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه الطيبين الطاهرين وبعد، لله تعالى، قال الإمام المحدث الفقيه الشيخ عبد الله الهرري رحمه الله روينا بالسند إلى الإمام أحمد بن الحسين أبي بكر البيهقي رحمه الله بإسناده إلى رافع بن خديج صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال سيكون في أمتي أقوامٌ يكفرون بالله وبالقرآن وهم لا يشعرون، فقلت يا رسول الله كيف يقولون، قال يقرون ببعض القدر ويكفرون ببعض، يقولون إن الخير من الله والشر من الشيطان، وهذه مقالة طائفة من القدرية أي المعتزلة، وأصل معتقد المعتزلة أن الله تبارك وتعالى شاء لكل العباد أن يكونوا مؤمنين ثم يكون منهم ما شاء الله تعالى ويكون منهم ما لم يشأ الله تعالى،
فهؤلاء القدرية مع الجبرية على طرفي نقيد، هؤلاء قالوا إن العبد لا فعل له، وهؤلاء المعتزلة قالوا إن العبد هو يخلق أفعاله فليس لله تصرف في ذلك بعد أن أعطاهم سلامة الأسباب والآلات التي يحصل بها الفعل بعد أن أعطاه الله القدرة وصار عاجزًا على زعمهم عن خلق حركات العباد وسكناتهم، هكذا يقولون، فهما أي الفريقان الجبرية والمعتزلة القدرية على طرفي نقيد، وبين الفريقين وسط وهو مذهب أهل الحق أن العبد له الكسب وليس له الخلق، فصرنا نحن معاشر أهل الحق على خلاف لمعتقد هؤلاء وخلاف معتقد هؤلاء، فأهل الحق مثلهم كمثل الحليب الله تعالى يخرج الحليب من بين فرث ودم يخرجه سائغًا للشاربين، هذا معتقد أهل الحق، لم نُصب ما أصيب به هؤلاء ولا بما أصيب به هؤلاء،
فهذا الكلام الخبيث الذي ورد ذمه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث الذي رواه رافع بن خديج عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الآن هذا الشيء يجري على ألسنة كثير من الناس، الله خلق الخير ولم يخلق الشر والعياذ بالله، هذا من الكفر الذي يجري على ألسنة كثير من الناس، فهذا شبيه بعقيدة المجوس القائلين أن العالم له مدبران، مدبر خير ومدبر شر، قالوا النور مدبر الخير والظلمة مدبرة الشر، أي خالقته، ثم يختلط على كثير من الناس هذا الأمر فيظنونه حقا، ومنهم من يحتج بآية قرآنية يضعونها في غير محلها يلبسون الأمر على الناس، كما التبس عليهم الأمر، وهذه الآية هي قوله تعالى (ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك) هذه الآية لا تعني ما يدعونه،
معنى هذه الآية أن الحسنات أي النعم من فضل الله، الله تعالى يتفضل بها عليكم والسيئات بمعنى المصائب والشدة والبلايا، هذه جزاء أعمالنا أي ذنوبنا، الله تعالى ينزلنا بنا جزاء على أعمالنا على ذنوبنا، المصائب والبلايا جزاء أعمالنا أي ذنوبنا، فمن نفسك بمعنى جزاء عملك، ليس ظلمًا على الله تعالى ليس جورًا من الله، الله تعالى عدلٌ يجازيكم بهذه المصائب على ذنوبكم،
أما النعم فهي من فضل الله تعالى، هذا معنى الآية، هي لغة العرب واسعة تأتي الكلمة على معنيين وتأتي على أكثر من معنيين، فالحسنة في اللغة لها معنيان، وكذلك وردت في القرآن على معنيين، يقال للنعمة حسنة وللطاعة التي يتقرب بها إلى الله حسنة، كذلك السيئة لها معنيان المصيبة يقال لها سيئة، والمعصية يقال لها سيئة ورد ذكر السيئة في القرآن الكريم بهذا المعنى في موضع وبهذا المعنى في موضع آخر، كذلك الحسنة ورد ذكرها في القرآن بمعنى الطاعة بمواضع وبمعنى النعمة في بعض المواضع، هؤلاء لم يفرقوا بين الموضعين، التبس عليهم الأمر، ما أصابك من حسنة فمن الله، وما أصابك من سيئة فمن نفسك معناها ما يصيبك من النعم فمن الله،
أي من فضل الله عليك، وقوله وما أصابك من سيئة فمن نفسك أي من جزاء عملك، جازيناك بها على معاصيك، جازيناك بهذه المصيبة على معاصية هذا باعتبار أغلب الناس، لأن أغلب الناس لا يخلون من المعاصي، أما أحباب الله تعالى، قد يمضي عليهم زمنٌ طويل ولا تحصل لهم معصية لا صغيرة ولا كبيرة، أولئك المصائب التي تصيبهم زيادة في درجاتهم،
أما المسلمون الذين هم متلوثون بالذنوب فالمصائب التي تصيبهم كفارات لبعض ذنوبهم، وقد تطهرهم هذه المصائب من جميع ذنوبهم، فالمسلمون الذين هم من أهل المعاصي على قسمين، قسمٌ منهم المصائب تكون كفارة لبعض ذنوبهم ويبقى عليهم قسمٌ من ذنوبهم يجازون به في الآخرة، وقسمٌ منهم يطهرهم الله تعالى بهذه المصائب، فيخرجون من الدينا كيوم ولدتهم أمهاتهم من كثرة المصائب، من أمراضٍ وغير ذلك، لكن هذا باعتبار أغلب العباد، أغلب العباد لا يخلون من المعاصي، فعلى ذلك جاء قول الله تعالى (وما أصابك من سيئة فمن نفسك) نسأل الله تبارك وتعالى أن يثبتنا على عقيدة أهل السنة والجماعة وأن يرزقنا رؤية رسوله محمد عليه الصلاة والسلام.
