بِسمِ اللهِ الرَّحمَنِ الرَّحِيمِ
الحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللهِ، أَمَّا بَعدُ:
مُقَدِّمَةٌ
حِينَ يُذكَرُ الأُمَنَاءُ فِي تَارِيخِ الإِسلَامِ، يَتَقَدَّمُ اسمُ الصَّحَابِيِّ الجَلِيلِ أَبِي عُبَيدَةَ عَامِرِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ الجَرَّاحِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، الرَّجُلُ الَّذِي شَهِدَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِالأَمَانَةِ، فَصَارَ لَقَبُهُ الَّذِي اشتُهِرَ بِهِ عَبرَ القُرُونِ: “أَمِينَ هَذِهِ الأُمَّةِ”.
لَقَد جَمَعَ أَبُو عُبَيدَةَ بَينَ خِصَالٍ قَلَّ أَن تَجتَمِعَ فِي رَجُلٍ وَاحِدٍ؛ فَكَانَ سَابِقًا إِلى الإِسلَامِ، ثَابِتًا فِي مَيَادِينِ الجِهَادِ، زَاهِدًا فِي الدُّنيَا، رَحِيمًا بِالنَّاسِ، عَظِيمَ الأَمَانَةِ، حَكِيمًا فِي القِيَادَةِ، حَتَّى أَصبَحَ مِن أَعظَمِ قَادَةِ المُسلِمِينَ فِي عَهدِ الخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ، وَكَانَ فَتحُ دِمَشقَ عَلى يَدَيهِ، وَتُوُفِّيَ مُرَابِطًا فِي أَرضِ الشَّامِ أَثنَاءَ طَاعُونِ عَمَوَاس.
وَفِي هَذِه السِّيرَةِ المُشرِقَةِ نَتَعَرَّفُ عَلَى أَبرَزِ مَحَطَّاتِ حَيَاتِهِ، وَمَا اشتَمَلَت عَلَيهِ مِن مَوَاقِفَ عَظِيمَةٍ وَدُرُوسٍ نَافِعَةٍ.
اسْمُهُ وَنَسَبُهُ
هُوَ أَبُو عُبَيدَةَ عَامِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ الْجَرَّاحِ بْنِ هِلَالِ بْنِ أَهْيَبَ بْنِ ضَبَّةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ فِهْرِ بْنِ مَالِكِ بْنِ النَّضْرِ، الْقُرَشِيُّ الْفِهْرِيُّ الْمَكِّيُّ، يَلتَقِي نَسَبُهُ مَعَ نَسَبِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي فِهرِ بنِ مَالِكٍ.
وَهُوَ أَحَدُ السَّابِقِينَ الْأَوَّلِينَ، وَمِمَّنْ عَزَمَ الصِّدِّيقُ عَلَى تَوْلِيَتِهِ الْخِلَافَةَ، وَأَشَارَ بِهِ يَوْمَ السَّقِيفَةِ لِكَمَالِ أَهْلِيَّتِهِ عِنْدَ أَبِي بَكْرٍ. شَهِدَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ بِالْجَنَّةِ، وَسَمَّاهُ أَمِينَ الْأُمَّةِ.
إِسْلَامُهُ
أَسلَمَ مَعَ جَمَاعَةٍ مِنَ السَّابِقِينَ، بَعدَ أَن عَرَضَ عَلَيهِم النَّبِيُّ ﷺ الإِسلَامَ، فَاستَجَابُوا جَمِيعًا فِي سَاعَةٍ وَاحِدَةٍ، فَكَانُوا مِنَ اللَّبِنَاتِ الأُولَى الَّتِي قَامَ عَليهَا هَذَا الدِّينُ. فَعَن يَزِيدَ بنِ رُومَانَ أَنَّهُ قَالَ: “انْطَلَقَ عُثمَانُ بْنُ مَظْعُونٍ، وَعُبَيْدَةُ بْنُ الْحَارِثِ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ، وَأَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الْأَسَدِ، وَأَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ، حَتَّى أَتَوْا رَسُولَ اللهِ ﷺ، فَعَرَضَ عَلَيْهِمُ الإِسْلَامَ، وَأَنْبَأَهُمْ بِشَرَائِعِهِ، فَأَسْلَمُوا فِي سَاعَةٍ وَاحِدَةٍ. وَذَلِكَ قَبْلَ دُخُولِ رَسُولِ اللهِ ﷺ دَارَ الْأَرْقَمِ”، أَخرَجَهُ الحَاكِمُ.
ثُمَّ ثَبَتَ عَلَى الإِسلَامِ رَغمَ مَا لَقِيَهُ المُسلِمُونَ الأَوَائِلُ مِن أَذَى المُشرِكِينَ، وَكَانَ مِمَّن هَاجَرَ الهِجرَةَ الثَّانِيَةَ إِلى الحَبَشَةَ، ثُمَّ عَادَ لِيَشهَدَ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ جَمِيعَ المَشَاهِدَ.
مشاركته مع النبي ﷺ في الغزوات
شَهِدَ أَبُو عُبَيدَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ بَدرًا، وَأُحُدًا، وَالخَندَقَ، وَبَيعَةَ الرِّضوَانِ، وَسَائِرَ المَشَاهِدَ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَكَانَ مِثَالًا لِلجُندِيِّ المُطِيعِ وَالقَائِدِ الحَكِيمِ.
فِي غَزوَةِ أُحُدٍ أَبْلَى بَلَاءً حَسَنًا يَدُلُّ عَلى عَظِيمِ مَحَبَّتِهِ لِلنَّبِيِّ ﷺ، إِذ دَخَلَت حَلقَتَانِ مِنَ المِغفَرِ (وِقَايَةٌ لِلرَّأسِ) فِي وَجنَتَي رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَأَسرَعَ أَبُو عُبَيدَةَ وَنَزَعَهُمَا بِأَسنَانِهِ، فَسَقَطَت ثَنِيَّتَاهُ (الثَّنِيَّةُ مِنَ الأَضْراسِ تَشْبيهًا بالثَّنِيَّةِ مِن الجَبَلِ فِي الهَيْئةِ والصَّلابَةِ، وَهِي الأَسنَانُ الأَرْبَعُ الَّتِي فِي مُقَدَّمِ الفَمِ؛ ثِنْتانِ من فَوْقُ، وثِنْتانِ مِن أَسْفَلَ، لِلإنْسانِ).
وَفِي طَبَقَاتِ ابنِ سَعدٍ بِالإِسنَادِ عَن أَبِي بَكرٍ أَنَّهُ قَالَ: “لَمَّا كَانَ يَومَ أُحُدٍ وَرُمِيَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي وَجهِهِ حَتَّى دَخَلَت فِي وَجنَتَيهِ حَلقَتَانِ مِنَ المِغفَرِ، فَأَقبَلتُ أَسعَى إِلى رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَإِنسَانٌ قَد أَقبَلَ مِن قِبَلِ المَشرِقِ يَطِيرُ طَيَرَانًا، فَإِذَا أَبُو عُبَيدَةَ بنُ الجَرَّاحِ قَد بَدَرَنِي فَقَالَ: أَسأَلُكَ بِاللهِ يَا أَبَا بَكرٍ إِلَّا تَرَكتَنِي فَأَنزِعُهُ مِن وَجنَةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، قَالَ أَبُو بَكرٍ: فَتَرَكتُهُ فَأَخَذَ أَبُو عُبَيدَةَ بِثَنِيَّةٍ إِحدَى حَلقَتَيِ المِغفَرِ فَنَزَعَهَا وَسَقَطَ عَلى ظَهرِهِ وَسَقَطَت ثَنِيَّةُ أَبِي عُبَيدَةِ (أَي إِحدَى مُقَدَّمِ أَسنَانِهِ)، ثُمَّ أَخَذَ الحَلقَةَ الأُخرَى فَسَقَطَت، فَكَانَ أَبُو عُبَيدَةَ فِي النَّاسِ أَثْرَمَ (أي مَكسُورَ مُقدَّمِ أَسنَانِهِ)”.
وَقَد ذَكَرَ أَهلُ السِّيَرِ أَنَّ ذَهَابَ ثَنِيَّتَيهِ زَادَهُ جَمَالًا وَهَيبَةً بَينَ النَّاسِ، حَتَّى قِيلَ: “مَا رُئِيَ هَتْمٌ (الْهَتْمُ: كَسْرُ الثَّنَايَا مِنْ أُصُولِهَا) قَطُّ أَحْسَنُ مِنْ هَتْمِ أَبِي عُبَيْدَةَ”.
وَهَذَا المَوقِفُ يُمَثِّلُ حَقِيقَةَ المَحَبَّةِ الصَّادِقَةِ، الَّتِي تُقَدِّمُ سَلَامَةَ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى سَلَامَةِ النَّفسِ.
الأمين حق الأمين
مِمَّا امتَازَ بِهِ أَبُو عُبَيدَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ الأَمَانَةِ، حَتَّى شَهِدَ لَهُ بِهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ، فَقَالَ: «إِنَّ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَمِينًا، وَأَمِينُ هَذِهِ الْأُمَّةِ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ»، رَوَاهُ البُخَارِيُّ. وَلَم تَكُن هَذِهِ الشَّهَادُةُ مُجَرَّدَ ثَنَاءٍ، بَل ظَهَرَت آثَارُهَا فِي حَيَاتِهِ كُلِّهَا. فَقَد قَدِمَ وَفدٌ مِن نَجرَانَ إِلى النَّبِيِّ ﷺ وَطَلَبُوا مِنهُ أَن يُرسِلَ مَعَهُم رَجُلًا أَمِينًا، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «لَأَبْعَثَنَّ مَعَكُمْ رَجُلًا أَمِينًا حَقَّ أَمِينٍ»، فَاسْتَشْرَفَ لَهَا أَصْحَابُ رَسُولِ اللهِ ﷺ، ثُمَّ قَالَ: «قُمْ يَا أَبَا عُبَيْدَةَ»، فَأَرْسَلَهُ مَعَهُم. أَخرَجَهُ ابنُ أَبِي شَيبَة.
وَرَوَى التِّرمِذِيُّ عَنْ أَنَسِ بنِ مَالِكٍ قَالَ، قَالَ رَسُولُ اللّهِ: «أَرْحَمُ أُمَّتِي بأُمَّتِي أبُو بَكْرٍ، وأشَدُّهُمْ في أَمْرِ اللّهِ عُمَرُ، وأَصْدَقُهُمْ حَيَاءً عُثْمَانُ بنُ عَفَّانَ، وأَعْلَمُهُم بالْحَلاَلِ والْحَرامِ مُعَاذُ بنُ جَبَلٍ، وَأَفْرَضُهُمْ زَيْدُ بنُ ثابِتٍ، وَأَقْرَؤُهُم أُبَيُّ بنُ كَعْبٍ، ولِكُلِّ أُمَّةٍ أمِينٌ، وأَمِينُ هَذِهِ الأُمَّةِ أَبُو عُبَيْدَةَ بنُ الجَرَّاحِ».
مكانته عند الخلفاء الراشدين
كَانَ أَبُو عُبَيدَةَ مَحَلَّ ثِقَةِ أَبِي بَكرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، حَتَّى إِنَّه أَشَارَ بِهِ لِلخِلَافَةِ يَومَ السَّقِيفَةِ، لِمَا عَرَفَهُ مِن كَمَالِ دِينِهِ وَرُجَاحَةِ عَقلِهِ، قال: «قَدْ رَضِيتُ لَكُمْ أَحَدَ هَذَيْنِ الرَّجُلَيْنِ: عُمَرَ، وَأَبَا عُبَيْدَةَ» أَخرَجَهُ ابنُ حِبَّانَ وَغَيرُهُ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى عِظَمِ مَنْزِلَتِهِ، وَكَمَالِ أَهْلِيَّتِهِ، وَثِقَةِ الصِّدِّيقِ بِدِينِهِ وَأَمَانَتِهِ.
أَمَّا عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، فَقَد كَانَ يُجِلُّهُ غَايَةَ الإِجلَالِ، وَكَانَ يَقُولُ: «إِنْ أَدْرَكَنِي أَجَلِي، وَأَبُو عُبَيْدَةَ حَيٌّ، اسْتَخْلَفْتُهُ، فَإِنْ سَأَلَنِي اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: لِمَ اسْتَخْلَفْتَهُ عَلَى أُمَّةِ مُحَمَّدٍ؟ قُلْتُ: إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: إِنَّ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَمِينًا، وَأَمِينُ هَذِهِ الْأُمَّةِ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ»، أَخرَجَهُ الحَاكِمُ وَغَيرُهُ.
وَقَالَ يَومًا لِأَصحَابِهِ: «تَمَنَّوْا»، فَتَمَنَّى بَعْضُهُمْ الدَّرَاهِمَ وَالذَّهَبَ وَالْجَوْهَرَ لِيُنْفِقُوهُ فِي سَبِيلِ اللهِ، فَقَالَ عُمَرُ: «لَكِنِّي أَتَمَنَّى أَنْ يَكُونَ مِلْءُ هَذَا الْبَيْتِ رِجَالًا مِثْلَ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الْجَرَّاحِ، وَمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ، وَحُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ، فَأَسْتَعْمِلَهُمْ فِي طَاعَةِ اللهِ»، أَخرَجَهُ الحَاكِمُ وَغَيرُهُ.
وَرَوَى الحَافِظُ أَبُو نُعَيمٍ فِي الحِليَةِ: “أَنَّ الفَارُوقَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ لِأَصحَابِهِ: تَمَنَّوا، فَقَالَ رَجُلٌ: أَتَمَنَّى لَو أَنَّ لِي هَذِهِ الدَّارَ مَملُوءَةٌ ذَهَبًا أُنفِقُهُ فِي سَبِيلِ اللهِ، وَقَالَ ءَاخَرُ: أَتَمَنَّى لَو أَنَّهَا مَملُوءَةٌ لُؤلُؤًا وَزَبَرجَدًا وَجَوهَرًا أُنفِقُهُ فِي سَبِيلِ اللهِ وَأَتَصَدَّقُ، فَقَالَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ: أَتَمَنَّى لَو أَنَّ هَذِهِ الدَّارَ مَملُوءَةٌ رِجَالًا مِثلُ أَبِي عُبَيدَةَ بنِ الجَرَّاحِ”.
وَلَم يَكُن هَذَا الثَّنَاءُ بِسَبِبِ شَجَاعَتِهِ فَقَط، وَإِنَّما بِسَبَبِ أَمَانَتِهِ وَزُهدِهِ وَعَدلِهِ وَحُسنِ سِيَاسَتِهِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ وَأَرضَاهُ.
ثَنَاءُ الصَّحَابَةِ عَلَى أَبِي عُبَيدَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ
أخرجَ مسلمٌ عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، قالَ سَمِعْتُ عَائِشَةَ، وَسُئِلَتْ: “مَنْ كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مُسْتَخْلِفًا لَوِ اسْتَخْلَفَهُ؟ قَالَتْ: أَبُو بَكْرٍ، فَقِيلَ لَهَا: ثُمَّ مَنْ؟ بَعْدَ أَبِي بَكْرٍ قَالَتْ: عُمَرُ، ثُمَّ قِيلَ لَهَا مَنْ؟ بَعْدَ عُمَرَ، قَالَتْ: أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ” ثُمَّ انْتَهَتْ إِلَى هَذَا”.
وَسُئِلَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا: «أَيُّ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ كَانَ أَحَبَّ إِلَيْهِ؟» فَقَالَتْ: «أَبُو بَكْرٍ، ثُمَّ عُمَرُ، ثُمَّ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ» أَخرَجَهُ النَّسَائِيُّ وَغَيرُهُ.
وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: «أَخِلَّائِي مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ثَلَاثَةٌ: أَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ، وَأَبُو عُبَيْدَةَ».
زُهْدُهُ وَتَقَشُّفُهُ
عَلَى الرَّغمِ مِن أَنَّهُ كَانَ قَائِدًا عَامًا لِجُيُوشِ الشَّامِ، فَإِنَّ حَيَاتَهُ كَانَت فِي غَايَةِ الزُّهدِ.
قَدِمَ عُمَرُ الشَّامَ، فَتَلَقَّاهُ الْأُمَرَاءُ وَالْعُظَمَاءُ، فَقَالَ: «أَيْنَ أَخِي أَبُو عُبَيْدَةَ؟» فَجَاءَ عَلَى نَاقَةٍ مَخْطُومَةٍ -الخِطامُ كلُّ مَا وُضِع فِي أَنف الْبَعِيرِ ليُقاد بِهِ- بِحَبْلٍ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: «اذْهَبْ بِنَا إِلَى مَنْزِلِكَ»، فَدَخَلَ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَرَ شَيْئًا مِنْ مَتَاعِ الدُّنْيَا، فَقَالَ: «أَيْنَ مَتَاعُكَ؟ لَا أَرَى إِلَّا لِبْدًا -نَوعٌ مِنَ اللِّبَاسِ مِنْ شَعَرٍ أَوْ صُوفٍ- وَصَحْفَةً -أَي إِنَاءً- وَشَنًّا -هُوَ وِعَاءٌ مِنْ جِلدٍ بَالٍ-، وَأَنْتَ أَمِيرٌ!» فَقَامَ أَبُو عُبَيْدَةَ إِلَى جَوْنَةٍ فَأَخَذَ مِنْهَا كُسَيْرَاتٍ، فَبَكَى عُمَرُ، فَقَالَ لَهُ أَبُو عُبَيْدَةَ: «قَدْ قُلْتُ لَكَ: إِنَّكَ سَتُعَصِّرُ عَيْنَيْكَ عَلَيَّ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، يَكْفِيكَ مَا يُبَلِّغُكَ الْمَقِيلَ» -أَي إِنَّ هَذَا القَدرَ يَكفِينِي حَتَّى أَصِلَ إِلى الآخِرَةِ، فَقَالَ عُمَرُ: «غَيَّرَتْنَا الدُّنْيَا كُلَّنَا، غَيْرَكَ، يَا أَبَا عُبَيْدَةَ»، أَخرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَغَيرُهُ.
وَأَرْسَلَ عُمَرُ إِلَيْهِ بِأَرْبَعِمِائَةِ دِينَارٍ، وَقَالَ لِلرَّسُولِ: «انْظُرْ مَا يَصْنَعُ بِهَا»، فَقَسَّمَهَا أَبُو عُبَيْدَةَ كُلَّهَا عَلَى الْمُسْلِمِينَ وَالْمُحْتَاجِينَ، فَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ عُمَرَ، حَمِدَ اللهَ عَلَى مَا جَعَلَ فِي الْإِسْلَامِ مِنْ أَمْثَالِهِ، أَخرَجَهُ ابنُ أَبِي شَيبَة.
مَنَاقِبُهُ وَفَضَائِلُهُ
لَقَد كَانَ أَبُو عُبَيدَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ مَوصُوفًا بِالصَّلَاحِ وَالتَّقوَى وَالأَمَانَةِ، فَعَن أَنَسِ بنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: «إِنَّ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَمِينًا، وَأَمِينُ هَذِهِ الْأُمَّةِ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ»، رَوَاهُ البُخَارِيُّ.
وَمِمَّا امتَدَحَ بِهِ الرَّسُولُ ﷺ أَبَا عُبَيدَةَ بنَ الجَرَّاح رَضِيَ اللهُ عَنهُ مَا رَوَاهُ الحَاكِمُ، أَنَّهُ ﷺقَالَ فِيهِ: «مَا مِنكُم مِن أَحَدٍ إِلَّا لَو شِئتُ لَأَخَذتُ عَلَيهِ بَعضَ خُلُقِهِ إِلَّا أَبَا عُبَيدَةَ».
وروى الترمذيُّ عَنْ أَنَسِ بنِ مَالِكٍ قَالَ، قَالَ رَسُولُ اللّهِ ﷺ: «أَرْحَمُ أُمَّتِي بأُمَّتِي أبُو بَكْرٍ، وأشَدُّهُمْ في أَمْرِ اللّهِ عُمَرُ، وأَصْدَقُهُمْ حَيَاءً عُثْمَانُ بنُ عَفَّانَ، وأَعْلَمُهُم بالْحَلاَلِ والْحَرامِ مُعَاذُ بنُ جَبَلٍ، وَأَفْرَضُهُمْ زَيْدُ بنُ ثابِتٍ، وَأَقْرَؤُهُم أُبَيُّ بنُ كَعْبٍ، ولِكُلِّ أُمَّةٍ أمِينٌ. وأَمِينُ هَذِهِ الأُمَّةِ أَبُو عُبَيْدَةَ بنُ الجَرَّاحِ»
وَرَعُهُ وَخَوْفُهُ مِنَ اللهِ
دَخَلَ عَلَى أَبِي عُبَيْدَةَ رَجُلٌ فَوَجَدَهُ يَبْكِي، فَقَالَ: «مَا يُبْكِيكَ يَا أَبَا عُبَيْدَةَ؟»، فَقَالَ: «يُبْكِينِي أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ ذَكَرَ يَوْمًا مَا يَفْتَحُ اللهُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، حَتَّى ذَكَرَ الشَّامَ، فَقَالَ: إِنْ نَسَأَ اللهُ فِي أَجَلِكَ (أي إِنْ أَطَالَ اللهُ فِي أَجَلِكَ)، فَحَسْبُكَ مِنَ الْخَدَمِ ثَلَاثَةٌ، وَحَسْبُكَ مِنَ الدَّوَابِّ ثَلَاثَةٌ»، ثُمَّ قَالَ: «وَهَا أَنَا ذَا أَنْظُرُ إِلَى بَيْتِي قَدِ امْتَلَأَ رَقِيقًا، وَإِلَى مَرْبَطِي قَدِ امْتَلَأَ خَيْلًا، فَكَيْفَ أَلْقَى رَسُولَ اللهِ ﷺ بَعْدَهَا؟»
وَأَخرَجَ أَحمَدُ بنُ حَنبَلٍ: “عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الْجَرَّاحِ، قَالَ: ذَكَرَ مَنْ دَخَلَ عَلَيْهِ فَوَجَدَهُ يَبْكِي، فَقَالَ: مَا يُبْكِيكَ يَا أَبَا عُبَيْدَةَ؟ فَقَالَ: نَبْكِي أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ ذَكَرَ يَوْمًا مَا، يَفْتَحُ اللهُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ وَيُفِيءُ عَلَيْهِمْ، حَتَّى ذَكَرَ الشَّامَ، فَقَالَ: «إِنْ يُنْسَأْ فِي أَجَلِكَ يَا أَبَا عُبَيْدَةَ فَحَسْبُكَ مِنَ الخَدَمِ ثَلاثَةٌ: خَادِمٌ يَخْدُمُكَ، وَخَادِمٌ يُسَافِرُ مَعَكَ، وَخَادِمٌ يَخْدُمُ أَهْلَكَ وَيَرُدُّ عَلَيْهِمْ. وَحَسْبُكَ مِنَ الدَّوَابِّ ثَلاثَةٌ: دَابَّةٌ لِرَحْلِكَ، وَدَابَّةٌ لِثَقَلِكَ، وَدَابَّةٌ لِغُلامِكَ»، ثُمَّ هَذَا أَنَا أَنْظُرُ إِلَى بَيْتِي قَدِ امْتَلَأَ رَقِيقًا، وَأَنْظُرُ إِلَى مِرْبَطِي قَدِ امْتَلَأَ دَوَابَّ وَخَيْلًا، فَكَيْفَ أَلْقَى رَسُولَ اللهِ ﷺ، بَعْدَ هَذَا؟ وَقَدْ أوْصَانَا رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إِنَّ أَحَبَّكُمِ إلَيَّ وَأَقْرَبَكُمْ مِنِّي مَنْ لَقِيَنِي عَلَى مِثْلِ الْحَالِ الَّتِي فَارَقَنِي عَلَيْهَا».
وَكَانَ يَقُولُ فِي الْعَسْكَرِ: «أَلَا رُبَّ مُبَيِّضٍ لِثِيَابِهِ، مُدَنِّسٍ لِدِينِهِ، أَلَا رُبَّ مُكْرِمٍ لِنَفْسِهِ وَهُوَ لَهَا مُهِينٌ، بَادِرُوا السَّيِّئَاتِ الْقَدِيمَاتِ بِالْحَسَنَاتِ الْحَدِيثَاتِ».
وَقَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي امْرُؤٌ مِنْ قُرَيْشٍ، وَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحْمَرَ وَلَا أَسْوَدَ يَفْضُلُنِي بِتَقْوَى، إِلَّا وَدِدْتُ أَنِّي فِي مِسْلَاخِهِ (أَي جِلدِهِ)».
قائد الفتوح الإسلامية
كَانَ أَبُو عُبَيدَةَ بنُ الجَرَّاحِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ مِمَّن غَزَوا وَقَادُوا الغَزَوَاتِ فِي الجَزِيرَةِ وَخَارِجَهَا، وَمِن هَذِهِ الغَزَوَاتِ غَزوَةُ ذَاتِ السَّلَاسِلِ الَّتِي كَانَ أَمِيرُهَا عَمرَو بنَ العَاصِ، فَاستَنجَدَ عَمرٌو بِرَسُولِ اللهِ ﷺ فَبَعَثَ إِلَيهِ سَرَاةً مِنَ المُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ بَينَهُم أَبُو بَكرٍ وَعُمَرُ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا، وَأَمَّرَ عَلَيهِم أَبَا عُبَيدَةَ بنَ الجَرَّاحِ، فَكَانَ النَّصرُ لِلمُسلِمِينَ وَذَلِكَ سَنَةَ ثَمَانٍ لِلهِجرَةِ.
وَكَانَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَمِيرَ سَرِيَّةِ الخَبَطِ الَّتِي كَانَت فِي رَجَبٍ سَنَةَ ثَمَانٍ لِلهِجرَةِ نَحوَ حَيٍّ مِن جُهَينَةَ قُربَ البَحرِ، فَأَصَابَ الجَيشَ جُوعٌ شَدِيدٌ فَأَكَلُوا الخَبَطَ، وَهُوَ نَوعٌ مِنَ الشَّجَرِ يُسَمَّى وَرَقَ السَّمَرِ. وَلَمَّا وَصَلُوا إِلى البَحرِ أَلقَى إِلَيهِم حُوتًا عَظِيمًا يُسَمَّى العَنبَرَ، فَأَكُلُوا مِنهُ نِصفَ شَهرٍ ثُمَّ عَادُوا إِلى المَدِينَةِ.
إِمَارَتُهُ وَقِيَادَتُهُ لِفُتُوحِ الشَّامِ
لَمَّا فَرَغَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ مِنْ حُرُوبِ الرِّدَّةِ، جَهَّزَ جُيُوشَ فَتْحِ الشَّامِ سَنَةَ ثَلَاثَ عَشرَ لِلهِجرَةِ، فَبَعَثَ: أَبَا عُبَيْدَةَ بْنَ الْجَرَّاحِ، يَزِيدَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ، عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ، شُرَحْبِيلَ بْنَ حَسَنَةَ. ثُمَّ أَرْسَلَ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ مِنَ الْعِرَاقِ لِنُصْرَةِ جُيُوشِ الشَّامِ، وَجَعَلَهُ أَبُو بَكْرٍ أَمِيرًا عَلَى الْجَمِيعِ.
ثُمَّ تُوُفِّيَ أَبُو بَكْرٍ، فَعَزَلَ عُمَرُ خَالِدًا، وَاسْتَعْمَلَ أَبَا عُبَيْدَةَ عَلَى جَمِيعِ الْجُيُوشِ. وَكَتَمَ أَبُو عُبَيْدَةَ خَبَرَ تَوْلِيَتِهِ مُدَّةً؛ لِمَا عُرِفَ بِهِ مِنَ الْحِلْمِ وَالتَّوَاضُعِ وَحُسْنِ السِّيَاسَةِ.
وَكَانَ فَتْحُ دِمَشْقَ عَلَى يَدَيْهِ، ثُمَّ أَظْهَرَ كِتَابَ التَّقْلِيدِ لِيُتِمَّ الصُّلْحَ مَعَ الرُّومِ. وَكَانَ أَبُو عُبَيْدَةَ رَأْسَ الْمُسْلِمِينَ يَوْمَ الْيَرْمُوكِ، وَهِيَ الْمَعْرَكَةُ الَّتِي اسْتَأْصَلَ اللهُ فِيهَا جُيُوشَ الرُّومِ، وَنَصَرَ الْمُؤْمِنِينَ نَصْرًا عَظِيمًا.
رَوَى الحَاكِمُ فِي المُستدرَكِ، وَقَالَ: “صَحِيحٌ عَلَى شَرطِ مُسلِمٍ”: “عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، أَنَّهُ بَلَغَهُ، أَنَّ أَبَا عُبَيْدَةَ حُصِرَ بِالشَّامِ، وَنَالَ مِنْهُ الْعَدُوُّ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ: «أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّهُ مَا نَزَلَ بِعَبْدٍ مُؤْمِنٍ شِدَّةٌ، إِلَّا جَعَلَ اللهُ بَعْدَهَا فَرَجًا، وَإِنَّهُ لَا يَغْلِبُ عُسْرٌ يُسْرَيْنِ»، وَذَكَّرَهُ بِقَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا﴾ [سُورَةُ آلِ عِمرَانَ:٢٠٠] ، فَكَتَبَ أَبُو عُبَيْدَةَ إِلَيْهِ: «أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ اللهَ يَقُولُ: ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾» [سُورَةُ الحَدِيدِ:٢٠] ، فَلَمَّا قَرَأَ عُمَرُ كِتَابَهُ عَلَى الْمِنْبَرِ قَالَ: «يَا أَهْلَ الْمَدِينَةِ، إِنَّمَا يُعَرِّضُ بِكُمْ أَبُو عُبَيْدَةَ أَوْ بِي، ارْغَبُوا فِي الْجِهَادِ»”.
وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: كُنْتُ فِي الْجَيْشِ الَّذِينَ مَعَ خَالِدٍ الَّذِينَ أُمِدَّ بِهِمْ أَبَا عُبَيْدَةَ وَهُوَ مُحَاصِرٌ دِمَشْقَ، فَلَمَّا قَدِمْنَا عَلَيْهِمْ قَالَ لِخَالِدٍ: «تَقَدَّمْ فَصَلِّ، فَأَنْتَ أَحَقُّ بِالإِمَامَةِ لِأَنَّكَ جِئْتَ تَمُدُّنِي»، فَقَالَ خَالِدٌ: «مَا كُنْتُ لِأَتَقَدَّمَ رَجُلًا سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «لِكُلِّ أُمَّةٍ أَمِينٌ، وَأَمِينُ هَذِهِ الْأُمَّةِ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ».
وفاته بالطاعون
فِي سَنَةِ ثَمَانِي عَشَرَةَ لِلهِجرَةِ انتَشَرَ طَاعُونُ عَمَوَاس فِي بِلَادِ الشَّامِ، وَكَانَ أَبُو عُبَيدَةَ قَائِدَ المُسلِمِينَ هُنَاكَ.
وَكَانَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ وَقتَ انْتِشَارِ طَاعُونِ عَمَوَاسَ مُعَافًى فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ. فَقَالَ: «اللَّهُمَّ نَصِيبَكَ فِي آلِ أَبِي عُبَيْدَةَ»، فَأُصِيبَ بِبَثْرَةٍ فِي خِنْصَرِهِ، فَقِيلَ لَهُ: «إِنَّهَا لَيْسَتْ بِشَيْءٍ»، فَقَالَ: «أَرْجُو أَنْ يُبَارِكَ اللهُ فِيهَا، فَإِنَّهُ إِذَا بَارَكَ فِي الْقَلِيلِ كَانَ كَثِيرًا».
وَكَتَبَ عُمَرُ إِلَيْهِ يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَهُ مِنْ أَرْضِ الطَّاعُونِ، فَفَهِمَ أَبُو عُبَيْدَةَ الْمَقْصُودَ. فَكَتَبَ إِلَيْهِ: «إِنِّي فِي جُنْدٍ مِنْ أَجْنَادِ الْمُسْلِمِينَ، لَا أَرْغَبُ بِنَفْسِي عَنْهُمْ»، فَلَمَّا قَرَأَ عُمَرُ كِتَابَهُ بَكَى. ثُمَّ أَصَابَهُ الطَّاعُونُ، وَقَالَ: «وَاللهِ لَقَدْ أُصِبْتُ».
وَتُوُفِّيَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ بِفِحْلٍ قُرْبَ بَيْسَانَ سَنَةَ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ لِلْهِجْرَةِ، وَعُمْرُهُ ثَمَانٍ وَخَمْسُونَ سَنَةً، وَصَلَّى عَلَيهِ مُعَاذُ بنُ جَبَل رَضِيَ اللهُ عَنهُ.
أبرز صفاته:
السَّبقُ إِلى الإِسلَامِ.
الأَمَانَةُ الَّتِي شَهِدَ بِهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ.
الزُّهدُ وَالقَنَاعَةُ.
الشَّجَاعَةُ وَالإِقدَامُ.
الحِكمَةُ فِي القِيَادَةِ.
الرَّحمَةُ بِالرَّعِيَّةِ وَالجُنُودِ.
التَّوَاضُعِ مَعَ عُلُوِّ المَنزِلَةِ.
خَاتِمَةٌ
رَحِمَ اللهُ أَبَا عُبَيدَةَ بنَ الجَرَّاحِ، فَقَد عَاشَ حَيَاتَهُ كُلَّهَا فِي خِدمَةِ الإِسلَامِ، وَجَمَعَ بَينَ شَرَفِ الصُّحبَةِ، وَرِفعَةِ الأَمَانَةِ، وُحُسنِ القِيَادَةِ، حَتَّى استَحَقَّ أَن يَكتُبَ التَّارِيخُ اسمَهُ مَقرُونًا بِلَقَبِ «أَمِينُ هَذِهِ الأُمَّةِ».
وَإِنَّ سِيرَتَهُ تَبقَى مَدرَسَةً تَربَوِيَّةً مُتَكَامِلَةً، يَتَعَلَّمُ مِنهَا المُسلِمُونَ مَعَانِيَ الصِّدقِ، وَالإِخلَاصِ، وَالزُّهدِ، وَالأَمَانَةِ، وَالوَفَاءِ لِلدِّينِ، وَهِيَ صِفَاتٌ لَا تَزَالُ الأُمَّةُ فِي أَمَسِّ الحَاجَةِ إِلَيهَا فِي كُلِّ زَمَانٍ وَمَكَانٍ.
وَرَضِيَ اللهُ عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ، وَعَنْ الصَّحَابَةِ الكِرَامِ. آمِينَ…
هَذِهِ المَسَائِلُ مَجمُوعَةٌ وَمُلَخَّصَةٌ مِنَ:
القُرءَانِ الكَرِيمِ.
السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ.
صَحِيحِ البُخَارِيِّ.
صَحِيحِ مُسلِمٍ.
سُنَنِ التِّرمِذِيِّ.
سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ.
سُنَنِ ابنِ مَاجَه.
المُستَدرَكِ عَلَى الصَّحِيحَينِ لِلحَاكِمِ.
مُصَنَّفِ ابنِ أَبِي شَيبَةَ.
فَتحِ البَارِي لِابنِ حَجَرٍ العَسقَلَانِيِّ.
الإِصَابَةِ فِي تَميِيزِ الصَّحَابَةِ لِابنِ حَجَرٍ.
أُسْدِ الغَابَةِ فِي مَعرِفَةِ الصَّحَابَةِ لِابنِ الأَثِيرِ.
