بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على رسول الله، نتكلم من جديد ونتابع معكم قصة سيدنا إبراهيم عليه السلام بعد أن ولدت السيدة هاجرة ابنها إسماعيل أوحى الله تعالى إلى سيدنا إبراهيم عليه السلام أن يأخذ هاجر وإسماعيل إلى مكة المكرمة ومكة لم تكن كما هي اليوم بل كانت أرضًا يابسة ليس فيها ماءٌ ولا زرع ولا عيش ولا أنيس فتركهما في وادٍ من وديانها مع طعامٍ وشرابٍ يكفيهما أيامًا متوكلًا على الله تعالى في أمره، وعاد إلى فلسطين، فقالت له هاجر عند وداعه إلى من تتركنا فقال إلى الله عز وجل، وانصرف راجعًا إلى بيت المقدس، فقالت رضيت بالله مستودعًا وحافظًا ثم تركها مع ولدها الرضيع هناك متوكلًا على الله تعالى، وبعد مرور عدة أيام لم يبقى عند هاجر ماء وكان إسماعيل بين يديها رضيعًا يبكي من العطش وهي لا تدري ماذا تفعل وبقي يبكي حتى ظنت أنه سيموت من كثرة البكاء وعدم وجود الماء فابتعدت عنه حتى لا ترى موته وبسبب الموقف الصعب الذي هي فيه صارت تذهب وتجيء بين جبلي الصفا والمروة من الحيرة والحرقة لعلها تجد ماء أو أحدًا سبع مرات،

فلما أشرفت على المروة سمعت صوتًا فقالت أغثنا إن كان عندك غواث، فرأت ملكًا هو سيدنا جبريل عليه السلام يضرب بقدمه الأرض حتى ظهر الماء السلسبيل العذب وهو ماء زمزم، فجعلت هاجر تحوط الماء وتغرف منه بسقائها وهو يفور بإذن الله تعالى وفضله ولكنها لم تعلم بأن هذا الماء المبارك سيبقى ينبع إلى يومنا هذا ولو تركته لصار نهرًا جاريا، فشربت هي وابنها إسماعيل وحمدت ربها على نعمته وشكرته، ثم بعد زمن مرت قبيلة جرهم وعرفت بوجود ماءٍ في تلك الناحية فجاءوها ونزلوا عند هاجر واستأذنوها من الشرب والانتفاع من تلك العين، فأقاموا هناك وبنوا بقرب العين عريشا، عاشت السيدة هاجر بقربهم مع ابنها بأمان فأحبوها وأحبوا إسماعيل حبًا شديدا،

حتى إنه كبر معهم وتزوج منهم، وكثر الزرع في ذلك المكان وصار مقصدًا للناس وكان سيدنا إبراهيم عليه السلام يأتي كل فترة من فلسطين إلى مكة على البراق ليتفقد هاجر وإسماعيل وهكذا كان لنبي الله إبراهيم بيتان بيت في القدس عند سارة عليها السلام وبيت في مكة عند هاجر وإسماعيل عليهما السلام وبدا إسماعيل يكبر ويشب حتى بلغ السن التي يتمكن فيها من السعي والعمل فصار يرافق أباه إبراهيم عندما يأتي إليه ويمشي معه ويتعلم منه، حتى بلغ إسماعيل من حب والديه مبلغًا عظيما، ثم في ليلة من الليالي بينما كان سيدنا إبراهيم في مكة رأى في الرؤيا أنه يذبح ولده إسماعيل ويقال إن إسماعيل كان في ذلك الوقت يبلغ من العمر اثني عشرة سنة،

فعلم إبراهيم عليه السلام أن هذا ابتلاءٌ من الله تعالى وأنه أمر له من الله بالذبح لأن رؤيا الأنبياء وحي وامتثل عليه السلام لأمر ربه، وأطاعه في أمره، ثم عرض الأمر على ولده إسماعيل ليكون أطيب لقلبه وأهون عليه من أن يأخذه بالقوة للذبح، فقال له يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى فبادر الغلام الحليم البار بوالديه الخليل إبراهيم وقال يا أبتي افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين وهذا الجواب في غاية السداد والطاعة للوالد النبي ولله تعالى، ثم عندما عزما على تنفيذ الأمر قال إسماعيل لواده يا أبت اجعل لي وثاقا وأحكم رباطي حتى لا أطضرب واكفف عني ثياب حتى لا ينطدح عليك من دمي فتراه أمي فتحزن وأسرع مر السكين على حلقي ليكون أهون للموت عليّ فإذا أتيت أمي فاقرأ عليها السلام مني،

فأقبل عليه إبراهيم برأفة وحنان الآباء يقبله ويبكي ويقول نعم العون أنت لي يا بني على أمر الله تعالى، ثم أمر سيدنا إبراهيم السكين على حلق إسماعيل لكنها لم تقطع شيئا فسمعا مناديًا يقول يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا أي قد حصل المقصود من اختبارك وطاعتك ومبادرتك إلى أمر ربك قال الله تعالى في القرآن الكريم (إن هذا لهو البلاء المبين) أي الاختبار الظاهر المبين وقال سبحانه (وفديناه بذبح عظيم) أي جعلنا فداء ذبح ولده ما يسره الله تعالى له من العوض عنه وهو كبش أبيض أقرن واسع العينين كان يرعى في الجنة فنزل من السماء إلى حيث يقف إبراهيم عليه السلام، فأخذه مسرورا وذبحه وكان ذلك بمنى، ثم مضت الأعوام وتوفيت السيدة هاجر وكبر سيدنا إسماعيل وقد بلغت السيدة سارة من العمر تسعين عاما،

وفي يومٍ من الأيام أتى إلى سيدنا إبراهيم وسارة في فلسطين ضيوف فأحضرت سارة لهم الطعام وبقيت هي وزوجها إبراهيم على خدمتهم إكرامًا لهم ولكن الضيوف لم يمدوا أيديهم إلى الطعام فتعجب سيدنا إبراهيم منهم وظن أنهم يريدون به وبأهل بيته شرا، فلما أحسوا بذلك كشفوا له عن حقيقتهم، وأنهم ملائكةٌ كرام هبطوا من السماء ليخبروه بأن الله بعثهم لإهلاك قوم ابن أخيه لوط عليه السلام الذين لم يؤمنوا به فتبسمت سارة لهذا الخبر ثم بشروها بخبرٍ آخر بأن الله استجاب لدعاءها وأنها ستحمل وستلد إسحاق فتعجبت وقالت عجوز عاقرٌ تلد، ولكنها كانت تؤمن بأن الله تعالى على كل شيءٍ قدير فأنجبت سيدنا إسحاق عليه السلام الذي كبر وصار نبيًا من أنبياء الله وتزوج وولد له يعقوب وفرحت به سارة فرحًا عظيما وسيدنا يعقوب هو والد سيدنا يوسف عليهم الصلاة والسلام، ثم يقال بأن سيدنا إبراهيم عليه السلام عاش مئة وخمس وسبعين سنة وهو أول من ظهر الشيب في رأسه، ويقال بأنه اشترى أرضًا في مغارة لتكون قبرًا له ولأسرته فدفن فيها هو وسارة وإسحاق وزوجته رفقة ويعقوب وزوجته ليا والله أعلم وأحكم.