الخطبة الأولى

إنَّ الحَمدَ لِلهِ نَحمَدُهُ وَنَستَعِينُهُ وَنَستَغفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللهِ مِن شُرُورِ أَنفُسِنَا وَمِن سَيِّئَاتِ أَعمَالِنَا، مَن يَهدِهِ اللهُ فَلا مُضِلَّ لَهُ، وَمَن يُضلِل فَلا هَادِىَ لَهُ، وَأَشهَدُ أَن لا إِلَهَ إِلا اللهُ وَحدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبدُهُ وَرَسُولُهُ. اللهم صلِّ وسلم على سيدِنا محمدٍ وعلى ءالِه وصحبِه الطيبين الطاهرين. عبادَ اللهِ أوصيكم ونفسي بتقوى اللهِ العظيم، القائلِ في كتابِهِ الكريم: “يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُوا ٱتَّقُوا ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلا وَأَنتُم مُّسلِمُونَ” (ءال عمران: 102).

أيّها المسلمون: يقول اللهُ تعالى: “وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ المُؤمِنُونَ لَعَلَّكُم تُفلِحُونَ” (النور:31)؛ فطريقُ الفلاحِ أخي المسلم أن تسارِعَ بالتوبةِ إلى اللهِ تعالى واعلم أخي أن التوبةَ واجبةٌ على الفورِ من كل ذنبٍ كبيرًا كان أو صغيرًا، وإياك وأن تستصغِرَ معصيةً من المعاصي فتتركَها من غيرِ توبةٍ فإنك تعصي الإلهَ الخالقَ القادرَ على كلِّ شيء، ولا تنظرنَّ أخي المسلم إلى صِغَر المعصيةِ ولكن انظر إلى عِظَمِ وشأنِ من عصيت!! واسمع معي أخي المسلم لأركانِ التوبةِ والتي لا تصحُّ ولا تقبلُ توبةُ المرءِ بدونِها، فأوّلُ هذه الأركانِ: الإقلاعُ عن الذنبِ، أي تركُ الذنبِ، وثانيها: الندمُ أسفًا على عصيانِ اللهِ تبارك وتعالى، وأما كثيرٌ من الناسِ اليوم فإنما يندمونَ لحظٍّ دنيويٍّ أي لأجلِ الخوفِ من الفضيحةِ بين الناسِ مثلا أو ضياعِ مالٍ أو تعبِ بدنٍ أو غيرِ ذلك من أمورِ الدنيا، ثم إن الندمَ هو أعظمُ أركانِ التوبةِ؛ لأن الإنسانَ عندما يندمُ لأنهُ لم يُراعِ حقَّ الله تعالى، يحمِلُهُ ذلك على أن يؤديَ سائرَ أركانِ التوبةِ؛ ولذلك قال رسول الله ﷺ: “الندمُ توبة”((1) أي أن أعظمَ أركانِ التوبةِ الندم، وليس معناهُ أن الندمَ وحدَه كافٍ لصحةِ التوبةِ. وثالثُها أي الأركانِ التي تشترطُ لصحةِ التوبةِ: العَزمُ الأكيدُ على عدمِ العَودِ إلى الذنب: فلا بُدَّ أن ينويَ بقلبِهِ نيةً جازمةً أن لا يرجعَ إلى الذنب. وهناك ركنٌ رابعٌ أخي المسلم لبعضِ الذنوب، فمثلًا إذا كانت المعصيةُ تركَ فرضٍ من الفروضِ فيُزادُ فيها قضاءُ ذلك الفرضِ، فإن كان المتروكُ صلاةً أو نحوَها قضاهُ فورًا، وإن كان تركَ نحوِ زكاةٍ، فلا بدَّ من إخراجِها وهكذا. وكذلك إن كانتِ المعصيةُ تَتَعَلَّقُ بحَقِّ الأدميين كالضَّربِ بغيرِ حَقٍّ فلا بدَّ من استسماحِهم، وكذلك إن كانت المعصيةُ أكلَ مالِ النَّاسِ ظُلمًا فلا بدّ لصحة التوبةِ من ردِّ الحقِّ إلى صاحبِهِ. والسؤالُ الذي يتبادرُ إلى الذهنِ هنا: هل إذا رجعتُ إلى الذنبِ تقبلُ التوبةُ عن الذنبِ الأول؟!! اعلم أخي المسلمَ أنَّك إذا تبتَ توبةً صحيحة، مُحِيَ عنك الذنب، فلو رجعتَ بعد ذلك لا يرجعُ لك الذنبُ الأولُ؛ بل يكتبُ عليك الذنبُ الذي رجعتَ إليه فقط، فقد روى الحاكمُ(2) عن الصحابيِّ الجليلِ عقبةَ بنِ عامرٍ رضي اللهُ عنه: أن رجلًا أتى رسولَ اللهِ ﷺ فقالَ: يا رسولَ اللهِ أَحَدُنا يُذنبُ، فقال ﷺ: “يُكتبُ عليه” قال الرجلُ : ثم يستغفرُ منه و يتوبُ، قال ﷺ: “يُغفرُ لهُ ويُتابُ عليه((3)“ قال الرجلُ: فيعودُ فيُذنِبُ قال ﷺ: “يُكتبُ عليه ولا يَمَلُّ اللهُ حتى تَمَلُّوا” ومعناهُ مهما تكرر الذنبُ من الإنسانِ وتاب منه، فإن اللهَ تعالى يغفرُهُ له، وليس معناهُ أن الله تعالى يتّصِفُ بصفةِ المللِ الذي هو ضَعفُ الهمةِ من العبدِ.

إخوة الإسلام: يقول اللهُ تعالى: “قُل يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِم لَا تَقنَطُوا مِن رَحمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ” (الزمر:53)، فلا تقل أنا لن يغفرَ اللهُ لي وسيعذُبُني لا محالةَ لكثرةِ ذنوبي، حرامٌ عليكَ أن تظنَّ هذا بالله، وما يُدريكَ ما يفعلُه بِكَ ربُّكَ!! وكيفَ تجزِمُ أن اللهَ سيعذبُكَ؟! فاللهُ شديدُ العقابِ ولكنَّه أيضًا غفورٌ رحيم. فإياكَ أن تسترسلَ في المعاصي اتّكالًا على رحمةِ اللهِ من غيرِ توبةٍ فتقولَ اللهُ غفورٌ رحيمٌ فلن يعذبَني فهذا حرامٌ، وإيَّاكَ وأن تَقنَطَ إن لم تتُب فتقولَ سيعذِبُني اللهُ جَزمًا ولن يغفرَ لي فهذا حرامٌ، عليك يا أخي المؤمن أن تكونَ بين الخوفِ والرجاءِ تخافُ عقابَ الله وترجو عفوَه وثوابَه هكذا ينبغي أن يكونَ حالُك بين الخوفِ والرَّجاء. نسألُ اللهَ تعالى أن يتوبَ علينا وأن يغفرَ لنا، إنه على كل شيءٍ قدير وبعبادِه لطيفٌ خبير، أقولُ قولي هذا وأستغفرُ اللهَ العظيمَ لي ولكم.

الخطبة الثانية

الحمدُ للهِ لهُ النعمةُ وله الفضلُ وله الثناءُ الحَسَنُ والصلاةُ والسلامُ على سيدنَا محمدٍ سيدِ البشرِ، عبادَ اللهِ اتقوا اللهَ وأطيعوهُ. أمَّا بعدُ عبادَ اللهِ: الفضيلُ بنُ عياض روي أنه كان قاطعَ طريق، فمرّت به قافلةٌ فيها امرأةٌ عروس شديدةُ الجمالِ، فقال الفضيلُ: الليلةُ ليلتُكَ يا فضيل، فلما أقبلَ الليلُ اقتربَ من القافلة، يريد الحرامَ مع هذه المرأةِ، فسمعَها تقرأُ القرءانَ وقد وصلت لقولِ اللهِ تعالى: “أَلَم يَأنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخشَعَ قُلُوبُهُم لِذِكرِ اللَّهِ” (الحديد: 16) فصارَ ينتفضُ ويرتجفُ ويمرِّغُ وجهَهُ بالترابِ ويقولُ بلى يا ربُّ بلى يا ربُّ، قد ءانَ يا ربُّ قد ءانَ يا ربُّ ، فتاب للهِ تعالى توبةً نصوحا، أي لم يرجع بعد ذلك للذنبِ وصار من أكابرِ الأولياءِ والعلماءِ(4). نسأل الله تعالى أن يحفظَنا من المعاصي صغيرِها وكبيرِها؛ إنه على كل شيء قدير وبعباده لطيف خبير.

عِبَادَ اللهِ إِنَّ اللهَ قَد أَمَرَكُم بِأَمرٍ عَظِيمٍ أَمَرَكُم بِالصَّلَاةِ عَلَى نَبِيِّهِ الكَرِيمِ فَقَالَ: “إنَّ اللهَ وملائكتَهُ يصلونَ على النبيِّ يا أيُّهَا الذينَ ءامَنُوا صَلُّوا عَليهِ وَسَلِّمُوا تَسلِيمًا” لبيكَ اللهم صلِّ على محمدٍ وعلى آل محمدٍ كما صليتَ على إبراهيمَ وعلى آلِ إبراهيمَ وبارك على محمدٍ وعلى آل محمدٍ كما باركتَ على إبراهيمَ وعلى آلِ إبراهيمَ في العالمينَ إنكَ حميدٌ مجيدٌ. اللهمّ اغفر للمسلمينَ والمسلماتِ والمؤمنينَ والمؤمناتِ الأحياءِ منهم والأموات، اللهم فَرِّجِ الكَربَ عَنِ الأَقصَى يَا رَبَّ العَالَمِينَ، يا الله احفظِ المسلمين والمسجدَ الأقصى من أيدي اليهودِ المدنسين، يا قويُّ يا متينُ انصرِ المسلمين في غزة، يا اللهُ يا من لا يعجِزُكَ شيءٌ ثبِّت المسلمينَ في غزّة وأمدّهم بمددٍ من عندِك، وارزقهم نصرا قريبا، اللهم عليك باليهودِ أعداءِ هذا الدين، اللهم أحصِهم عددا، واقتلهم بددا، ولا تغادر منهم أحدا، اللهم فرج كروبنا واستر عيوبنا وأذهب همومنا يا رب العالمين. اللهم ارفعِ البلاءَ والأمراضَ عنِ المسلمينَ، اللهم اجعل هذا البلدَ آمنًا مطمئنًا سخاءً رخاءً وسائرَ بلادِ المسلمينَ، اللهم وَفِّق مَلِكَ البلادِ لِمَا فيه خيرُ البلادِ والعبادِ يا ربَّ العالمينَ ارزقهُ البطانَةَ الصالحةَ التي تأمرُهُ بالمعروفِ وتنهاهُ عنِ المنكرِ، عبادَ اللهِ إنَّ اللهَ يأمرُ بالعدلِ والإحسانِ وإيتاءِ ذي القربى وينهى عنِ الفحشاءِ والمنكرِ والبغي يعظكُم لعلكم تذكرونَ وأقمِ الصلاةَ.

الحاشية


(1) رواه الإمام أحمد في مسنده.
(2) في المستدرك.
(3) أي يتوب الله عليه ويقبل توبته.
(4) ذكر القصة القرطبي في التفسير.