بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد رسول الله، أما بعد:

ورد السؤال عن حكم الحلف بغير الله، فنجيب وبالله التوفيق:

اختلف الفقهاء في حكم الحلف بغير الله فبنى بعضهم كلامَه في الإجابة على نية الحالف، فقد نَقَلَ الحافظُ ابنُ حَجَرٍ في (فتحِ الباري) عن الإمامِ الشَّافِعِيِّ أنه قال :” أَخْشَى أَنْ يَكُونَ الحَلِفُ بغيرِ الله معصيةً ” .. ونَقَلَ عن إمامِ الحَرَمَيْنِ قولَه :” المَذْهَبُ القَطْعُ بالكراهة ” ..

ومرادُ الشَّافِعِيِّ أنَّ الذي يحلِف بغيرِ الله ممَّا لا يعبدُه الكُفَّارُ من غيرِ أنْ يَقْصِدَ الحالفُ تعظيمَه كتعظيمِ الله يكونُ واقعًا في الكراهةِ الشَّديدة، وذلك كأن يحلفَ بأبيهِ أو بأُمِّهِ أو بشَرَفهِ أو بالكعبةِ أو بمحمَّد، ﷺ أو نحوِ ذلك، أمَّا مَنْ حَلَفَ بغيرِ الله مُعَظِّمًا له كتعظيمه الله فهذا كفر مخرج من الإسلام.

وهذا هو معنى حديثِ رسول الله ﷺ الذي رواهُ أبو داودَ في سننهِ والإمامُ أحمدُ في مسندِه: “مَنْ حَلَفَ بغيرِ الله فقد أَشْرَك“.

هذا الحديثُ معناه أنَّ الذي يحلِف بغيرِ الله على وجهِ التعظيمِ له كتعظيم الله فقد أشرك، وليسَ معناهُ أنَّ الذي يحلِف بأُمِّهِ أو بأبيهِ أو بشَرَفهِ أو نحوِ ذلكَ على الوجهِ الذي دَرَجَ عليه كثيرٌ من النَّاسِ يكونُ مشركًا، وذلك لأنَّ رسولَ الله ﷺ سمع مَرَّةً أحدَ أصحابهِ يحلِف بأبيهِ فلم يَزِدْ رسولُ الله ﷺ على أنْ قال له: “لا تحلِفوا بآبائكم“، ولم يَنْسُبْهُ إلى الشِّرْكِ، وهذا حديثٌ صحيحٌ مُتَّفَقٌ عليهِ رواهُ البُخَارِيُّ ومسلم، فلو كان الصَّحابيُّ أشرك لبيَّن له رسولُ الله ذلك،

فالحاصلُ أنَّ الحَلِفَ بغيرِ الله، كيفَما كان، ممنوع، وذلك لقولِ رسولِ الله ﷺ الذي رواه عنه البخاريُّ في صحيحهِ بإسنادٍ صحيح: “مَنْ كان حالفًا فليحلفْ بالله أو ليصمُت“.

ثمَّ إنه لا يجوز قولُ بعضِ النَّاس: وَحَيَاةِ القرءان، وذلكَ لأنَّ القرءانَ لا يُوصَفُ بالحياة، قولُهم وَحَيَاةِ القرءان حرام، لا يجوز، لأَنَّ القرءانَ لا يُوصَفُ بالحياةِ ولا بالممات، ولا تَثْبُتُ يمينُه، النَّاسُ الذينَ يحلِفون هذا الحَلِفَ يَقْصِدُونَ وَكَرامَةِ القرءان، وَعَظَمَةِ القرءان، هذا الذي يفهمونَه، ومَعَ ذلكَ هذا اللَّفْظُ ممنوع.

وأمَّا الحَلِفُ بحياةِ الله فهو حَلِفٌ جائزٌ، فلو قال شخصٌ “وَحَيَاةِ الله”، فهذا حَلِفٌ جائزٌ لأنَّ الله يُوصَفُ بحياةٍ أَزَلِـيَّةٍ أَبَدِيَّةٍ ليستْ برُوحٍ ولا دَمٍ ولا جَسَدٍ، هي ليستْ كحياةِ غيرِه، وأمَّا الذي يقول في قَسَمهِ “واللـهْ”، بالهاء السَّاكنة، أو “واللـهِ”، بكسرِ الهاء، فيمينُه ثابتة، وأمَّا الذي يقول “واللا” من غيرِ هاء مُرِيدًا رَبَّ العالمين فإنَّ عليهِ معصيةً لأنه حَرَّفَ لفظَ الجلالة، ولا تَثْبُتُ يمينُه، ولا يَلْزَمُهُ كَفَّارةٌ إنْ كَسَرَ يمينَه. وأمَّا الحَلِفُ بالأسماء التي تُطْلَقُ على الله وعلى غيرِ الله فإنْ نَوَى الحالفُ بها اللـهَ تعالى ثَبَتَتْ يمينُه وإنْ نَوَى بها غيرَ الله لم تثبتِ اليمين.

مسائل متنوعة في هذا الباب

• إذا حَلَفَ شخصٌ باسم الله تعالى أو صفةٍ من صفاتهِ على فعلِ أمرٍ أو تَرْكهِ، يعني قال والله لأفعلنَّ كذا أو والله لا أفعلُ كذا، ثم حَنِـثَ أي فَعَلَ خلافَ المحلوفِ عليهِ فإنَّ عليهِ كَفَّارَةً، الفقهاءُ أجمعوا على ذلك، ثمَّ إنْ كان الحَلِفُ على تركِ أمرٍ مباحٍ أو على فِعْلهِ أي ليس الأمر حراما أو واجبا، فالحِنْثُ في هذه الحال ليس حرامًا، ولا خلافَ بينَ الفقهاء في ذلك، لكنْ لا بُدَّ من الكَفَّارَةِ عندَ الحِنْثِ.
• يقولُ الله تعالى في سورة المائدة: {لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَٰكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَٰلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ} يجوزُ صَوْمُ هذه الأَيام مُتَوالياتٍ أو مُتَفَرِّقاتٍ، وقولُه تعالى: {وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ} أيْ بالمبادرةِ إلى ما لَزِمَكُمْ من الكَفَّارَةِ إذا حنِثتم، وقيل: أيْ بتركِ الحَلِفِ عندَ مَظَنَّةِ عَدَمِ القدرةِ على الوفاء بالكَفَّارَةِ عندَ الحِنْثِ، وليسَ معنى الآيةِ أنَّ الإنسانَ إذا حَلَفَ على تركِ أَمْرٍ مباحٍ صار فَرْضًا عليه أنْ يَبَرَّ قَسَمَهُ، فلو حَلَفَ مثلًا أنْ لا يأكلَ العنبَ فأَكَلَهُ عامدًا ذاكرًا للقَسَمِ فلا إثمَ عليه بل عليه الكَفَّارَةُ فقط، ومَنْ حَلَفَ أنْ يفعلَ معصيةً فقد عَصَى ربَّه بهذا الحَلِفِ، ويجبُ عليه أنْ يمتنعَ عن المعصيةِ ويُكَفِّرَ .
• الإمامُ أحمدُ بنُ حنبل رضيَ الله عنه عَدَّ الحَلِفَ بغيرِ الله معصيةً من دون تفصيلٍ ولم يعتبرْه كُفْرًا إلَّا إذا كانَ الحالفُ يريدُ تعظيمَ المحلوفِ به كتعظيمِ الله .
• يقول الله تعالى في سورة المائدة: {لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَٰكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ} معناهُ أنَّ الله لا يؤاخذُنا بالحَلِفِ الذي يكونُ على وجهِ سَبْقِ اللِّسان، فلو قلنا لا والله أو بلى والله من غيرِ إرادةِ الحَلِفِ وإنما اللِّسَانُ سَبَقَ إليه فلا مؤاخذةَ به، هذا هو معنى لَغْوِ اليمينِ الذي لا مُؤَاخَذَةَ فيه ولا كَفَّارَةَ، وقيلَ في معنى لَغْوِ اليمين هو أنْ يحلفَ الرَّجُلُ على الشَّيْء مُسْتَيْقِنًا أنه كذلكَ ثمَّ يجدُه بخلافه.
• لو قال شخصٌ “واللـهِ فعلتُ كَذَا” مُتَعَمِّدًا الكَذِبَ وهو لم يفعلْ أو “واللهِ ما فعلتُ كذا” مُتَعَمِّدًا الكَذِبَ وقد فَعَلَ أو “واللـهِ إنَّ الأمرَ كذلكَ” وهو يعلمُ أنَّ الأمرَ بخلافِ ذلكَ فإنَّ هذا كُلَّهُ يمينٌ غَمُوس، اليمينُ الغَمُوسُ معصيةٌ كبيرة بالإجماع، قال الشَّافِعِيُّ: “مَنْ وَقَعَ فيها وَجَبَ عليهِ التوبةُ منها فورًا وعليهِ الكَفَّارَةُ“.
• الكفارة التي تجب على الشخص إذا حنِثَ هو مخير فيها بين ثلاثة أشياء ابتداءً:
• الأول: عتق رقبة مؤمنة عبدٍ أو أمة سليمة من العيوب التي تُخِلُّ بالعمل والكسب.
• الثاني: إطعام عشرة مساكين كلَّ مسكين مُدًّا أي ما يساوي رطلًا وثلثًا من غالب قُوتِ بلد مُخرِج الكفارة، ولا يُخرج غير الحَبِّ عند الشافعية وهو عندنا القمح.
• الثالث: كِسوَةُ عشرة مساكين، فيدفع مُخرِج الكفارة لكل مسكين ثوبا ثوبا أي شيئا يُسمى كسوة مما يُعتاد لُبسه كقَمِيص (دشداشة) أو عِمَامَة أو كِسَاء، ولا يكفي ما كان مثل الخُفِّ أو القُفَّازَين، ولا يشترط أن يكون المدفوع جديدا بل يجوز أن يكون ملبوسًا، بشرط أن لا يكون بَالِيًا لا يصلح للاستعمال.
• ثم إن لم يجد مُخرِج الكفارة أو لم يستطع أن يُخرِج ما ذكر من الأمور الثلاثة السابقة فيصوم ثلاثة أيام ولا يجب أن تكون متتابعة. فلا يجوز أن يصوم ابتداء ثلاثة أيام إن كان واجدًا للأمور الثلاثة السابقة بل لا يصوم إلا إن عَجَزَ عنها.