بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسول الله، نتكلم اليوم عن سيدنا يعقوب وابنه يوسف عليهما السلام سيدنا يعقوب هو نبي الله إسرائيل وهو ابن إسحاق ابن إبراهيم عليهم السلام أجمعين، كانوا يسكنون بلاد فلسطين وكان سيدنا يعقوب الرجل الطيب يرعى الغنم ويصرف على أولاده ونفسه من كسب نفسه وقد أرسل الله تعالى سيدنا يعقوب بالنبوة فدعا الناس إلى الإسلام وعبادة الله وعدم الإشراك به كسائر الأنبياء عليهم السلام وكان لسيدنا يعقوب عليه السلام من البنين اثنا عشر ولدًا ذكرًا وإليهم تنسب أسباط بني إسرائيل كلهم وكان أشرفهم وأجلهم وأعظمهم وأجملهم وأحبهم إلى يعقوب ولده الكريم يوسف عليه السلام وهو من أصغر أبنائه وعندما بلغ يوسف عليه السلام من العمر قريب السبع سنين رأى في الرؤيا أي في المنام أن إحدى عشر كوكبًا والشمس والقمر وهم إشارة إلى إخوته وأبويه قد سجدوا له فلما استيقظ يوسف قص الرؤيا على أبيه فعرف يعقوب أن ابنه سينال منزلة عالية ورفعة عظيمة في الدنيا والآخرة ولذلك أمره أن يكتم ما رأى وأن لا يقصها على إخوته كي لا يحسدوه ويبغو له الغوائل ويكيدوه بأنواع الحيل والمكر لشدة حب يعقوب له وغيرتهم وغيظهم منه،

فتشاوروا فيما بينهم سوى أخيهم بنيامين الذي كان صغيرًا وقرروا أن يقتلوه فلما استقروا على ذلك وتوافقوا عليه قال أحدهم لا تقتلوا يوسف بل ألقوه في البئر فقد يلتقطه بعض المارة من المسافرين ويأخذوه معهم إلى بلدٍ بعيد فلن نراه بعدها فقبلوا وأجمعوا على ذلك ولشدة حب يعقوب ليوسف عليهما السلام كان لا يحب أن يفارقه أبدًا فوجدوا صعوبة في إقناعه إذ جاءوا يقولون له مالك لا تأمنا على يوسف ونحن إنما نريد أن نأخذه معنا ليلعب فقال لهم يعقوب يا بني إنه يشق علي أن أفارقه ساعة من النهار ثم إني أخشى أن تنشغلوا في لعبكم وما أنتم فيه فيأتي الذئب فيأكله ويوسف لا يقدر على دفعه لصغره، فقالوا هل تخافوا عليه وهو معنا ونحن كثر نعدك أن نعيده إلى البيت سالما فقبل يعقوب وقلبه غير مطمئن فما كان إلى أن غابوا عن عيني والدهم حتى جعلوا يشتمون يوسف ويهينونه بالفعال والمقال وخرجوا من البيت وعندما قطعوا مسافة بعيدة وجدوا بئرًا فألقوا يوسف فيها بعد أن نزعوا عنه قميصه الذي كان يلبسه ولم يكترثوا لبكائه ولا استغاثته ولكن الله تعالى أوحى إليه أنه لا بد لك من فرج ومخرج من هذه الشدة التي أنت فيها،

فلما وضعوه في البئر ورجعوا عنه أخذوا قميصه ولطخوه بشيء من دم شاةٍ مذبوحة ورجعوا إلى أبيهم وتحروا أن يكون قد حل الظلام ليكون ذلك أمشى لغدرهم وهم يبكون في تلك الظلمة على أخيهم وكان يعقوب عليه السلام جالسًا ينتظر رجوع يوسف بفارغ الصبر فجاءوا وأخبروه هذا الخبر المؤلم المحزن الذي لم يتوقعه وقالوا يا أبانا إن ذهبنا نستبق وتركنا يوسف عند ثيابنا فأكله الذئب في غيبتنا عنه ولكي تصدقنا ها هو قميصه والدم عليه فانظر بنفسك ونسوا أن يمزقوا القميص فإنه لو كان قد أكله الذئب لتمزق القميص، ولم يبقى على حاله فبان كذبهم، فلم يصدقهم يعقوب عليه السلام لأنه يعلم مدى كرههم ليوسف بل قال لهم بل سولت لكم أنفسكم أمرا فصبرٌ جميل والله المستعان على ما تصفون،

وحزن على فقد ولده يوسف الذي كان أحب الأبناء إليه حزنًا شديًا وتعب وبكى عليه سنين حتى ابيضت عيناه وفقد بصره، وبعد مرور ثلاثة أيام من تلك الحادثة ويوسف في البئر منتظرٌ النجدة مرت بتلك البئر قافلة من المسافرين قاصدين ديار مصر فتوقفوا ليستقوا من تلك البئر فوجدوا يوسف فقال أحدهم يا بشرى إنه غلام فأخذوه ووضعوه في البضاعة التي يحملونها وزعموا أنه عبدٌ رقيق لهم فاشتراه في مصر الوزير العزيز الموكل بخزائن البلد واسمه قطفير ابن روحيد وعندما رآه أحبه أخذه إلى بيته وقال لزوجته أكرمي مثواه واهتمي به وأحسني إليه عسا أن ينفعنا أو نتخذه ولدا، فأحبته حبًا شديدا وهذا من لطف الله ورحمته بيوسف، وكان ملك مصر يومئذٍ الريان ابن الوليد،

وهو رجلٌ من العماليق وقيل كان اسم امرأة العزيز زليخة أو كان هذا لقبها وبعد مرور الأعوام كبر يوسف في بيت العزيز وامرأته حتى صار شابًا باهر الجمال قوي البنية فزاد حب امرأة العزيز له حتى دفعها حبها إلى مراودته عن نفسه عليه السلام وطلبت منه ما لا يليق بحاله ومقامه وقد تهيأت له وتصنعت ولبست أحسن ثيابها وأفخر لباسها وهي مع هذا كله امرأة الوزير وبنت أخت الملك الريان بن الوليد صاحب مصر وكانت من أجمل النساء ويوسف عليه السلام شابٌ بديع الجمال والبهاء لكنه نبيٌ من سلالة الأنبياء فعصمه ربه عن الفحشاء وحماه من مكر النساء، فهو سيد السادة النجباء في زمانه ومن السبعة الأتقياء المذكورين في الحديث عن خاتم الأنبياء في قوله عليه الصلاة والسلام سبعةٌ يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله أي ظل العرش،

إمامٌ عادل، وشابٌ نشأ في عبادة الله ورجلٌ معلق قلبه بالمسجد ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه ورجلٌ تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعمل شماله ما تنفق يمينه، ورجلٌ دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال إني أخاف الله، ورجل ذكر الله خاليًا ففاضت عيناه، فامرأة العزيز دعته إليه وحرصت على ذلك أشد الحرص، وغلقت الأبواب عليها وعليه ولكن يوسف عليه الصلاة والسلام ما زال يقول ما عاذ الله فإن الله تعالى عصمه وبرأه ونزهه عن الفاحشة وحماه عنها فصار يبتعد عنها وهي تلحقه، حتى اقترب من الباب فأخذت بقميصه حتى تمزق من خلف وعندها وجدا زوجها العزيز عند الباب فبادرت هي بالكلام لتحرض زوجها قالت ما جزاء من أراد بأهلك سوءا إلا أن يسجن أو عذاب أليم،

اتهمته وهي المتهمة وبرأت عرضها ونزهت ساحتها فلهذا قال يوسف عليه السلام هي راودتني عن نفسي، ثم حصل ما لم تنتظره تكلم الطفل الرضيع الذي في سنه عادة لا يتكلم وشهد عليها وقال إن كان قميصه قد من قبلٍ فصدقت وهو من الكاذبين يعني إن كان قميصه تمزق من أمام تكون صادقة لأنه يكون قد راودها فدفعته حتى مزقت مقدم قميصه وإن كان قميصه قد من دبرٍ فكذبت وهو من الصادقين أي إن تمزق من الخلف تكون هي الكاذبة لأنه يكون قد ابتعد عنها ولحقته وتعلقت به فانشق قميصه من خلف، وهذا ما حصل ولهذا قال تعالى (فلما رأى قميصه قد من دبر قال إنه من كيدكن إن كيدكن عظيم) فتأكد العزيز عندها من براءة يوسف وكيد زوجته، والله تعالى أعلم وأحكم.