بِسمِ اللهِ الرَّحمَنِ الرَّحِيمِ

الحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللهِ، أَمَّا بَعدُ:

مقدمة

امتَلَأَت صَفَحَاتُ التَّارِيخِ الإِسلَامِيِّ بِسِيَرِ رِجَالٍ عُظَمَاءَ حَمَلُوا رَايَةَ الإِسلَامِ، وَبَذَلُوا أَروَاحَهُم وَأَموَالَهُم فِي سَبِيلِ اللهِ، فَكَانُوا خَيرَ قُدْوَةٍ لِلأَجيَالِ. وَمِن بَينِ هَؤُلَاءِ الأَبطَالِ الصَّحَابِيُّ الجَلِيلُ ضِرَارُ بنُ الأَزوَرِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، الَّذِي اشتَهَرَ بِالشَّجَاعَةِ النَّادِرَةِ وَالإِقدَامِ العَظِيمِ، حَتَّى صَارَ اسمُهُ مَقرُونًا بِالفُرُوسِيَّةِ وَالبُطُولَةِ فِي مَيَادِينِ القِتَالِ. فَكَانَ مِن أَبرَزِ فُرسَانِ الإِسلَامِ فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ ﷺ وَفِي عَهدِ الخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ.

نسب ضرار بن الأزور رضي الله عنه

هو ضِرَارُ بْنُ الأَزْوَرِ، وَاسْمُ الأَزْوَرِ مَالِكُ بْنُ أَوْسِ بْنِ جَذِيمَةَ، مِن بَنِي أَسَدِ بنِ خُزَيمَةَ، وَهِيَ قَبِيلَةٌ عُرِفَت بِالشَّجَاعَةِ وَالفُرُوسِيَّةِ، وَكَانَ مِن فُرسَانِ قَومِهِ قَبلَ الإِسلَامِ، ثُمَّ زَادَهُ الإِسلَامُ شَرَفًا وَرِفعَةً.

وَكَانَ ضِرَارٌ مِن بَيتٍ لَهُ مَكَانَةٌ بَينَ قَومِهِ، وَلِذَلِكَ كَانَ لَهُ أَثَرٌ ظَاهِرٌ فِي الدَّعوَةِ وَالجِهَادِ بَعدَ إِسلَامِهِ.

إِسْلَامُهُ وَشِعْرُهُ

أَسلَمَ ضِرَارٌ رَضِيَ اللهُ عَنهُ فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ ﷺ، وَكَانَ مِنَ الشُّعَرَاءِ الَّذِينَ سَخَّرُوا مَوهِبَتَهُم لِخِدمَةِ الإِسلَامِ وَالدِّفَاعِ عَنهُ.

وَقَد رَوَى الحَاكِمُ: أَنَّهُ لَمَّا قَدِمَ عَلى رَسُولِ اللهِ ﷺ سَأَلَهُ عَن حَالِهِ، فَأَنشَدَ أَبيَاتًا يُعلِنُ فِيهَا تَوبَتَهُ مِن حَيَاةِ الجَاهِلِيَّةِ، وَأَنَّهُ تَرَكَ الخَمرَ وَاللَّهوَ، وَاستَبدَلَ بِذَلِكَ الجِهَادَ فِي سَبِيلِ اللهِ، فَقَالَ:

تَرَكْتُ الْقِدَاحَ وَعَزْفَ الْقِيَانِ … وَالْخَمْرَ تَصْلِيَةً وَابْتِهَالَا

وَكَرِّي الْمُحَبَّرَ فِي غَمْرَةٍ … وَجَهْدِي عَلَى الْمُسْلِمِينَ الْقِتَالَا

وَقَالَتْ جَمِيلَةُ بَدَّدْتَنَا … وَطَرَحْتَ أَهْلَكَ شَتَّى شِمَالَا

فَيَا رَبِّ لَا أُغْبَنَنْ صَفْقَتِي … فَقَدْ بِعْتُ أَهْلِي وَمَالِي بِدَالَا

فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «مَا غُبِنَتْ صَفْقَتُكَ يَا ضِرَارُ». رَوَاهُ أَحمَدُ. (أَي رَبِحَت تِجَارَتُكَ)

مشاركته في عهد النبي ﷺ

كَانَ ضِرَارُ رَضِيَ اللهُ عَنهُ مِنَ الصَّحَابَةِ الَّذِين اعتَمَدَ عَلَيهِم رَسُولُ الله ﷺ فِي بَعضِ المَهَامِّ، فَأَرسَلَهُ إِلى بَعضِ القَبَائِلِ؛ إِلَى بَنِي الصَّيْدَاءِ مِنْ بَنِي أَسَدٍ، وَإِلَى بَعْضِ بَنِي الدِّيلِ، مِمَّا يَدُلُّ عَلى ثِقَتِهِ بِهِ، وَشَجَاعَتِهِ، وَقُدرَتِهِ عَلى أَدَاءِ مَا يُكَلَّفُ بِهِ.

من مواقفه مع النبي ﷺ

كَانَ ضِرَارٌ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَرِيبًا مِن رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَرَوَى عَنهُ حَدِيثًا في آدَابِ حَلبِ الشَّاةِ، قَالَ: أَتَيتُ رَسُولَ اللَّه ﷺ، فَحَلَبتُ لَهُ شَاةً، فَقَالَ: «دَعْ دَاعِيَ اللَّبَنِ» رَوَاهُ أَحمَدُ، أَي أَبْقِ فِي الضَّرعِ قَلِيلًا مِنَ اللَّبَنِ وَلَا تَستَوعِبْهُ كُلَّهُ، فَإِنَّ الَّذي تُبقِيهِ فِيهِ يَدعُو مَا وَرَاءَهُ مِنَ اللَّبَنِ، فَيُنزِلُهُ، وَإِذا استَقصَى كُلَّ مَا فِي الضَّرعِ أَبطَأَ دِرَّهُ عَلى حَالِبِهِ.

جِهَادُهُ وَبُطُولَاتُهُ

بَعدَ وَفَاةِ النَّبِيِّ ﷺ بَقِيَ ضِرَارٌ رَضِيَ اللهُ عَنهُ عَلى عَهدِهِ فِي نُصرَةِ الدِّينِ، فَشَارَكَ فِي حُرُوبِ الرِّدَّةِ فِي خِلَافَةِ أَبِي بَكرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، وَهُوَ الَّذِي قَتَلَ مَالِكَ بْنَ نُوَيرَةَ التَّمِيمِيَّ بِأَمْرِ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ فِي خِلَافَةِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ.

وَشَهِدَ قِتَالَ مُسَيْلِمَةَ بِالْيَمَامَةِ، وَأَبْلَى فِيهِ بَلَاءً عَظِيمًا.

ضِرَار في اليرموك وفتح دمشق

ذَكَرَت طَائِفَةٌ مِن أَهلِ التَّارِيخِ أَنَّهُ شَهِدَ الْيَرْمُوكَ أَمِيرًا عَلَى كُرْدُوسٍ، وَشَهِدَ فَتْحَ دِمَشْقَ.

وَقِيلَ: كَانَ عَلَى مَيْسَرَةِ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ يَوْمَ لَقِيَ الرُّومَ بِبُصْرَى.

بيعته على الموت

مِن أَعظَمِ مَوَاقِفِهِ مَا كَانَ يَومَ اليَرمُوكِ، حِينَ اشتَدَّ القِتَالُ، فَقَامَ عِكْرِمَةُ بْنُ أَبِي جَهْلٍ رضي الله عنه يَوْمَ الْيَرْمُوكِ وَقَالَ: «قَاتَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي مَوَاطِنَ وَأَفِرُّ مِنْكُمُ الْيَوْمَ؟!» ثُمَّ نَادَى: «مَنْ يُبَايِعُ عَلَى الْمَوْتِ؟» فَبَايَعَهُ عَمُّهُ الْحَارِثُ بْنُ هِشَامٍ، وَضِرَارُ بْنُ الأَزْوَرِ فِي أَرْبَعِمِائَةٍ مِنْ وُجُوهِ الْمُسْلِمِينَ وَفُرْسَانِهِمْ، فَقَاتَلُوا قُدَّامَ فُسْطَاطِ خَالِدٍ حَتَّى أُثْبِتُوا جَمِيعًا جِرَاحًا، وَقُتِلَ مِنْهُمْ خَلْقٌ، مِنْهُمْ ضِرَارُ بْنُ الأَزْوَرِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ.

وَكَانَ هَذَا المَوقِفُ شَاهِدًا عَلى صِدقِ إِيمَانِهِم، وَأَنَّهُم بَاعُوا أَنفُسَهُم للهِ تَعَالى، لَا يُرِيدُونَ إِلَّا رِضَاهُ.

اختلاف العلماء في وفاته

اختَلَفَ المُؤَرِّخُونَ فِي وَفَاةِ ضِرَارٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ عَلى أَقوَالٍ أَشهَرُهَا:

أَنَّهُ استُشهِدَ مُتَأَثِّرًا بِجِرَاحِهِ بَعدَ مَعرَكَةِ اليَمَامَةِ.

وَقِيلَ: استُشهِدَ فِي أَجنَادِينَ بِالشَّامِ.

وَقِيلَ: عَاشَ حَتَّى فُتُوحِ الشَّامِ، ثُمَّ نَزَلَ الجَزِيرَةَ أَو ِالكُوفَةَ، وَتُوُفِّيَ فِي خِلَافَةِ عُمَر رَضِيَ اللهُ عَنهُ.

خاتمة

رَضِيَ اللَّهُ عَنْ ضِرَارِ بْنِ الأَزْوَرِ، فَقَدْ كَانَ مِنْ أَشْجَعِ فُرْسَانِ الإِسْلَامِ وَأَبْرَزِ أَبْطَالِهِ، جَمَعَ بَيْنَ صِدْقِ الإِيمَانِ وَقُوَّةِ الْيَقِينِ وَعَظِيمِ البَأْسِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ.

وَقَدْ سَطَرَ التَّارِيخُ ذِكْرَهُ بِمَوَاقِفِهِ الْبَطُولِيَّةِ فِي الْيَمَامَةِ وَالْيَرْمُوكِ وَغَيْرِهِمَا مِنْ مَيَادِينِ الْجِهَادِ، فَكَانَ مِثَالًا لِلصَّحَابِيِّ الْمُجَاهِدِ الَّذِي بَذَلَ نَفْسَهُ وَمَالَهُ فِي نُصْرَةِ دِينِ اللَّهِ، فَرَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَأَرْضَاهُ، وَجَمَعَنَا بِهِ وَبِسَائِرِ الصَّحَابَةِ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ.

المصادر

هَذِهِ المَسَائِلُ مَجمُوعَةٌ وَمُلَخَّصَةٌ مِنَ:

السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ.

سِيَرِ أَعلَامِ النُّبَلَاءِ لِلذَّهَبِيِّ.

أُسدِ الغَابَةِ لِابنِ الأَثِيرِ.