بِسمِ اللهِ الرَّحمَنِ الرَّحِيمِ

الحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللهِ، أَمَّا بَعدُ:

المقدمة

عِلمُ الأَنسَابِ مِن أَهَمِّ الآلَاتِ الَّتِي يَعتَمِدُ عَلَيهَا العُلَمَاءُ فِي الأَحكَامِ الفِقهِيَّةِ، فَهُوَ عِلمٌ عَظِيمُ المِقدَارِ، جَلِيلُ الفَوَائِدِ، وَهَذَا العِلمُ يَدخُلُ فِي كَثِيرٍ مِنَ الأَحكَامِ الشَّرعِيَّةِ، وَقَد أَشَارَ الكِتَابُ الكَرِيمُ إِلَى نَفعِهِ بِقَولِهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقنَاكُم مِن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلنَاكُم شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكرَمَكُم عِندَ اللهِ أَتقَاكُم﴾، [سورة الحجرات: 13].

وَفِي هَذَا المَقَالِ سَنَستَعرِضُ إِن شَاءَ اللهُ تَعَالَى النِّقَاطَ الرَّئِيسِيَّةَ عَن عِلمِ الأَنسَابِ، مَعنَى عِلمِ الأَنسَابِ وَأَهَمِّيَّتُهُ وَفَضلُهُ، إِلَى غَيرِ ذَلِكَ.

معنى علم الأنساب

عِلمُ الأَنسَابِ عِلمٌ يُعرَفُ بِهِ تَفَرُّعُ القَبَائِلِ وَالبُطُونِ وَالأُسَرِ وَتَنَاسُلُهَا فَرعًا مِن أَصلٍ وَابنًا عَن أَبٍ وَأَبًا عَن جَدٍّ مَهمَا عَلَا، وَالغَرَضُ مِنهُ الِاحتِرَازُ عَنِ الخَطَإِ فِي نَسَبِ شَخصٍ، وَالتَّعَرُّفُ بِهِ عَلَى أَنسَابِ النَّاسِ، وَفَوَائِدُ أُخرَى كَثِيرَةٌ.

فضل وأهمية علم الأنساب في الدين

لَا خَفَاءَ أَنَّ المَعرِفَةَ بِعِلمِ النَّسَبِ مِنَ الأُمُورِ المُهِمَّةِ المَطلُوبَةِ لِمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيهَا مِنَ الأَحكَامِ الشَّرعِيَّةِ، مِنهَا:

العِلمُ بِنَسَبِ النَّبِيِّ ﷺ، وَأَنَّهُ النَّبِيُّ مُحَمَّدُ بنُ عَبدِ اللهِ العَرَبِيُّ ﷺ، الَّذِي وُلِدَ بِمَكَّةَ وَبُعِثَ بِهَا ثُمَّ هَاجَرَ إِلَى المَدِينَةِ وَمَاتَ وَدُفِنَ فِيهَا، وَهَذَا مَعرِفَتُهُ فَرضُ عَينٍ عَلَى كُلِّ مُسلِمٍ مُكَلَّفٍ، أَمَّا مَعرِفَةُ مَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ مِن نَسَبِ النَّبِيِّ ﷺ فَهُوَ فَرضُ كِفَايَةٍ.

العِلمُ بِأَنسَابِ ءَالِ البَيتِ النَّبَوِيِّ وَبَنِي المُطَّلِبِ، لِمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيهِ مِن أَحكَامٍ مِنهَا أَنَّهُم لَا تُعطَى لَهُمُ الزَّكَاةُ، فَقَد رَوَى مُسلِمٌ فِي صَحِيحِهِ وَأَحمَدُ فِي مُسنَدِهِ عَن رَسُولِ اللهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ فِيمَا رَوَاهُ مُسلِمٌ: «إِنَّ هَذِهِ الصَّدَقَاتِ إِنَّمَا هِيَ أَوسَاخُ النَّاسِ، وَإِنَّهَا لَا تَحِلُّ لِمُحَمَّدٍ وَلَا لِآلِ مُحَمَّدٍ»، إِضَافَةً إِلَى حِفظِ نَسَبِهِم وَصَونِهِ مِن أَن يَنتَسِبَ إِلَيهِم مَن لَيسَ مِنهُم. قَالَ الحَافِظُ النَّوَوِيُّ فِي شَرحِهِ لِمُسلِمٍ: “تَنْبِيهٌ عَلَى العِلَّةِ فِي تَحْرِيمِهَا عَلَى بَنِي هَاشِمٍ وَبَنِي الْمُطَّلِبِ وَأَنَّهَا لِكَرَامَتِهِمْ وَتَنْزِيهِهِمْ عَنِ الْأَوْسَاخِ وَمَعْنَى ‌أَوْسَاخُ ‌النَّاسِ أَنَّهَا تَطْهِيرٌ لِأَمْوَالِهِمْ وَنُفُوسِهِمْ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بها﴾، فَهِيَ كَغَسَّالَةِ الْأَوْسَاخِ”.

حِفظُ الإِسنَادِ، فَقَد أَولَى الشَّرعُ أَهَمِّيَّةً كَبِيرَةً لِحِفظِ السَّنَدِ، وَقَد جَدَّ العُلَمَاءُ وَاجتَهَدُوا فِي ضَبطِ هَذَا العِلمِ وَتَحرِيرِهِ وَتَنقِيحِهِ بَل وَتَدوِينِهِ، لِأَنَّ الإِسنَادَ هُوَ الطَّرِيقُ الَّذِي يَحفَظُ مَا يُنقَلُ مِنَ الأَقوَالِ أَو غَيرِهَا عَن رَسُولِ اللهِ ﷺ وَالصَّحَابَةِ وَمَن بَعدَهُم مِنَ العُلَمَاءِ، وَحَتَّى لَا يَقُولَ أَحَدٌ أَيَّ كَلَامٍ يَخطُرُ فِي بَالِهِ وَيَنسُبَهُ إِلَى أَحَدِ الصَّحَابَةِ أَوِ العُلَمَاءِ أَو حَتَّى إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَهُنَا تَكمُنُ أَهَمِّيَّةُ أَن يُسنِدَ الشَّخصُ كَلَامَهُ أَي أَن يَذكُرَ عَمَّن نَقَلَهُ.

التَّعَارُفُ بَينَ النَّاسِ حَتَّى لَا يَنتَسِبَ أَحَدٌ إِلَى غَيرِ ءَابَائِهِ وَأَجدَادِهِ، فَانتِسَابُ الشَّخصِ إِلَى غَيرِ أَبِيهِ حَرَامٌ لِمَا يَتَرَتَّبُ عَلَى ذَلِكَ مِن أَحكَامِ الوَرَثَةِ، وَأَحكَامِ الأَولِيَاءِ فِي النِّكَاحِ، وَأَحكَامِ الوَقفِ إِذَا خَصَّ الوَاقِفُ بَعضَ الأَقَارِبِ دُونَ بَعضٍ، وَأَحكَامِ العَاقِلَةِ فِي الدِّيَةِ حَتَّى تُضرَبَ الدِّيَةُ عَلَى بَعضِ العَصَبَةِ دُونَ بَعضٍ، وَنَحوِ ذَلِكَ مِنَ الأُمُورِ الشَّرعِيَّةِ الَّتِي تَتَعَلَّقُ بِالنَّسَبِ.

مَعرِفَةُ الأَرحَامِ، وَذَلِكَ لِمَا وَرَدَ مِنَ الحَثِّ عَلَى صِلَةِ الرَّحِمِ وَلِاهتِمَامِ الشَّرعِ بِالأَرحَامِ فِي كَثِيرٍ مِنَ الأَحكَامِ الشَّرعِيَّةِ، وَهَل تُعرَفُ الأَرحَامُ إِلَّا بِمَعرِفَةِ النَّسَبِ، فقد قال رسول الله ﷺ: «تَعَلَّمُوا مِن أَنسَابِكُم مَا تَصِلُونَ بِهِ أَرحَامَكُم فَإِنَّ صِلَةَ الرَّحِمِ مَحَبَّةٌ فِي الأَهلِ مَثرَاةٌ فِي المَالِ مَنسَأَةٌ فِي الأَثَرِ -أَي زِيَادَةٌ فِي العُمُرِ-» رَوَاهُ التِّرمِذِيُّ.

اعتِبَارُ النَّسَبِ فِي الإِمَامَةِ الَّتِي هِيَ الزَّعَامَةُ العُظمَى، فَقَد ثَبَتَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «الأَئِمَّةُ مِن قُرَيشٍ»، رَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَأَحمَدُ وَالبَيهَقِيُّ وَغَيرُهُم، قَالَ الشَّافِعِيَّةُ: فَإِن لَم يُوجَد قُرَشِيٌّ اعتُبِرَ كَونُهُ كِنَانِيًّا مِن وَلَدِ كِنَانَةَ بنِ خُزَيمَةَ، فَإِن تَعَذَّرَ اعتُبِرَ كَونُهُ مِن بَنِي إِسمَاعِيلَ عَلَيهِ السَّلَامُ، فَإِن تَعَذَّرَ اعتُبِرَ كَونُهُ مِن جُرهُمَ لِشَرَفِهِم بِصَهَارَةِ إِسمَاعِيلَ، فَإِذَا فُقِدَ فِي قُرَيشٍ مَن هُوَ صَالِحٌ لِلإِمَامَةِ فَيَجُوزُ أَن يَتَوَلَّى الإِمَامَةَ غَيرُهُ، فَلَو لَا المَعرِفَةُ بِعِلمِ النَّسَبِ لَفَاتَت مَعرِفَةُ هَذِهِ القَبَائِلِ.

اعتِبَارُ النَّسَبِ فِي كَفَاءَةِ الزَّوجِ لِلزَّوجَةِ فِي النِّكَاحِ وَفِي المَرأَةِ المَنكُوحَةِ، فَقَد جَاءَ فِي صَحِيحِ البُخَارِيِّ وَمُسلِمٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «تُنكَحُ المَرأَةُ لِأَربَعٍ: لِمَالِهَا، وَلِحَسَبِهَا، وَلِجَمَالِهَا، وَلِدِينِهَا، فَاظفَر بِذَاتِ الدِّينِ تَرِبَت يَدَاكَ»، فَرَاعَى النَّبِيُّ ﷺ فِي المَرأَةِ الحَسَبَ وَهُوَ الشَّرَفُ فِي الآبَاءِ، وَلَا بُدَّ لِمَعرِفَةِ هَذَا مِن مَعرِفَةِ الأَنسَابِ.

وَيَكفِي هَذَا العِلمَ فَضلًا أَنَّ أَبَا بَكرٍ الصِّدِّيقَ الخَلِيفَةَ الرَّاشِدَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ كَانَ لَهُ مَقَامٌ رَفِيعٌ فِيهِ، وَكَذَا ابنَتُهُ أُمُّ المُؤمِنِينَ عَائِشَةُ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنهَا، وَابنُ عَبَّاسٍ، وَجُبَيرُ بنُ مُطعِمٍ، وَغَيرُهُم خَلقٌ كَثِيرٌ مِنَ الفُضَلَاءِ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنهُم، وَفِي هَذَا شَاهِدٌ ظَاهِرٌ عَلَى شَرَفِ هَذَا العِلمِ وَفَضلِهِ.

كيفية ثبوت النسب

يَثبُتُ النَّسَبُ عِندَ الفُقَهَاءِ وَالنَّسَّابَةِ بِأَحَدِ الأَدِلَّةِ التَّالِيَةِ:

الفِرَاشُ: لِحَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ: «الوَلَدُ لِلفِرَاشِ وَلِلعَاهِرِ الحَجَرُ»، رَوَاهُ البُخَارِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَابنُ مَاجَه وَأَحمَدُ وَالبَيهَقِيُّ وَغَيرُهُم، قَالَ الحَافِظُ ابنُ حَجَرٍ فِي شَرحِ الحَدِيثِ مَا نَصُّهُ: «أَي لِلزَّانِي الخَيبَةُ وَالحِرمَانُ، وَالعَهَرُ بِفَتحَتَينِ الزِّنَا».اهـ فَإِذَا وَلَدَتِ المَرأَةُ وَهِيَ تَحتَ عِصمَةِ رَجُلٍ فَإِنَّ وَلَدَهَا يُنسَبُ لَهُ، أَمَّا مَن زَنَى بِامرَأَةٍ وَوَلَدَت فَلَا يُنسَبُ وَلَدُهَا لَهُ شَرعًا، فَلَا يَكُونُ أَبَاهُ بَل يُحرَمُ مِن نِسبَةِ الوَلَدِ لَهُ عِندَ الشَّافِعِيَّةِ.

البَيِّنَةُ: بِأَن تَقُومَ البَيِّنَةُ الشَّرعِيَّةُ عَلَى أَنَّ هَذَا وَلَدُ فُلَانٍ، وَالبَيِّنَةُ الشَّرعِيَّةُ شَهَادَةُ رَجُلَينِ مُسلِمَينِ عَاقِلَينِ عَدلَينِ تُعرَفُ عَدَالَتُهُمَا بِخُبرَةٍ أَو تَزكِيَةٍ، فَحِينَئِذٍ يُعمَلُ بِقَولِهِمَا.

وَلِشَهَادَةِ العَدلَينِ فِي هَذَا المَوضُوعِ ثَلَاثُ حَالَاتٍ وَهِيَ: أَن يَشهَدَا أَنَّ هَذَا الوَلَدَ هُوَ ابنُ فُلَانٍ، أَو يَشهَدَا بِأَنَّ الوَلَدَ وُلِدَ عَلَى فِرَاشِ فُلَانٍ، أَو أَن يَشهَدَا بِأَنَّ الوَلَدَ يُعرَفُ بَينَ النَّاسِ بِأَنَّهُ وَلَدُ فُلَانٍ.

الإِقرَارُ: وَهُوَ أَن يَعتَرِفَ الزَّوجُ فِي مَجلِسِ الحُكمِ أَو خَارِجَهُ بِأَنَّ الوَلَدَ الفُلَانِيَّ ابنَهُ.

الشُّهرَةُ وَالِاستِفَاضَةُ: قَالَ الإِمَامُ أَبُو حَنِيفَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ: «يَثبُتُ بِالشُّهرَةِ النَّسَبُ وَالمَوتُ وَالنِّكَاحُ»، وَنَقَلَ ابنُ قُدَامَةَ الحَنبَلِيُّ إِجمَاعَ أَهلِ العِلمِ عَلَى صِحَّةِ الشَّهَادَةِ بِهَا فِي النَّسَبِ وَالوِلَادَةِ، وَقَالَ: «قَالَ ابنُ المُنذِرِ: لَا أَعلَمُ أَحَدًا مِن أَهلِ العِلمِ مَنَعَ ذَلِكَ».اهـ

وَمَعنَى الشُّهرَةِ: أَن تُتَدَاوَلَ الأَخبَارُ مِن جَمَاعَةٍ يَمتَنِعُ اتِّفَاقُهُم عَلَى الكَذِبِ عَادَةً بِأَنَّ فُلَانًا هُوَ ابنُ فُلَانٍ.

أَن يَأتِيَ المُنتَسِبُ بِأَسمَاءِ ءَابَائِهِ وَأَجدَادِهِ مَعَ البَيِّنَةِ التَّارِيخِيَّةِ، وَهِيَ شَهَادَةُ المَشهُورِينَ مِنَ العُلَمَاءِ أَوِ الحُكَّامِ الثِّقَاتِ بِصِحَّةِ نَسَبِهِ، وَيُوَقِّعُوا عَلَى ذَلِكَ أَو يَختِمُوهُ، فَإِن وَجَدُوهُ صَحِيحًا وَقَّعُوا عَلَيهِ وَشَهِدُوا بِصِحَّتِهِ.

وَقَد زَادَ عُلَمَاءُ النَّسَبِ أُمُورًا أُخرَى مَذكُورَةً فِي كُتُبِ الفِقهِ.

حرمة الانتساب إلى ءال البيت أو إلى أي أب غير أبيه بالباطل

مِن المَعَاصِي الكَبَائِرِ أَن يَنتَسِبَ الرَّجُلُ إِلَى غَيرِ أَبِيهِ، كَأَن يَقُولَ أَنَا ابنُ فُلانٍ وَهُوَ لَيسَ ابنَهُ، أَو أَن يَنتَمِىَ العَبدُ المُعتَقُ إِلَى غَيرِ مَن أَعتَقَهُ، كَأَن يَقُولَ أَعتَقَنِي فُلَانٌ كَذِبًا، لِأَنَّ الوَلاءَ يَثبُتُ بِهِ أَحكَامٌ شَرعِيَّةٌ كَالنَّسَبِ، وَقَد رَوَى البُخَارِيُّ مِن حَدِيثِ سَعدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «مَنِ ادَّعَى إِلَى غَيرِ أَبِيهِ وَهُوَ يَعلَمُ أَنَّهُ غَيرُ أَبِيهِ فَالجَنَّةُ حَرَامٌ عَلَيهِ»، مَعنَاهُ لَا يَدخُلُ مَعَ الأَوَّلِينَ بل يَدخُلُ بَعدَ أَن يُعَذَّبَ مَعَ الآخِرِينَ إِن لَم يَعفُ اللَّهُ عَنهُ، وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرمِذِيُّ وَابنُ مَاجَه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَنِ ادَّعَى إِلَى غَيرِ أَبِيهِ فَعَلَيهِ لَعنَةُ اللَّهِ»، وَأَخرَجَ البُخَارِيُّ وَغَيرُهُ مِن حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «وَمَنِ ادَّعَى قَومًا لَيسَ لَهُ فِيهِم نَسَبٌ فَليَتَبَوَّأ مَقعَدَهُ مِنَ النَّارِ»، وَرَوَى البُخَارِيُّ أَيضًا مِن حَدِيثِ وَاثِلَةَ بنِ الأَسقَعِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «إِنَّ مِن أَعظَمِ الفِرَى أَن يَدَّعِيَ الرَّجُلُ إِلَى غَيرِ أَبِيهِ»، وَرَوَى ابنُ حِبَّانَ وَغَيرُهُ مِن حَدِيثِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «مَنِ انتَسَبَ إِلَى غَيرِ أَبِيهِ أَو تَوَلَّى غَيرَ مَوَالِيهِ فَعَلَيهِ لَعنَةُ اللهِ وَالمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجمَعِينَ»، إِلَى غَيرِ ذَلِكَ مِنَ الأَحَادِيثِ الكَثِيرَةِ الَّتِي تَدُلُّ عَلَى تَحرِيمِ الِانتِفَاءِ مِنَ النَّسَبِ المَعرُوفِ وَالِادِّعَاءِ إِلَى غَيرِهِ، وَفِيمَا ذَكَرنَاهُ كِفَايَةٌ.

وَإِنَّ مِنَ الِانتِسَابِ إِلَى غَيرِ ءَابَائِهِ أَن يَنتَسِبَ إِلَى ءَالِ بَيتِ النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ لَيسَ مِنهُم، فَإِنَّ بَعضَ النَّاسِ قَد يَطمَعُ فِي مَبَرَّةِ النَّاسِ لَهُ لِأَنَّهُ يَنتَسِبُ إِلَى ءَالِ البَيتِ أَو قَد يَطمَعُ فِي مَالِ بَعضِ الأَوقَافِ أَو نَحوِ ذَلِكَ، أَو قَد يَطمَعُ بِشُهرَةٍ أَو حَسَبٍ أَو جَاهٍ بِانتِسَابِهِ لِآلِ البَيتِ، لِذَلِكَ قَالَ الحَافِظُ السَّخَاوِيُّ فِي الأَجوِبَةِ المَرضِيَّةِ: وَرَوَى أَبُو مُصعَبٍ عَنِ الإِمَامِ مَالِكِ بنِ أَنَسٍ رَحِمَهُ اللهُ قَالَ: «مَنِ انتَسَبَ إِلَى بَيتِ النَّبِيِّ ﷺ (يَعنِي بِالبَاطِلِ) يُضرَبُ ضَربًا وَجِيعًا وَيُشهَرُ وَيُحبَسُ طَوِيلًا حَتَّى تَظهَرَ تَوبَتُهُ».

وَرَحِمَ اللهُ الإِمَامَ مَالِكًا كَيفَ لَو أَدرَكَ زَمَانَنَا، حَيثُ كَثُرَ مَن يَتَسَارَعُ إِلَى الِانتِسَابِ إِلَى ءَالِ البَيتِ بِدُونِ تَثَبُّتٍ، غَيرَ مُلَاحِظٍ مَا يَتَرَتَّبُ عَلَيهِ مِنَ الأَحكَامِ، غَافِلًا عَن هَذَا الوَعِيدِ طَمَعًا فِي شَيءٍ تَافِهٍ حَقِيرٍ، فَالنَّاسُ مُؤتَمَنُونَ عَلَى أَنسَابِهِم.

شجرة العائلة ما حكمها

يَعتَقِدُ البَعضُ أَنَّهُ لَا يَنبَغِي أَو لَا يَجُوزُ فَتحُ مُشَجَّرِ الأُسرَةِ إِلَّا إِذَا ذُبِحَت ذَبِيحَةٌ أَو نَحوُهَا قَبلَ ذَلِكَ، وَيَتَرَدَّدُ بَعضُهُم مُعتَقِدِينَ أَنَّهُم إِن لَم يَفعَلُوا ذَلِكَ يَمُوتُ وَاحِدٌ مِنَ الأُسرَةِ أَو يُصِيبُهُ بَلَاءٌ أَو نَحوُ ذَلِكَ، وَهَذَا بَاطِلٌ لَا أَصلَ لَهُ فِي الشَّرِيعَةِ الإِسلَامِيَّةِ، وَفِيهِ إِيجَابُ مَا لَم يَجِب إِجمَاعًا، فَقَد جَرَت عَادَةُ المُتَقَدِّمِينَ مِن عُلَمَاءِ الأَنسَابِ المُعَتَبَرِينَ مِن أَهلِ الوَرَعِ وَالدِّينِ أَن يَفتَحُوا العَدِيدَ مِنَ المُشَجَّرَاتِ لِلبَحثِ وَالتَّدقِيقِ وَالتَّثَبُّثِ وَلَم يَذكُرُوا هَذَا الشَّرطَ فِي كُتُبِهِم، بَل وَلَم يُنقَل عَن وَاحِدٍ مِنَ المُعتَبَرِينَ ذَلِكَ لَا شَرطًا وَلَا تَحرِيمًا، وَهَذَا كِتَابُ اللهِ تَعَالَى أَعظَمُ حُرمَةً عِندَ اللهِ تَعَالَى وَعِندَ المُسلِمِينَ قَاطِبَةً مِن مُشَجَّرَاتِ النَّسَبِ، وَالمُسلِمُونَ يُعَظِّمُونَهُ وَيَتَعَبَّدُونَ بِتِلَاوَتِهِ وَيُقَلِّبُونَ صَفَحَاتِهِ صَبَاحًا وَمَسَاءً، مَعَ ذَلِكَ تَجِدُهُم لَا يَذبَحُونَ أَو يَتَصَدَّقُونَ قَبلَ فَتحِهِ.

الخاتمة

بَعدَ أَن تَبَيَّنَّا مَعنَى عِلمِ الأَنسَابِ وَأَهَمِّيَّتِهِ، وَفَوَائِدَهُ الكَثِيرَةَ فِي الأَحكَامِ الشَّرعِيَّةِ، وَكَيفَ استَفَادَ العُلَمَاءُ مِنَ الأَنسَابِ فِي بُحُوثَاتِهِمُ الفِقهِيَّةِ، حَرِيٌّ بِنَا أَن يَزِيدَ اهتِمَامُنَا بِعِلمِ النَّسَبِ، فَقَدِ اعتَنَتِ العَرَبُ فِي ضَبطِ وَحِفظِ أَنسَابِهِم كَثِيرًا وَكَانَ يُعتَبَرُ مِن أَهَمِّ الأُمُورِ بَل وَمِنَ المَفَاخِرِ، وَقَد وَصَلَ الأَمرُ عِندَ بَعضِهِم أَنَّهُ كَانَ يَحفَظُ حَتَّى نَسَبَ فَرَسِهِ وَلَا يَقبَلُ فَرَسًا غَيرَ أَصِيلِ النَّسَبِ.

لَكِن بَعدَ ذَلِكَ كَثُرَ أَهلُ الإِسلَامِ وَاختَلَطَت أَنسَابُهُم بِالأَعَاجِمِ، فَقَلَّ مَن يَهتَمُّ بِالأَنسَابِ وَضَبطِ الآبَاءِ فَظَهَرَ مَن يَنتَسِبُ إِلَى غَيرِ ءَابَائِهِ وَأَهمَلَ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ مَعرِفَةَ أُصُولِهِم، فَلَا بُدَّ مِنَ الِاهتِمَامِ بِهَذَا العِلمِ الرَّفِيعِ المُفِيدِ.

وَاللهُ تَعَالَى أَعلَمُ وَأَحكَمُ، وَالحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ.

المصادر

هَذِهِ المَسَائِلُ مَجمُوعَةٌ وَمُلَخَّصَةٌ مِنَ:

1. القُرءَانِ الكَرِيمِ.
2. السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ.
3. صَحِيحِ البُخَارِيِّ.
4. صَحِيحِ مُسلِمٍ.
5. فَتحِ البَارِي بِشَرحِ صَحِيحِ البُخَارِيِّ لِابنِ حَجَرٍ العَسقَلَانِيِّ.
6. صَحِيحِ ابنِ حِبَّانَ.
7. مُسنَدِ أَحمَدَ.
8. السُّنَنِ الكُبرَى لِلنَّسَائِيِّ.
9. السُّنَنِ الكُبرَى لِلبَيهَقِيِّ.
10. سُنَنِ التِرمِذِيِّ.
11. سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ.
12. سُنَنِ ابنِ مَاجَه.
13. الأَجوِبَةِ المَرضِيَّةِ لِلسَّخَاوِيِّ.
14. المُغنِي لِابنِ قُدَامَةَ الحَنبَلِيِّ.
15. فَتحِ الوَهَّابِ بِشَرحِ مَنهَجِ الطُّلَّابِ لِلشَّيخِ زَكَرِيَّا الأَنصَارِيِّ.
16. رَوضَةِ الطَّالِبِينَ وَعُمدَةِ المُفتِينَ لِلإِمَامِ النَّوَوِيِّ.
17. نِهَايَةِ الأَرَبِ فِي مَعرِفَةِ أَنسَابِ العَرَبِ لِلقَلَقشَندِيِّ.
18. الأَنسَابِ لِلسَّمعَانِيِّ.