بِسمِ اللهِ الرَّحمَنِ الرَّحِيمِ
الحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللهِ، أَمَّا بَعدُ:
المقدمة
قَالَ اللهُ عزَّ وجلَّ ﴿وَاستَشهِدُوا شَهِيدَينِ مِن رِجَالِكُم فَإِن لَم يَكُونَا رَجُلَينِ فَرَجُلٌ وَامرَأَتَانِ مِمَّن تَرضَونَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [سورة البقرةِ:٢٨٢]، فَمِن بَابِ العَمَلِ بِهَذِهِ الآيَةِ وَالتَّفَقُّهِ فِي الدِّينِ سَنََتَنَاوَلُ فِي هَذِهِ المَقَالَةِ الكَلَامَ عَنِ الشَّهَادَةِ وَأَنوَاعِها وَشُرُوطِهَا لِكَي تَعُمَّ الفَائِدَةُ، فَالشَّهَادَةُ أَمرُهَا عَظِيمٌ فِي الإِسلَامِ تَتَعَلَّقُ بِهَا أَحكَامٌ وَيُبنَى عَلَيهَا أَحكَامٌ.
ما هي الشهادة
الشَّهَادَةُ هِيَ الإِخبَارُ عَنِ الشََّيءِ بِلَفظٍ خَاصٍّ، وَالمُرَادُ بِاللَّفظِ الخَاصِّ لَفظُ “أَشهَدُ” بِعَينِهِ فَلَو أَبدَلَهُ بِغَيرِهِ كَأَعلَمُ أَو أَتَيَقَّنُ لَم يَكفِ.
وَأَركَانُ الشَّهَادَةِ خَمسَةٌ: شَاهِدٌ، وَمَشهُودٌ لَهُ، وَمَشهُودٌ بِهِ، وَمَشهُودٌ عَلَيهِ، وَصِيغَةٌ.
ما هي شروط الشاهد؟
يُشتَرَطُ فِي الشَّاهِدِ خَمسُ خِصَالٍ:
• الإِسلَامُ.
• وَالبُلُوغُ
• وَالعَقلُ
• وَالحُرِّيَّةُ
• وَالعَدَالَةُ
• وَالنُّطقُ
• وَأَن يَكُونَ الشَّاهِدُ مُتَيَقِّظًا
• وَكَونُهُ غَيرَ مُتَّهَمٍ
• وَكَونُه رَشِيدًا.
وَتُشتَرَطُ هَذِهِ الشُّرُوطُ عِندَ أَدَاءِ الشَّهَادَةِ، إِلَّا فِي شَهَادَةِ النِّكَاحِ فَتُشتَرَطُ هَذِهِ الخِصَالُ عِندَ الأَدَاءِ وَالتَّحَمُّلِ.
فَلَا تُقبَلُ شَهَادَةُ كَافِرٍ عَلَى مُسلِمٍ وَلَا كَافِرٍ عَلَى كَافِرٍ، لِأَنَّ اللهَ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿وَأَشهِدُوا ذَوَي عَدلٍ مِنكُم﴾ [سُورَةُ الطَّلَاقِ:2]، وَالكَافِرُ لَيسَ بِعَدلٍ وَلَيسَ مِنَّا.
وَلَا تُقبَلُ شَهَادَةُ الصَّبِيِّ وَلَو مُرَاهِقًا لِقَولِهِ تَعَالَى: ﴿مِن رِجَالِكُم﴾ وَالصَّبِيُّ لَيسَ مِن رِجَالِنَا.
وَلَا تُقبَلُ شَهَادَةُ مَجنُونٍ إِجمَاعًا.
وَلَا تُقبَلُ شَهَادَةُ رَقِيقٍ قِنًّا كَانَ أَو مُدَبَّرًا أَو مُكَاتَبًا أَو مُبَعَّضًا.
وَلَا تُقبَلُ شَهَادَةُ غَيرُ عَدلٍ، وَسَنَأتِي عَلَى بَيَانِ العَدَالَةِ.
وَلَا تُقبَلُ شَهَادَةُ الأَخرَسِ.
وَلَا تُقبَلُ شَهَادَةُ مُغَفَّلٍ لَا يَضبِطُ الأُمُورَ.
وَلَا تُقبَلُ شَهَادَةُ المُتَّهَمِ لِعَدَاوَةٍ مَثَلًا بَينَهُ وََبَينَ المَشهُودِ عَلَيهِ، وَالعَدُوُّ هُوَ مَن يَحزَنُ بِفَرَحِهِ وَيَفرَحُ بِحُزنِهِ.
وَلَا تُقبَلُ شَهَادَةُ مَحجُورٍ عَلَيهِ بِسَفَهٍ.
ما هي العدالة؟
العَدَالَةُ لُغَةً: التَّوَسُّطُ، وَشَرعًا: مَلَكَةٌ فِي النَّفسِ أَي صِفَةٌ رَاسِخَةٌ فِيهَا تَمنَعُهَا مِنَ اقتِرَافِ الكَبَائِرِ وَلَو وَاحِدَةً، وَمِنَ الإِصرَارِ عَلَى الصَّغَائِرِ أَيِ الِاستِمرَارِ عَلَى فِعلِهَا مَعَ عَدَمِ التَّوبَةِ مِنهَا بِحَيثُ تَغلِبُ سَيِّئَاتُهُ عَلَى حَسَنَاتِهِ، وَمِنَ ارتِكَابِ خَوَارِمِ المُرُوءَةِ، كَمَا سَيَأتِي زِيَادَةُ بَيَانٍ لَهَا إِن شَاءَ اللهُ، إِذ كُلُّ ذَلِكَ يُخِلُّ بِالثِّقَةِ بِصَاحِبِهِ وَلَا يُرضَى مَنِ اتَّصَفَ بِشَيءٍ مِن هَذِهِ الصِّفَاتِ لِلشَّهَادَةِ.
من هو عدل الشهادة وعدل الرواية؟
عَدلُ الشَّهَادَةِ هُوَ الَّذِي ثَبَتَ عِندَ القَاضِي عَدَالَتُهُ، وَأَمَّا عَدلُ الرِّوَايَةِ هُوَ الَّذِي تُقبَلُ رِوَايَتُهُ، وَهَذَا لا يُشتَرَطُ أَن تَثبُتَ عَدَالَتُهُ عِندَ القَاضِي.
شروط العدالة
يُشتَرَطُ لِلعَدَالَةِ خَمسَةُ أَشيَاءَ:
• أَن يَكُونَ الشَّاهِدُ مُجتَنِبًا لِلكَبَائِرِ.
• غَيرَ مُصِرٍّ عَلَى القَلِيلِ مِنَ الصَّغَائِرِ.
• سَلِيمَ السَّرِيرَةِ.
• مَأمُونًا عِندَ الغَضَبِ.
• مُحَافِظًا عَلَى مُرُوءَةِ مِثلِهِ.
وَلنَشرَح كُلَّ وَاحِدَةٍ:
الشَّرطُ الأَوَّلُ: أَن يَكُونَ الشَّاهِدُ مُجتَنِبًا لِلكَبَائِرِ أَي لِكُلِّ فَردٍ مِن أَفرَادِ الكَبَائِرِ، فَلَا تُقبَلُ شَهَادَةُ صَاحِبِ كَبِيرَةٍ، كَالزِّنَى وَقَتلِ النَّفسِ بِغَيرِ حَقٍّ وَشُربِ الخَمرِ وَتَركِ الصَّلَاةِ وَغَيرِ ذَلِكَ، وَعَرَّفَهَا بَعضُهُم بِأَنَّهَا كُلُّ جَرِيمَةٍ تُؤذِنُ أَي تُشعِرُ بِرِقَّةِ الدِّيَانَةِ وَقِلَّةِ اكتِرَاثِ صَاحِبِهَا بِالدِّينِ، وَأَوضَحُ مِن ذَلِكَ قَولُ بَعضٍ بِأَنَّهَا مَا لَحِقَ صَاحِبَهَا حَدٌّ أَو وَعِيدٌ شَدِيدٌ كَلَعنٍ بِنَصِّ كِتَابٍ أَو سُنَّةٍ أَو إِجمَاعٍ.
الشَّرطُ الثَّانِي: أَن يَكُونَ الشَّاهِدُ غَيرَ مُصِرٍّ عَلَى القَلِيلِ مِنَ الصَّغَائِرِ، أَي أَن لَا يُصِرَّ عَلَى الصَّغَائِرِ وَلَو كَانَت قَلِيلَةً مِن حَيثُ النَّوعُ، حَتَّى لَو لَازَمَ صَغِيرَةً وَاحِدَةً بِحَيثُ غَلَبَت صَغَائِرُهُ بِسَبَبِهَا عَلَى حَسَنَاتِهِ، أَي بِحَيثُ صَارَ عَدَدُ صَغَائِرِهِ أَكثَرَ مِن عَدَدِ أَعمَالِهِ الحَسَنَةِ، عُدَّ هَذَا الإِصرَارُ كَبِيرَةً تُرَدُّ بِهِ شَهَادَتُهُ.
وَالصَّغَائِرُ كَثِيرَةٌ مِنهَا: النَّظَرُ المُحَرَّمُ، وَكَشفُ العَورَةِ وَلَو فِي الخَلوَةِ لِغَيرِ حَاجَةٍ، وَهَجرُ المُسلِمِ فَوقَ ثَلَاثٍ لِغَيرِ عُذرٍ، وَالتَّضَمُّخُ بِالنَّجَاسَةِ لِغَيرِ حَاجَةٍ، وَاللَّعِبُ بِالنَّردِ، وَالِاستِمَاعُ إِلَى ءَالَاتِ المَلَاهِي المُحَرَّمَةِ، كَالطُّنبُورِ وَالمِزمَارِ العِرَاقِيِّ الَّذِي يُضرَبُ بِهِ مَعَ الأَوتَارِ وَاليَرَاعِ وَهُوَ الشُّبَّابَةُ، وَكَتَصوِيرِ الحَيَوَانِ، وَسَترِ الجُدرَانِ بِالحَرِيرِ، وَغَيرِ ذَلِكَ.
الشَّرطُ الثَّالِثُ: أَن يَكُونَ سَلِيمَ السَّرِيرَةِ أَيِ العَقِيدَةِ، فَلَا تُقبَلُ شَهَادَةُ مُبتَدِعٍ يَكفُرُ بِبِدعَتِهِ، كَمَن أَنكَرَ البَعثَ، أَو خَلقَ اللهِ لِأَعمَالِ العِبَادِ، أَو قَالَ بِالجِسمِيَّةِ، أَوِ التَّحَيُّزِ فِي الجِهَةِ فِي حَقِّ اللهِ تَعَالَى، وَكَمَن نَفَى صِفَةً مِن صِفَاتِ اللهِ الثَّلَاثَ عَشرَةَ، كَمَا لَا تُقبَلُ شَهَادَةُ مَن جَرَّتهُ بِدعَتُهُ إِلَى الفِسقِ العَمَلِيِّ كَسَابِّ الشَّيخَينِ البُخَارِيِّ وَمُسلِمٍ.
أَمَّا مَن عَدَا هَؤُلَاءِ مِنَ المُبتَدِعَةِ فَتُقبَلُ شَهَادَتُهُ كَمَا قَالَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنهُ:«أَقبَلُ شَهَادَةَ أَهلِ الأَهوَاءِ -يَعنِي مِمَّن لَا يَكفُرُ بِبِدعَتِهِ وَلَم تَجُرَّهُ بِدعَتُهُ إِلَى الفِسقِ العَمَلِيِّ- إِلَّا الخَطَّابِيَّةَ».اهـ أَي فَيُستَثنَى مِن قَبُولِ شَهَادَةِ المُبتَدِعَةِ الَّذِينَ لَا يَكفُرُونَ بِبِدعَتِهِمُ الخَطَّابِيَّةُ الَّذِينَ لَم يَثبُت عَنهُم مَا يَقتَضِي تَكفِيرَهُم، فَلَا تُقبَلُ شَهَادَتُهُم لِأَنَّهُم يُجَوِّزُونَ الشَّهَادَةَ لِصَاحِبِهِم إِذَا سَمِعُوهُ يَقُولُ لِي عَلَى فُلَانٍ كَذَا، فَيَعتَمِدُونَ فِي شَهَادَتِهِم قَولَ صَاحِبِهِم لِاعتِقَادِهِم أَنَّهُ لَا يَكذِبُ، فَإِن بَيَّنُوا السَّبَبَ كَأَن قَالُوا رَأَينَاهُ يُقرِضُهُ كَذَا مَثَلًا قُبِلَت شَهَادَتُهُم لِتَبَيُّنِ أَنَّهُم لَم يَعتَمِدُوا فِيهَا عَلَى قَولِ صَاحِبِهِم.
ما معنى قول الشافعي أقبل شهادة أهل الأهواء إلا الخطابية
أَسَاءَ بَعضٌ فَهمَ كَلَامِ إِمَامِنَا الشَّافِعِيِّ فَظَنَّ أَنَّ الإِمَامَ لَا يُكَفِّرُ أَحَدًا مِن أَهلِ البِدَعِ طَالَمَا هُم يَنفُونَ الشَّرِيكَ عَنِ اللهِ وَيُصَدِّقُونَ بِنُبُوَّةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وبَنَوا عَلَى ذَلِكَ عَدَمَ تَكفِيرِ المُجَسِّمِ وَلَو أَطلَقَ عَلَى اللهِ سُبحَانَهُ الجِسمِيَّةَ وَهُوَ مُدرِكٌ لِمعنَى ذَلِكَ أَي وَهُوَ مُعتَقِدٌ فِي اللهِ تَعَالَى الجِهَةَ وَالمَكَانَ وَالحَيِّزَ وَالطُّولَ وَالعَرضَ وَالعُمقَ وَغَيرَ ذَلِكَ مِن صِفَاتِ الأَجسَامِ، وَعَدَمَ تَكفِيرِ المُعتَزِلِيِّ وَلَو نَفَى الصِّفَاتِ وَنَفَى القَدَرَ وَادَّعَى جَرَيانَ أََفعَالِ العَبدِ الِاختِيَارِيَّةِ بِغَيرِ تَقدِيرِ اللهِ وَمَشِيئَتِهِ وَنَفَى خَلقَ اللهِ لَهَا وَزَعَمَ أَنَّ اللهَ أَعطَى العَبدَ القُدرَةَ عَلَى خَلقِ أَفعَالِهِ وَأَنَّهُ صَارَ شَرِيكًا للهِ فِي التَّخلِيقِ وَالإِخرَاجِ مِنَ العَدَمِ إِلَى الوُجُودِ وَأَنَّهُ بَعدَ ذَلِكَ خَرَجَت هَذِهِ الأَفعَالُ مِن تَحتِ قُدرَةِ اللهِ وَدَخَلَت تَحتَ قُدرَةِ العَبدِ وَلَم يَعُد للهِ تَعَالَى قُدرَةٌ عَلَيهَا، وَمَن ظَنَّ ذَلِكَ مِن كَلَامِ الإِمَامِ فَقَد أَبعَدَ النَّجعَةَ وَلَم يُصِب فَهمَ كَلَامِهِ، كَيفَ وَقَد نَقَلَ أَسَاطِينُ مَذهَبِهِ عَنهُ تَكفِيرَ المُجَسِّمِ كَمَا نُقِلَ ذَلِكَ عَن غَيرِهِ مِنَ الأَئِمَةِ المُجتَهِدِينَ وَنَصَّ هُوَ مِرَارًا كَسَائِرِ السَّلَفِ عَلَى تَكفِيرِ القَدَرِيَّةِ بِإِنكَارِهِمُ القَدَرَ كَمَا بِنَفيِ الصِّفَاتِ، وَقَد حَقَّقَ هَذِهِ المَسأَلَةَ الإِمَامُ عُمَرُ بنُ رَسلَانَ البُلقِينِيُّ الشَّافِعِيُّ المَنسُوبُ إِلَى بُلُوغِ رُتبَةِ الِاجتِهَادِ رَحِمَهُ اللهُ فِي حَوَاشِيهِ عَلَى الرَّوضَةِ فَقَالَ: “وَقَولُ الشَّافِعِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ: “أَقبَلُ شَهَادَةَ أَهلِ الأَهوَاءِ إِلَّا الخَطَّابِيَّة” مَحمُولٌ عَلَى مَن لَم تَثبُت فِيهِم قَضِيَّةٌ مُعَيَّنَةٌ تَقتَضِي تَكفِيرَهُم”.اهـ أَرَادَ رَحِمَهُ اللهُ أَنَّ الشَّّخصَ المَنسُوبَ إِلَى المُجَسِّمَةِ أَوِ الِاعتِزَالِ أَو نَحوِ ذَلِكَ مِنَ البِدَعِ يَقبَلُ الإِمَامُ شَهَادَتَهُ طَالَمَا لَم يَثبُت عَلَيهِ أَنَّهُ يَعتَقِدُ بِدعَةً مِن بِدَعِهِم المُكَفِّرَةِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ فِي بِدَعِهِم مَا يَصِلُ إِلَى حَدِّ الكُفرِ وَفِيهَا مَا لَيسَ كَذَلِكَ، فَطَالَمَا لَم يَتَحَقَّق مِنهُ الأَخذُ بِالمُكَفِّرِ مِنهَا لَا يُكَفِّرُ المُنتَسِبَ إِلَى بَعضِهَا وَيَقبَلُ شهادَتَهُ، أَمَّا إِذَا تَحَقَّقَ ذَلِكَ فَلَا يَقبَلُ شَهَادَتَهُ وَيَكَفِّرُهُ، وَاستَدَلَّ البُلقِينِيُّ لِذَلِكَ بِتَكفِيرِ الشَّافِعِيِّ لِزَعِيمِ المُعتَزِلَةِ المُسَمَّى بِحَفصٍ الفَردِ، فَإِنَّهُ لَمَّا جَادَلَهُ فِي مَسأَلَةِ القُرءَانِ قَالَ لَهُ: لَقَد كَفَرتَ بِاللهِ العَظِيمِ.اهـ
قَالَ البُلقِينِيُّ: الصَّحِيحُ أَوِ الصَّوَابُ أَنَّ قَولَ الإِمَامِ الشَّافِعِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ مَحمُولٌ عَلَى مَن لَم يَثبُت عَلَيهِ قَضِيَّةٌ مُعَيَّنَةٌ تَقتَضِي كُفرَهُ، وَهَذَا نَصٌّ عَامٌّ، وَقَد نَصَّ خَاصًّا عَلَى تَكفِيرِ مَن قَالَ بِخَلقِ القُرءَانِ، وَالقَولُ بِالخَاصِّ هُوَ المُقَدَّمُ.اهـ
كَمَا لَا يَصِحُّ الِاستِدلَالُ بِمَا قَالَهُ عِدَّةٌ مِن تَصحِيحِ الصَّلَاةِ خَلفَ المُعتَزِلَةِ، فَإِنَّ البُلقِينِيَّ وَغَيرَهُ ذَكَرُوا أَنَّهُ مَحمُولٌ عَلَى مَن لَم تَثبُت فِي حَقِّهِ عِندَ المُقتَدِي بِهِم مَقَالَةٌ مُكُفِّرَةٌ.اهـ
وَلَا يَصِحُّ تَأوِيلُ كَلَامِ الشَّافِعِيِّ بِأَنَّهُ أَرَادَ بِهِ كُفرَ النِّعمَةِ لَا كُفرَ الخُرُوجِ مِنَ الإِسلَامِ لِأَنَّ لَفظَ الكُفرِ ظَاهِرٌ فِي عُرفِ الشَّرعِ أَنَّهُ بِمَعنَى الخُرُوجِ مِنَ الإِسلَامِ وَلَا يَجُوزُ العُدُولُ عَن ذَلِكَ إِلَى مَعنًى ءَاخَرَ بِالتَّأوِيلِ إِلَّا بِدَلِيلٍ وَلَا دَلِيلَ عَلَى التَّأوِيلِ هُنَا مَعَ التَّنَبُّهِ إِلَى زِيَادَةِ إِبعَادِ المَعنَى عَن إِرَادَةِ كُفرِ النِّعمَةِ بِقَولِهِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ: كَفَرتَ بِاللهِ العَظِيمِ.اهـ وَبِثُبُوتِ نُصُوصٍ أُخرَى عَنِ الإِمَامِ الشَّافِعِيِّ يُكَفِّرُ فِيهَا أَصحَابَ هَذَا الِاعتِقَادِ المُخَالِفِ وَبِأَنَّ أَصحَابَ الإِمَامِ لَم يَفهَمُوا مِن كَلَامِهِ إِلَّا الإِخرَاجَ مِنَ الدِّينِ بَل هَذَا الَّذِي فَهِمَهُ حَفصٌ الفَردُ نَفسُهُ، وَلِذَلِكَ قَالَ البُلقِينِيُّ: هَذَا التَّأوِيلُ لَا يَصِحُّ لِأَنَّ الَّذِي أَفتَى الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ بِكُفرِهِ هُوَ حَفصٌ الفَردُ، وَقَد قَالَ: أَرَادَ الشَّافِعِيُّ ضَربَ عُنُقِي، وَهَذَا هُوَ الَّذِي فَهِمَهُ أَصحَابُهُ الكِبَارُ وَهُوَ الحَقُّ وَبِهِ الفَتوَى.اهـ
وَعَلَى كُلِّ حَالٍ فَقَد ذَكَرَ الإِمَامُ أَبُو مَنصُورٍ البَغدَادِيُّ فِي كِتَابِ أُصُولِ الدِّينِ لَهُ أَنَّ الإِمَامَ الشَّافِعِيَّ رَحِمَهُ اللهُ رَجَعَ عَنِ القَولِ بِقَبُولِ شَهَادَةِ أَهلِ الأَهوَاءِ.اهـ فَهُوَ ءَاخِرُ قَولَيِ الإِمَامِ وَعَلَيهِ فَالمُبتَدِعُ لَا تُقبَلُ شَهَادَتُهُ بَلَغَ بِبِدعَتِهِ الكُفرَ أَم لَم يَبلُغ.
الشَّرطُ الرَّابِعُ: أَن يَكُونَ الشَّاهِدُ مَأمُونًا عِندَ الغَضَبِ، فَلَا تُقبَلُ شَهَادَةُ مَن لَا يُؤمَنُ عِندَ غَضَبِهِ، بِأَن تَحمِلَهُ نَفسُهُ عِندَ غَضَبِهِ عَلَى الوُقُوعِ فِي قَولِ الزُّورِ وَالكَذِبِ وَنَحوِهِمَا.
الشَّرطُ الخَامِسُ: أَن يَكُونَ الشَّاهِدُ مُحَافِظًا عَلَى مُرُوءَةِ مِثلِهِ، وَيَأتِي بَيَانُهَا.
ما هي المروءة؟
المُرُوءَةُ تَخَلُّقُ الإِنسَانِ بِخُلُقِ أَمثَالِهِ مِن أَهلِ الفَضلِ فِي زَمَانِهِ وَمَكَانِهِ، وَتَركُ مَا يُزرِي بِمُتَعَاطِيهِ لِكَونِهِ غَيرَ لَائِقٍ بِهِ عُرفًا.
فَالمُرُوءَةُ مُختَلِفَةٌ بِاختِلَافِ الأَشخَاصِ وَالأَحوَالِ، وَتَركُهَا إِمَّا لِنَقصِ عَقلٍ أَو عَدَمِ مُبَالَاةٍ، فَيُسَاءُ بِتَارِكِهَا الظَّنُّ وَتَبطُلُ الثِّقَةُ بِقَولِهِ، فَلِذَا لَا تُقبَلُ شَهَادَةُ مَن لَا مُرُوءَةَ لَهُ.
وَتَارِكُ المُرُوءَةِ كَمَن يَمشِي فِي السُّوقِ مَكشُوفَ الرَّأسِ أَوِ البَدَنِ غَيرَ العَورَةِ فِي بَلَدٍ لَم يَعتَد أَهلُهُ ذَلِكَ مِن أَمثَالِهِ بَل يُزرُونَ عَلَى مَن يَفعَلُهُ، وَكَتَقبِيلِ زَوجَتِهِ أَو أَمَتِهِ بِحَضرَةِ النَّاسِ غَيرَ قُبلَةِ الشَّفَقَةِ، وَكَمَدِّ الرِّجلِ عِندَ النَّاسِ الَّذِينَ يَحتَشِمُهُم وَيَستَحِي مِنهُم بِلَا عُذرٍ، قَالَ الأَذرَعِيُّ: “فَلَو كَانَ بِحَضرَةِ إِخوَانِهِ أَو نَحوِهِم كَتَلَامِذَتِهِ لَم يَكُن ذَلِكَ تَركًا لِلمُرُوءَةِ”.اهـ، وَكَالإِكثَارِ مِنَ الحِكَايَاتِ المُضحِكَةِ بَينَ النَّاسِ بِحَيثُ يَصِيرُ ذَلِكَ عَادَةً لَهُ مَا لَم يَكُن طَبعًا مِن غَيرِ تَصَنُّعٍ، وَالإِكبَابِ عَلَى لَعِبِ الشَّطرَنجِ بِحَيثُ يَشغَلُهُ عَن مَهَامِّهِ وَإِن لَم يَقتَرِن بِهِ مَا يُحَرِّمُهُ، أَو عَلَى غِنَاءٍ أَو سَمَاعِهِ، وَإِكثَارِ رَقصٍ، وَكَحِرفَةٍ دَنِيئَةٍ غَيرِ مُحَرَّمَةٍ وَكَنسِ زِبلٍ وَنَحوِهِ وَدَبغٍ مِمَّن لَا يَلِيقُ ذَلِكَ بِهِ، أَي إِذَا اختَارَهَا لِنَفسِهِ مِهنَةً بِلَا عُذرٍ مَعَ حُصُولِ الكِفَايَةِ بِغَيرِهَا، وَغَيرِ ذَلِكَ مِمَّا يُضبَطُ بِمَا تَقَدَّمَ.
وَإِيرَادُ خَوَارِمِ المُرُوءَةِ فِي تَعرِيفِ العَدَالَةِ يَقتَضِي أَنَّ مَن وَقَعَ فِي خَوَارِمِ المُرُوءَةِ انتَفَت عَدَالَتُهُ، وَهُوَ مَا ذَهَبَ إِلَيهِ بَعضٌ، وَقَالَ بَعضٌ لَا تَنتَفِي عَدَالَتُهُ لَكِن لَا تُقبَلُ شَهَادَتُهُ، فَلَيسَ اجتِنَابُ خَوَارِمِ المُرُوءَةِ عِندَهُم مِنَ العَدَالَةِ بَل هُوَ مِن شُرُوطِ قَبُولِ الشَّهَادَةِ.
قَالَ فِي فَتحِ الجَوَادِ: تُرَدُّ شَهَادَةُ مَن أَكثَرَ الكَذِبَ وَخُلفَ الوَعدِ وَإِن لَم يَفسُق بِذَلِكَ.اهـ
وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي رَوضَةِ الطَّالِبِينَ: مَن تَرَكَ السُّنَنَ الرَّاتِبَةَ وَتَسبِيحَاتِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ أَحيَانًا لَا تُرَدُّ شَهَادَتُهُ، وَمَنِ اعتَادَ تَركَهَا رُدَّت شَهَادَتُهُ لِتَهَاوُنِهِ بِالدِّينِ وَإِشعَارِ هَذَا بِقِلَّةِ مُبَالَاتِهِ بِالمُهِمَّاتِ.
الحقوق التي يُشهَد فيها
الحُقُوقُ الَّتِي يُشهَدُ فِيهَا نَوعَانِ:
حَقُّ اللهِ تَعَالَى، وَهُوَ مَبنِيٌّ عَلَى المُسَامَحَةِ.
وَحَقُّ الآدَمِيِّينَ، وَهُوَ مَبنِيٌّ عَلَى المُشَاحَّةِ أَيِ التَّنَازُعِ، وَنَبدَأُ بِهِ لِأَنَّ المُخَاصَمَةَ أَكثَرُ مَا تَقَعُ فِيهِ.
حقوق الآدميين ثلاثة أضرب:
• ضَربٌ لَا يُقبَلُ فِيهِ إِلَّا شَاهِدَانِ ذَكَرَانِ:
وَهَذَا الضَّربُ هُوَ مَا لَا يُقصَدُ مِنهُ المَالُ، أَيِ الحَقُّ الَّذِي لَيسَ مَالًا وَلَا يَؤُولُ إِلَى المَالِ وَيَطَّلِعُ عَلَيهِ الرِّجَالُ غَالِبًا، كَطَلَاقٍ، إِلَّا إِذَا ادَّعَاهُ الزَّوجُ بِعِوَضٍ.
وَمِن هَذَا الضَّربِ مُوجِبُ عُقُوبَةٍ للهِ تَعَالَى، كَحَدِّ شُربٍ وَقَطعِ الطَّرِيقِ وَالقَتلِ بِالرِّدَّةِ، وَمُوجِبُ عُقُوبَةٍ لِآدَمِيٍّ كَتَعزِيرٍ وَقِصَاصٍ.
• وَضَربٌ يُقبَلُ فِيهِ أَحَدُ أُمُورٍ ثَلَاثَةٍ: إِمَّا شَاهِدَانِ رَجُلَانِ، أَو رَجُلٌ وَامرَأَتَانِ، وَلَا يُشتَرَطُ تَقدِيمُ شَهَادَةِ الرَّجُلِ عَلَى شَهَادَتِهِمَا، أَو شَاهِدٌ رَجُلٌ وَيَمِينُ المُدَّعِي، لِأَنَّ النَّبِيَّ عَلَيهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ قَضَى بِهِمَا.
وَهَذَا الضَّربُ الثَّانِي هُوَ مَا كَانَ القَصدُ مِنهُ المَالَ عَينًا أَو دَينًا أَو مَنفَعَةً، وَسَوَاءٌ كَانَ مَا قُصِدَ مِنهُ المَالُ عَقدًا مَالِيًّا كَبَيعٍ وَحَوَالَةٍ وَقَرضٍ وَشُفعَةٍ أَو فَسخَ عَقدٍ كَإِقَالَةٍ وَرَدٍّ بِعَيبٍ أَو حَقًّا يَتَعَلَّقُ بِالعَقدِ كَخِيَارٍ وَأَجَلٍ وَوَقفٍ وَكَمَهرٍ فِي نِكَاحٍ وَمَسرُوقٍ ادَّعَاهُ عَلَى غَيرِهِ وَوَصِيَّةٍ بِمَالٍ.
• وَضَربٌ يُقبَلُ فِيهِ أَحَدُ أُمُورٍ ثَلَاثَةٍ: إِمَّا رَجُلَانِ أَو رَجُلٌ وَامرَأَتَانِ أَو أَربَعُ نِسوَةٍ مِن غَيرِ رَجُلٍ مَعَهُنَّ.
وَهَذَا الضَّربُ هُوَ مَا لَا يَطَّلِعُ عَلَيهِ الرِّجَالُ غَالِبًا بَل نَادِرًا أَو مَا يَختَصُّ بِمَعرِفَتِهِ النِّسَاءُ كَوِلَادَةٍ وَحَيضٍ وَرَضَاعٍ وَعَيبِ امرَأَةٍ تَحتَ الثِّيَابِ، كَرَتَقٍ بِفَتحِ التَّاءِ وَهُوَ انسِدَادُ مَحَلِّ الجِمَاعِ بِلَحمٍ، وَقَرَنٍ بِفَتحِ الرَّاءِ وَهُوَ انسِدَادُ مَحَلِّ الجِمَاعِ بِعَظمٍ كَمَا تَقَدَّمَ فِيهِمَا. أَمَّا عَيبُهَا الَّذِي فِي وَجهِهَا وَكَفَّيهَا فَلَا يَثبُتُ إِلَّا بِرَجُلَينِ لِجَوَازِ نَظَرِهِمَا إِلَى وَجهِهَا وَكَفَّيهَا، وَكَشَهَادَةِ النِّسَاءِ فِي الرَّضَاعِ بِمَا إِذَا كَانَ مِنَ الثَّديِ، فَإِن كَانَ مِن إِنَاءٍ حُلِبَ فِيهِ اللَّبَنُ لَم تُقبَل شَهَادَةُ النِّسَاءِ بِهِ، لَكِن تُقبَلُ شَهَادَتُهُنَّ بِأَنَّ هَذَا اللَّبَنَ مِن هَذِهِ المَرأَةِ لِأَنَّ الرِّجَالَ لَا يَطَّلِعُونَ عَلَيهِ غَالِبًا.
وَاعلَم أَنَّ مَا يَثبُتُ بِأَربَعِ نِسوَةٍ يَثبُتُ بِرَجُلٍ وَامرَأَتَينِ وَبِرَجُلَينِ بِالأَولَى وَلَا يُقبَلُ فِيهِ الرَّجُلُ وَاليَمِينُ، وَأَنَّهُ لَا يَثبُتُ شَيءٌ مِنَ الحُقُوقِ بِامرَأَتَينِ وَيَمِينٍ.
وَأَمَّا حُقُوقُ اللهِ كَشُربِ الخَمرِ فَلَا تُقبَلُ فِيهَا النِّسَاءُ، وَهِيَ ثَلَاثَةُ أَضرُبٍ:
• ضَربٌ لَا يُقبَلُ فِيهِ أَقَلُّ مِن أَربَعَةٍ مِنَ الرِّجَالِ:
وَهُوَ الزِّنَى، أَي بِالنِّسبَةِ لِإِيجَابِ الحَدِّ، لِقَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يَرمُونَ المُحصَنَاتِ ثُمَّ لَم يَأتُوا بِأَربَعَةِ شُهَدَآءَ فَاجلِدُوهُم ثَمَانِينَ جَلدَةً﴾ [سورة النور:4] الآيَةَ.
وَيَكُونُ نَظَرُ الشُّهُودِ لِلزِّنَا لِأَجلِ الشَّهَادَةِ أَو يَقَعُ نَظَرُهُم لَهُ فِي حِينٍ مِنَ الزَّمَانِ مِن غَيرِ قَصدٍ ثُمَّ لَا يُكَرِّرُونَ النَّظَرَ إِذ لَا يُحتَاجُ إِلَيهِ.
• وَضَربٌ يُقبَلُ فِيهِ رَجُلَانِ فَلَا يُقبَلُ فِيهِ رَجُلٌ وَامرَأَتَانِ وَلَا أَربَعُ نِسوَةٍ:
وَهُوَ مَا سِوَى الزِّنَى مِن مُوجِبَاتِ الحُدُودِ، كَشُربِ الخَمرِ وَالقَذفِ وَالقِصَاصِ فِي النَّفسِ وَالطَّرَفِ.
• وَضَربٌ ثَالِثٌ يُقبَلُ فِيهِ رَجُلٌ وَاحِدٌ وَهُوَ هِلَالُ شَهرِ رَمَضَانَ.
فَيَكفِي فِيهِ شَاهِدٌ وَاحِدٌ ظَاهِرُ العَدَالَةِ أَنَّهُ رَأَى الهِلَالَ بِالنِّسبَةِ لِلصَّومِ وَتَوَابِعِهِ كَالتَّرَاوِيحِ. وَالمَقصُودُ بِالرُّؤيَةِ هُنَا الرُّؤيَةُ البَصَرِيَّةُ فَخَرَجَ مَا لَو شَهِدَ أَحَدٌ بِأَنَّ غَدًا رَمَضَانَ اعتِمَادًا عَلَى أَنَّهُ رَأَى فِي مَنَامِهِ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ لَهُ غَدًا أَوَّلُ رَمَضَانَ فَإِنَّهَا لَا تُقبَلُ مِنهُ وَلَا يَصِحُّ بِهِ الصَّومُ إِجمَاعًا وَذَلِكَ لِأَنَّهُ حَالَ نَومِهِ فَاقِدُ التَيَقُّظِ المَشرُوطِ حَالَ التَّحَمُّلِ لَا لِلشَّكِّ فِي كَونِ رُؤيَةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي المَنَامِ حَقًّا. وَمِثلُهُ مَا لَو شَهِدَ بِالرُّؤيَةِ اعتِمَادًا عَلَى الرُّؤيَةِ بِوَاسِطَةِ ءَالَاتِ التَّصوِيرِ أَو ءَالَاتِ التَّكبِيرِ أَوِ اعتِمَادًا عَلَى الحِسَابِ لَا الرُّؤيَةِ بِالعَينِ المُجَرَّدَةِ فَإِنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ لَا يَثبُتُ بِهِ دُخُولُ الشَّهرِ.
أَحكَامُ شَهَادَةِ الأَعمَى
لَا تُقبَلُ شَهَادَةُ الأَعمَى لِجَوَازِ اشتِبَاهِ الأَصوَاتِ فَقَد يُحَاكِي الإِنسَانُ صَوتَ غَيرِهِ فَيَشتَبِهُ صَوتُهُ بِهِ حَتَّى لَا يَجُوزُ لَهُ أَن يَشهَدَ عَلَى زَوجَتِهِ اعتِمَادًا عَلَى صَوتِهَا كَغَيرِهَا، إِلَّا فِي مَوَاضِعَ لَا يَفتَقِرُ مُعظَمُهَا إِلَى مُشَاهَدَةٍ أَو سَمَاعٍ بَل يَثبُتُ بِالِاستِفَاضَةِ، مِنهَا:
• التَّرجَمَةُ مِنَ الأَعمَى لِلقَاضِي أَو لِلخَصمَينِ.
• وَمَا شَهِدَ بِهِ قَبلَ العَمَى، أَي أَنَّ الأَعمَى لَو تَحَمَّلَ الشَّهَادَةَ فِيمَا يَحتَاجُ لِلبَصَرِ قَبلَ عُرُوضِ العَمَى لَهُ ثُمَّ عَمِيَ بَعدَ ذَلِكَ وَشَهِدَ بِمَا تَحَمَّلَهُ وَكَانَ المَشهُودُ لَهُ وَالمَشهُودُ عَلَيهِ مَعرُوفَيِ الِاسمِ وَالنَّسَبِ قُبِلَ ذَلِكَ مِنهُ.
• وَكُلُّ مَا شَهِدَ بِهِ عَلَى المَضبُوطِ، وَمِن صُوَرِهِ أَن يُقِرَّ شَخصٌ فِي أُذُنِ أَعمًى بِعِتقٍ أَو طَلَاقٍ لِشَخصٍ يَعرِفُ اسمَهُ وَنَسَبَهُ وَيَدُ ذَلِكَ الأَعمَى عَلَى رَأسِ ذَلِكَ المُقِّرِّ فَيَتَعَلَّقُ الأَعمَى بِهِ وَيَضبِطُهُ حَتَّى يَشهَدَ عَلَيهِ بِمَا سَمِعَهُ مِنهُ عِندَ القَاضِي فَتُقبَلُ شَهَادَتُهُ حِينَئِذٍ.
الخاتمة
مِن جُملَةِ مَعَاصِي اللِّسَانِ وَمِن أَعظَمِ الذُّنُوبِ عِندَ اللهِ تَعَالَى الدَّعَاوِي البَاطِلَةُ وَشَهَادَةُ الزُّورِ، بِأَن يَدَّعِيَ عَلَى شَخصٍ مَا لَيسَ لَهُ اعتِمَادًا عَلَى شَهَادَةِ الزُّورِ أَوِ اعتِمَادًا عَلَى جَاهِهِ.
فَفِيهَا مَفسَدَةٌ لِلدِّينِ وَالدُّنيَا، وَلِلفَردِ وَالمُجتَمَعِ، وَكَذِبٌ، وَبُهتَانٌ، وَأَكلٌ لِلمَالِ بِالبَاطِلِ، وَسَبَبٌ لِانتِهَاكِ الأَعرَاضِ وَإِزهَاقِ النُّفُوسِ.
قَالَ القُرطُبِيُّ: «شَهَادَةُ الزُّورِ: هِيَ الشَّهَادَةُ بِالكَذِبِ لِيَتَوَصَّلَ بِهَا إِلَى البَاطِلِ مِن إِتلَافِ نَفسٍ أَو أَخذِ مَالٍ أَو تَحلِيلِ حَرَامٍ أَو تَحرِيمِ حَلَالٍ».
وَقَد جَاءَ التَّحذِيرُ الشَّدِيدُ مِن شَهَادَةِ الزُّورِ فِي النُّصُوصِ الشَّرعِيَّةِ، فَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّور﴾ [سورة الحج:30]. وَجَاءَ المَدحُ لِمُجتَنِبِيهَا، فَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ لاَ يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾ [سورة الفرقان:72]
وَرَوَى البُخَارِيُّ وَمُسلِمٌ فِي صَحِيحَيهِمَا مِن حَدِيثِ أَبِي بَكرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِأَكْبَرِ الْكَبَائِرِ؟» قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: «الإِشْرَاكُ بِاللَّهِ، وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ، وَقَتْلُ النَّفْسِ، وَشَهَادَةُ الزُّورِ».
وَرَوَى البُخَارِيُّ وَمُسلِمٌ مِن حَدِيثِ أَبِي بَكرَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِأَكْبَرِ الْكَبَائِرِ؟» ثَلَاثًَا، قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: «الإِشْرَاكُ بِاللَّهِ، وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ»، وَجَلَسَ وَكَانَ مُتَّكِئًا، فَقَالَ: «أَلَا وَقَولُ الزُّورِ». قَالَ: فَمَا زَالَ يُكَرِّرُهَا.
المصادر
هَذِهِ المَسَائِلُ مَجمُوعَةٌ وَمُلَخَّصَةٌ مِنَ:
القُرءَانِ الكَرِيمِ.
السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ.
صَحِيحِ البُخَارِيِّ.
صَحِيحِ مُسلِمٍ.
رَوضَةِ الطَّالِبِينَ وَعُمدَةِ المُفتِينَ لِلإِمَامِ النَّوَوِيِّ.
فَتحِ الوَهَّابِ بِشَرحِ مَنهَجِ الطُّلَّابِ لِلشَّيخِ زَكَرِيَّا الأَنصَارِيِّ.
الِاعتِقَادِ لِلبَيهَقِيِّ.
تَبيِينِ كَذِبِ المُفتَرِي لِابنِ عَسَاكِرَ.
