بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على رسول الله، شعيب عليه السلام، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، سنتكلم عن نبيٍ كريم من أنبياء الله تعالى وهو نبي الله شعيب عليه الصلاة والسلام، سيدنا شعيب عليه السلام هو نبي من أنبياء الله تعالى العرب، وهو من ذرية سيدنا إبراهيم عليه السلام ويقال إن أم شعيب هي بنت سيدنا لوط ويقال جدته،
والله أعلم، كان سيدنا شعيبٌ رجلًا جميلًا ذا هيبة وفصاحة حتى كان نبينا الكريم محمد صلى الله عليه وسلم يسمي شعيبًا عليه السلام خطيب الأنبياء لما اشتهر به من الفصاحة وعلو العبارة والبلاغة، وقد ولد سيدنا شعيب ونشأ في مدين واشتغل بالزراعة ورعي الأغنام وتزوج وأنجب عليه الصلاة والسلام كما يذكر ابنتين ليا وصفورة التي تزوجها سيدنا موسى عليه السلام وكان أهل مدين قومًا عربًا يسكنون مدينتهم مدين التي هي قرية من أرض معان من أطراف الشام مما يلي ناحية الحجاز قريبًا من بحيرة قوم لوط فكانوا بعدهم بمدة قريبة، وكان أهلها كفارا يقطعون السبيل ويخيفون المارة ويغشون في الطعام ويعبدون الأيكة وهي شجرة من الأيك أي هي أشجارٌ ملتفة على بعضها وكانوا من أسوأ الناس معاملة فبعث الله فيهم رجلًا من قومهم هو رسول الله شعيب عليه السلام،
فدعاهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له، وأيده بالمعجزات التي دلت على صدق دعوته وأجراها الله تعالى على يديه، ولكنها لم تنقل إلينا تفصيلًا إنما القرآن الكريم أخبرنا بحصولها إجمالًا ومع ذلك لم يؤمن إلا القليل ونهى سيدنا شعيب قومه عن تعاطي هذه الأفعايل القبيحة من بخس الناس أشياءهم وإخافتهم لهم في سبلهم وطرقاتهم وذكرهم بنعم الله تعالى عليهم بأن كثرهم بعد أن كانوا قلة، وحذرهم نقمة الله بهم إن خالفوا ما أرشدهم إليه ودلهم عليه ومع ذلك لم يؤمنوا، بل قالوا له مستهزئين أصلاتك هذه التي تصليها هي الآمرة لك تريدنا أن نترك أفعالنا هذه لمجرد أنك لا ترضاها فقال لهم أنا لست آمركم بالأمر إلا وأنا أول فاعلٍ له وإذا نهيتكم عن الشيء فلا أفعله البتة،
وهذه من الصفات المحمودة العظيمة وقال لهم ألا تخافون أن يحل بكم ما حل بقوم نوح وهود وصالح توبوا إلى ربكم أيها القوم فالله غفورٌ رحيم، فأجابوه مستهزئين يا شعيب لا نفهم ماذا تقول ولا نتعقله لأنا لا نحبه ولا نريده وليس لنا همة إليه ولا إقبالٌ عليه ثم إن نراك فينا ضعيفا، فيذكر بأن سيدنا شعيب كان قد بكى من شدة حبه لله تعالى حتى فقد بصره ثم رده الله عليه وتمادى قومه في طغيانهم وتكبرهم فقالوا له لولا عشيرتك وقبيلتك لرجمناك وقتلناك قال لهم أتخافون قبيلتي وعشيرتي ولا تخافون الله ثم قال قد أديت ما كان واجبًا علي من البلاغ التام والنصح الكامل وحرصت على هدايتكم بكل ما أقدر عليه فلم ينفعهم ذلك، فلست أتأسف بعد هذا عليكم ثم دعا عليهم،
ثم تركهم وذهب وكان الله تعالى لا يرد دعاء رسله على الذين جحدوه وكفروا به وخالفوا رسوله، فسلط الله عليهم صيحة عظيمة أخمدت أصواتهم وظلة سحاب أرسل عليهم منها شررًا نار من سائر الأرجاء والجهات ورجفت بهم أرضهم وزلزلت زلزالًا شديدا أزهقت أرواحهم من أجسادهم وصيرت حيوانات أرضهم كجمادها وأصبحت جثثهم جاثية لا أرواح فيها ولا حركات بها ولا حواس لها، قال الله تعالى (فأخذتهم الرجفة فأصبحوا في ديارهم جاثمين) وذلك لما اتصفوا به من قبيح الصفات ولما واجهوا به هذا الرسول الكريم الأمين ونجا الله رسوله شعيبًا عليه السلام ومن معه من المؤمنين كما قال تعالى وهو أصدق القائلين (ولما جاء أمرنا نجينا شعيبًا والذين آمنوا معه برحمة منا وأخذت الذين ظلموا الصيحة فأصبحوا في ديارهم جاثمين) وسبحان الله القادر على كل شيء،
ثم عاش بعد ذلك سيدنا شعيب مع قومه المؤمنين يعبدون الله تعالى حتى توفاه الله سبحانه ويذكر بأن شعيبًا عليه السلام توفي وهو ابن مئتي واثنتي وأربعين سنة ومات من معه من المؤمنين بمكة وقبورهم غربية الكعبة بين دار الندوة ودار بني سهم على ما يذكر والله تعالى أعلم وأحكم.
