الجواب

تسن زيارة قبر النبي بالإجماع نقل ذلك القاضي عياض والنووي.

الدليل على مشروعية زيارة قبر النبي ﷺ

قال الله تعالى
وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَسُولُ لَوَجَدُوا اللهَ تَوَّابًا رَحِيمًا
(سورة النساء ءاية 64)
قال رسول الله ﷺ
مَن زَارَ قَبْرِي وَجَبَتْ لَهُ شَفَاعَتِي
(رواه الدارقطني والبيهقي وصححه الحافظ تقي الدين السبكي)

هذا الحديث فيه دليل واضح وبرهان ساطع على مشروعية زيارة قبر النبي ﷺ وأن زائره ينال خيرًا عظيمًا بثبوت شفاعة النبي له كما ورد في الحديث. وسنية زيارة قبر الرسول ﷺ هي من الأمور التي أجمع أئمة الاجتهاد الأربعة وغيرهم عليه من السلف والخلف.

ممن صرح باستحباب زيارة قبر النبي ﷺ

من الشافعية

• الإمام الرافعي
• الإمام الغزالي في إحياء علوم الدين
• الإمام البغوي في التهذيب
• الشيخ عز الدين بن عبد السلام في منسكه
• أبو عمرو بن الصلاح
• أبو زكريا النووي

من الحنابلة

• الشيخ موفق الدين
• الإمام أبو الفرج البغدادي

من الحنفية

• صاحب المختار في شرحه وعدَّها من أفضل المندوبات والمستحبات

من المالكية

• القاضي عياض فقد حكى الإجماع في هذه المسألة

قال الشيخ عبد الباسط الفاخوري في كتابه الكفاية لذوي العناية: «وزيارته في المدينة كزيارته حيًّا وهو في حجرته حيّ يرد على من سلّم عليه وهي من أنجح المساعي وأهم القربات وأفضل الأعمال وأزكى العبادات، وقال هي متأكدة مطلوبة مستحبة. والزيارة تكون بعد صلاة ركعتي تحية المسجد وتحصل بالسلام عليه عند قبره الشريف والأدب في ذلك أن يقابل الزائر الجدار متنحيًا نحو أربعة أذرع غاضًّا طرفه مـمتلىء القلب بالإجلال لرسول الله ﷺ فيقول بصوت متوسط: «السلام عليك يا رسول الله السلام عليك يا نبي الله السلام عليك يا خيرة الله السلام عليك يا حبيب الله السلام عليك يا صفوة الله السلام عليك يا سيد المرسلين وخاتم النبيين السلام عليك يا خير الخلق أجمعين، السلام عليك يا قائد الغرّ المحجلين السلام عليك وعلى ءالك وأهل بيتك وأزواجك وأصحابك الطيبين الطاهرين السلام عليك وعلى سائر الأنبياء والمرسلين» اهـ.

ولا ينبغي أن يخلي موقفه ذلك من الصلاة على النبي ﷺ، ومن اقتصر أو اختصر على قوله السلام عليك يا رسول الله ثم تنحَّى إلى اليمين مقدار ذراع فسلم على الصديق رضي الله عنه ثم تنحَّى قدر ذلك وسلم على الفاروق رضي الله عنه ثم عاد إلى موقفه الأول فقد أدى السلام كما ينبغي، ثم يتوسل بالمصطفى في نفسه ويتشفع به إلى ربه ثم يستقبل القبلة ولا بأس إن استقبل النبي ودعا كما قال مالك للخليفة المنصور: بل استقبله وادعو. (رواه القاضي عياض والسبكي) ويدعو لنفسه ولمن شاء وإن أوصاه أحد بالسلام فليقل السلام عليك يا رسول الله من فلان أو يقول فلان يسلم عليك يا رسول الله.

قال رسول الله ﷺ
ليهبطن عيسى ابن مريم حكمًا عدلا وإمامًا مقسطًا وليسلكن فجًّا حاجًّا أو معتمرًا أو بنيتهما وليأتين قبري حتى يسلم علي ولأردَّنَّ عليه
(صححه الحاكم ووافقه الذهبي ورواه أبو داود الطيالسي بلفظ: «وليسلكن فج الرَّوحاء»)

حديث لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد

قال رسول الله
لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد المسجد الحرام والمسجد الأقصى ومسجدي هذا
(رواه البخاري)

وليس للمانعين من السفر لزيارة قبره ﷺ متمسك في حديث: «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد المسجد الحرام والمسجد الأقصى ومسجدي هذا» رواه البخاري لأن هذا الحديث مخصوص بالمساجد أي لا مزية في السفر إلى مسجد للصلاة فيه إلا في السفر إلى أحد هذه المساجد الثلاثة لأن تلك المضاعفة إلى مائة ألف، وألف، وخمسمائة خاصة بها، فمن سافر للصلاة إلى أحدها حصل على المضاعفة التي لا تحصل في مسجد بلده فلا مزية في السفر إلى ذلك المسجد كما يؤخذ ذلك من رواية الإمام أحمد في مسنده من طريق شهر بن حوشب قال: ذكرت عند أبي سعيد الخدري الصلاة في الطور فقال أبو سعيد: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا ينبغي للمطي أن تعمل إلى مسجد تبتغى فيه الصلاة غير المسجد الحرام والمسجد الأقصى ومسجدي» فبهذا الحديث يفسر حديث: «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد»، فمن احتج بهذا الحديث على تحريم السفر لزيارة قبر النبي ﷺ، يقال له: وخير ما يفسر به الحديث الحديث قال الحافظ العراقي في ألفيته (رجز) (وخير ما فسرته بالوارد).

قال الإمام اللغوي الفيروزءابادي
وأما زيارة قبره فالإجماع على استحبابها للرجال والنساء ومنها أن الإجماع على جواز شد الرحال للتجارة وتحصيل المنافع الدنيوية فهذا أولى لأنه من أعظم المصالح الأخروية، ومنها إجماع الناس العملي على زيارته ﷺ وشد الرحال إليه بعد الحج من بعد وفاته إلى زمننا هذا ومنها الإجماع القولي قال أبو الفضل القاضي: «زيارة قبره ﷺ سنة من سنن المسلمين مجمع عليها».
(الصِّلات والبِشر في الصلاة على خير البشر، (ص128).)

زيارة بلال رضي الله عنه للرسول ﷺ

ثم إن بلالاً رأى في منامه النبي ﷺ وهو يقول له ما هذه الجفوة يا بلال أما ءان لك أن تزورني يا بلال، فانتبه حزينًا وجلًا خائفًا فركب راحلته وقصد المدينة فأتى قبر النبي فجعل يبكي عينيه ويمرغ وجهه عليه فأقبل الحسن والحسين فجعل يضمهما ويقبلهما فقالا يا بلال نشتهي نسمع أذانك الذي كنت تؤذنه لرسول الله في المسجد فعلا سطح المسجد فوقف موقفه الذي كان يقف فيه فلما قال: الله أكبر الله أكبر ارتجت المدينة فلما قال: أشهد أن لا إله إلا الله زادت رجتها فلما قال: أشهد أن محمدًا رسول الله خرج العواتق من خدورهن وقالوا بعث رسول الله فما رؤي يوم أكثر باكيًا ولا باكية في المدينة بعد رسول الله من ذلك اليوم. ذكره ابن عساكر في ترجمة بلال، ومدار هذا الإسناد عليه وليس على الاستدلال بهذا الحديث على رؤيا المنام فقط، بل على ما فعل بلال وهو صحابي ولا سيما في خلافة عمر رضي الله عنه، فسفر بلال في زمن صدر الصحابة لم يكن إلا للزيارة والسلام على رسول الله ﷺ، وقد روى هذا الأثر عن بلال من الحفاظ عدد كبير منهم: الإمام السبكي والقاضي عياض والسمهودي.

قال الحافظ المجتهد تقي الدين السبكي في كتابه «شفاء السقام» ما نصه (الباب الثالث) في ما ورد في السفر إلى زيارته صلى الله تعالى عليه وسلم صريحًا، وبيان أن ذلك لم يزل قديمًا وحديثًا، وممن روي ذلك عنه من الصحابة بلال بن أبي رباح مؤذن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ورضي الله عنه (أي عن بلال) سافر من الشام إلى المدينة لزيارة قبره صلى الله تعالى عليه وسلم، روينا ذلك بإسناد جيد إليه، وهو نص في الباب انتهى.

قال الحافظ المجتهد تقي الدين السبكي في كتابه «شفاء السقام» في الباب الرابع من الكتاب ما نصه: قال القاضي عياض رحمه الله تعالى: وزيارة قبره صلى الله تعالى عليه وسلم سنة بين المسلمين مجمع عليها وفضيلة مرغب فيها اهـ. ثم أفاض في نقل استحبابها عن أعيان من العلماء من المذاهب الأربعة، فنقل ذلك عن الشافعية عن القاضي أبي الطيب الطبري، والمحاملي، والحليمي، والماوردي، والروياني والقاضي حسين، والشيخ أبي إسحـاق الشيرازي وعن الحـنفـية عن أبي منصـور الكرمـاني في منـاسكـه، وعبد الله بن محمود في شرح المختار، وأبي الليث السمرقندي في فتاويه، والسروجي في الغاية، وعن الحنابلة عن أبي الخطاب الكواذاني في الهداية وأبي عبد الله السامري في المستوعب، ونجم الدين بن حمدان في الرعاية الكبرى، وعن المالكية عن أبي عمران الفاسي، والشيخ ابن أبي زيد.

حديث ولا تجعلوا قبري عيدًا

ذكر الحافظ المجتهد تقي الدين السبكي في كتابه «شفاء السقام» حديث أبي داود «ولا تجعلوا قبري عيدًا» وأجاب عنه بثلاثة أجوبة:

1. يحتمل أن يكون المراد به الحث على كثرة زيارة قبره ﷺ وأن لا يهمل حتى لا يزار إلا في بعض الأوقات كالعيد الذي لا يأتي في العام إلا مرتين.
2. ويحتمل أن يكون المراد لا تتخذوا له وقتًا مخصوصًا لا تكون الزيارة إلا فيه وزيارة قبره ﷺ ليس لها يوم بعينه بل أي يوم كان.
3. ويحتمل أن يراد أن يجعل كالعيد في العكوف عليه وإظهار الزينة والاجتماع وغير ذلك مما يعمل في الأعياد، بل لا يؤتى إلا للزيارة والسلام والدعاء ثم ينصرف عنه والله أعلم بمراد نبيه ﷺ.

قال الإمام الزركشي
ينبغي للزائر الغريب أن يسلم على النبي ﷺ كلما دخل المسجد أو خرج، ثم قال في رده على الذين كرِهوا ذلك لمن كان في المدينة: والصواب استحباب دخول القريب والغريب فإنه ﷺ استحب السلام لكل واردٍ عليه قريبًا وغريبًا ومن الأدب معاملته بذلك بعد وفاته اهـ.
(كتاب إعلام الساجد بأحكام المساجد)