بسم الله الرحمن الرحيم

نكمل معا ما حصل مع سيّدنا زكريا عليه السّلام بعد أن دعا ربّه ليرزقه بعد كبر سنّه مولوداً، فقال ربِّ هب لي من لدنك ذريةً طيبة إنّك سميع الدّعاء. فأجاب الله دعاءه ورزقه على الكبر كما رزق سيّدنا إبراهيم على الكبر. وكان سيّدنا زكريّا هو الّذي يقرّب القربان أي ما يذبح تقرّباً من الله تعالى وهو من بفتح باب المذبح الذّي يذبح فيه تقرّباً لله فلا يدخل النّاس حتّى يأذن لهم. فبينما هو قائمٌ يصلّي في محراب المسجد أتاه سيّدنا جبريل عليه السّلام يلبس البياض ويحمل البشرى برفقته الملائكة وأحدقوا بسيّدنا زكريّأ قائلين له يا زكريّا إنّا نبشّرك بغلامٍ اسمه يحيى وسمّي بهذا الاسم لأنّ الله أحياه بين شيخٍ وامرأةٍ عجوزولم يسمّ أحدٌ قبل يحيى بهذا الاسم.

قال الله تعالى (لم نجعل له من قبل سميّا). فلمّا بشّر بالولد تساءل مستخبراً لا مستنكراً عن كيفية الأمر الذي يكون منه الولد. فقال ربِّ كيف يكون لي غلام وقد بلغني الكبر وامرأتي عاقر لا تستطيع الحمل أيولدُ لي وعمري مائة وعشرون ينة وامرأتي عاقرٌ قد بلغت سنّ من لا تلد وعمرها ثمانية وتسعون سنة. أأُعادُ أنا وامرأتي إلى سنّ الشّباب وهيئة من يولد له أم أتزوج من غيرها وأرزق بولد. فأُجيب بأنّه يولد له على هذه الحال من زوجته إيشاع أخت السّيدة مريم فالله يفعل ما يشاء ولا يعجزه شيء.

ثمّ طلب سيّدنا زكريّا من ربّه أن يجعل له علامة على وجود الحمل تدلّ على وقوعه عند زوجته لزيادة اطمئنانه واستعجالاً للسّرور. فأجابه الله أن علامته ستكون أن لا يكلّم النّاس ثلاثة أيام إلّأ رمزاً وسيحبس لسانه إلا عن ذكر الله وشكره على قضاء حقّ تلك النّعمة العظيمة.ولمّا حملت إيشاع بيحيى خرج زكريّا من محرابه صبيحة تلك الليلة وهو لا يتكلّم فأشار إلى النّاس بالرّمز و الإشارة وليس بالكلام فعلموا أنّه قد حصل ما بشّر به. وكان في الأمر معجزةٌ له وهي قدرته على التّكلم بالتّسبيح والذّكر بشكل جيد مع عدم التّكلم مع النّاس بأمور الدّنيا طيلة الأيام الثلاثة وإخباره بأنّه متى حصلت هذه الحالة من منع الكلام الدّنيوي فقد حصل الحمل بالولد عند زوجته وهذا ما حصل.

ولمّا حان وقت الولادة، ولدت إيشاع ابنها يحيى عليه السّلام طاهراً مباركاً فأتت ملائكة رفعته إلى السّماء فغذي من أنهار الجنّة ثمّ أنزل إلى أبيه وكان يضيء البيت لنوره وحسن وجهه وجماله عليه السّلام. ولمّا كبر يحيى عليه السّلام وبلغ سبع سنين علّمه والده التّوراة وأرسله إلى بيت المقدس محرّراً أي مفرّغا لعبادة الله وخدمة بيت المقدس. وكان يصلّي ويصوم في حال طفولته ويدعو إلى الله بقوةٍ وجد. وكان الصّبيان يقولون له في صغره اذهب بنا نلعب فيقول ما للّعب خلقنا وكان رفيق درب ابن خالته عيسى عليه السلام وهو أكبر منه ببضعة أشهر.

وكان طعامهما العشب المباح ولباسهما الوبر. وكان يحيى عليه السّلام حسن الوجه كثير العبادة قويّاً في طاعة الله ومنذ صغره كان يعظ النّاس ويقف لهم في أعيادهم وجمعهم يدعوهم إلى دين الإسلام ويعلّمهم الأحكام. ولمّا كبر سيّدنا يحيى اشتهر بقوّة العلم حتّى أحصى مسائل التّوراة الأصلية وأحاط بأصولها وفروعها وعرف بين النّاس أنّه جريءٌ في الحقّ شديدٌ على الباطل لا يخشى في الله لومة لائم ولا صولةَ عاتٍ ظالم. ولم يتزوّج عليه السّلام لأنّه آثر العبادة واشتغل بالطّاعة.

وفي يوم من الأيام، نقلوا إلى سيّدنا يحيى خبراً غريبا وهو أنّ هيرودوس ملك فلسطين وهو من ملوك بني إسرائيل قد هوي وعشق هيروديا ابنة زوجته من والدٍ آخر إذ كانت بين عينيه بارعة الشّكل فتذانة المحاسن وإنّه قد عزم على زواجها وهذا حرام وأعانته على ذلك أمّها الظالمة وأقرباؤها. وقيل إنّ الملك كان يكرم سيّدنا يحيى ويدني مجلسه ويستشيره في امره ولا يقطع أمراً دونه.فلمّا سأل يحيى عن الحكم في زواج هيروديا نهاه عن هذا الأمر وقال لا تحلّ لك ويحرم زواجك منها. فشاع الأمر في المدينة وبلغ ذلك أمّها فحقدت على سيّدنا يحيى والعياذ بالله تعالى وأضمرت له السّوء.

فزيّنت ذات يوم ابنتها وألبستها ثياباً رقيقة حمراء وطيّبتها وجمّلتها بالحلي وغطّتها بكساء أسود وأرسلتها غلى الملك وأمرتها أن تتعرّض له وتفتنه وتسقيه الخمر. فإذا راودها عن نفسها أبت عليه حتّى يعطيها ما تسأله فإذا قبل سألته أن يقتل يحيى ابن زكريّا ففعلت ذلك وجعلت تسقيه الخمر وتتعرّض له. فلمّا دار رأسه بفتنتها سألها أيّ أمنيةٍ تتمنّين وكان لها في كلّ يوم حاجة يقضيها لها. فلمّا رأته هكذا قالت له حاجتي أن تذبح لي يحيى ابن زكريّا ذاك الذي تكلّم عنّي وعنك في كلّ مكان وشهّر بسمعتنا.

فلما سمع الاسم انتفض الملك فزعاً وقال ويحك سليني غير هذا قالت لا أسألك إلا هذا فعادت إلى فتنتها وأغوته حتّى وافق فبعث جنده إلى نبي الله يحيى الذي كان قائما يتعبّد ويصلّي فأخذوه عليه السّلام ووضعوه على صخرة في بيت المقدس وقطعوا رأسه الشّريف عليه السّلام وهو ابن ثلاثين سنة وقيل إنّ هذه الصخرة ذبح عليها سبعون نبيّا وأوتي برأس سيّدنا يحيى عليه السّلام في طستٍ إلى الملك الظّالم ووضعوا الرّأس بين يديه وإذا بالرّأس حين وضع بين يديه يقول لا تحلّ لك لا تحلّ لك فازداد جزع الملك وخوفه.

وكانت قد وقعت قطرة من دم سيّدنا يحيى على الأرض فصارت تغلي ويزداد غليانها فطرح عليها التّراب ولم تسكن. وكان ذلك قبل رفع سيّدنا عيسى إلى السّماء وقيل إنّ هيروديا وأمّها الشّريرتين لمّا رأتا الرّأس قالتا اليوم قرذت أعيننا فصعدتا إلى سطح القصر فسقطتا منه إلى الأرض والكلاب الضّارية تنتظرهما فوثبت الكلاب عليهما ونهشت لحمهما وكسّرت عظامهما وهما تنظران وتصرخان. وبعد أيّام خسفت الأرض بقصر الملك وابتلعته وأهله ومن معه. ولمّا سمع سيّدنا زكريّا بخبر مقتل ابنه الوحيد البار الحبيب النبي يحيى الذي رزقه الله به بعد هذه السّنين الطويلة خرج من المدينة حزينا فدخل بستاناً عند بيت المقدس فيه أشجار فلحق به جنود الملك للقبض عليه وقتله فمرّ بشجرة فنادته بإذن الله هلمّ إليّ يا نبي الله فلمّا أتاها انشقت فدخلها وانطبقت عليه وبقي في وسطها فأتى عدو الله إبليس وأخذ بطرف رداء زكريّا وأخرجه من الشّجرة ثمّ تشكّل ولقي الجنود وقال لهم ماذا تريدون فقالوا نلتمس زكريّا فقال على زعمه إنّه سحر هذه الشّجرة فانشقت له فدخلها قالوا لا نصدّقك قال فإنّ لي علامة تصدقونني بها.

فأخذهم إلى تلك الشجرة وأراهم طرف رداء زكريّا فأخذوا الفؤوس وقطعوا الشّجرة وشقّوها بالمنشار فمات سيّدنا زكريا عليه السلام فيها فتوارى إبليس اللعين عن الأنظار. فبعث الله الملائكة فغسّلوا سيدنا زكريا عليه السّلام وصلّوا عليه ودفنوه. وأمّا بنو إسرائيل فقد سلّط الله عليهم أخبث أهل الأرض وهو مختنصر الكافر ملك بابل الذي جاء بعد فترة بجيشٍ جرّار فقتل منهم سبعين ألفا.