بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللهِ، أَمَّا بَعْدُ:

الْمُقَدِّمَةُ

إِنَّ قَصَصَ الْأَنْبِيَاءِ مِنْ أَعْظَمِ مَا يَبْعَثُ فِي النُّفُوسِ الْإِيمَانَ وَالْعِبْرَةَ، لِمَا تَحْمِلُهُ مِنْ مَعَانِي الصَّبْرِ وَالثَّبَاتِ وَالْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللهِ، وَقَدْ قَصَّ اللهُ تَعَالَى عَلَيْنَا أَخْبَارَ عَدَدٍ مِنْ أَنْبِيَائِهِ فِي كِتَابِهِ الْعَزِيزِ، وَبَيَّنَ لَنَا مَا قَامُوا بِهِ مِنَ الدَّعْوَةِ إِلَى التَّوْحِيدِ وَقِيَادَةِ الْأُمَمِ إِلَى طَرِيقِ الْحَقِّ.

وَمِنْ هَؤُلَاءِ الْأَنْبِيَاءِ الْكِرَامِ نَبِيُّ اللهِ يُوشَعُ بْنُ نُونٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ، الَّذِي ارْتَبَطَ اسْمُهُ بِقِصَّةِ نَبِيِّ اللهِ مُوسَى عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، فَكَانَ مِنْ خَاصَّتِهِ، وَرَافَقَهُ فِي رِحْلَتِهِ إِلَى لِقَاءِ الْخَضِرِ عَلَيْهِ السَّلَامُ، ثُمَّ حَمَلَ رَايَةَ الْقِيَادَةِ بَعْدَ وَفَاةِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَقَادَ بَنِي إِسْرَائِيلَ حَتَّى دَخَلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ.

وَقَدْ جَاءَتِ السُّنَّةُ النَّبَوِيَّةُ بِذِكْرِهِ صَرِيحًا فِي قِصَّةِ حَبْسِ الشَّمْسِ لَهُ، كَمَا ذَكَرَهُ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي تَفْسِيرِ قِصَّةِ مُوسَى مَعَ الْخَضِرِ، وَبَيَّنُوا أَنَّهُ الْفَتَى الَّذِي كَانَ يَصْحَبُ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ.

نَسَبُ يُوشَعَ بْنِ نُونٍ وَمَكَانَتُهُ

يُوشَعُ بْنُ نُونٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ هُوَ مِنْ أَنْبِيَاءِ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَهُوَ مِنْ ذُرِّيَّةِ يُوسُفَ بْنِ يَعْقُوبَ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ عَلَى مَا ذَكَرَهُ أَهْلُ السِّيَرِ وَالتَّارِيخِ. وَهُوَ فَتَى مُوسَى الَّذِي كَانَ مَعَهُ، صَاحِبُ أَمْرِهِ، نَبَّأَهُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي زَمَنِ مُوسَى، وَكَانَ بَعْدَهُ نَبِيًّا. وَهُوَ الَّذِي افْتَتَحَ أَرِيحَا، وَقَتَلَ مَنْ بِهَا مِنَ الْجَبَابِرَةِ، وَاسْتَوْقَفَ الشَّمْسَ فِي يَوْمِهِ الَّذِي فَتَحَ اللهُ لَهُ فِيهِ، لِبَقِيَّةٍ بَقِيَتْ مِنَ الْجَبَابِرَةِ، لِيَسْتَأْصِلَهُمْ، وَكَانَ قَدْ خَشِيَ أَنْ يَحُولَ اللَّيْلُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ ذَلِكَ، فَوَقَفَتْ لَهُ الشَّمْسُ بِإِذْنِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ حَتَّى اسْتَأْصَلَهُمْ. ثُمَّ خَلَفَ بَعْدَ مُوسَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِأَمْرِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ يُقِيمُ فِيهِمُ التَّوْرَاةَ، وَأَحْكَامَ اللهِ الَّتِي حَكَمَ بِهَا فِيهِمْ.

وَقَدْ ذَكَرَهُ اللهُ تَعَالَى فِي قِصَّةِ مُوسَى مَعَ الْخَضِرِ بِقَوْلِهِ: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِفَتَاهُ لَا أَبْرَحُ حَتَّىٰ أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ﴾ [سُورَةُ الْكَهْفِ: 60]. فَإِنَّ جُمْهُورَ الْمُفَسِّرِينَ ذَهَبُوا إِلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْفَتَى هُنَا هُوَ يُوشَعُ بْنُ نُونٍ. قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ رَحِمَهُ اللهُ: “هُوَ يُوشَعُ بْنُ نُونٍ كَمَا رَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ وَغَيْرُهُ”، فَتْحُ الْبَارِي شَرْحُ صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ.

صُحْبَتُهُ لِمُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ

كَانَ يُوشَعُ بْنُ نُونٍ مُلَازِمًا لِمُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَقَدِ اخْتَارَهُ اللهُ تَعَالَى لِيَكُونَ مِنْ خَاصَّةِ أَصْحَابِهِ، فَشَهِدَ مَعَهُ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْدَاثِ الْعَظِيمَةِ.

وَمِنْ أَشْهَرِ مَا ذُكِرَ عَنْهُ صُحْبَتُهُ لِمُوسَى فِي رِحْلَتِهِ إِلَى الْخَضِرِ عَلَيْهِ السَّلَامُ، فَقَدْ كَانَ هُوَ الَّذِي يَحْمِلُ الْحُوتَ -أَيِ السَّمَكَةَ الْكَبِيرَةَ- الَّذِي جَعَلَهُ اللهُ عَلَامَةً عَلَى مَكَانِ لِقَاءِ الْخَضِرِ.

سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ قَالَ: قُلْتُ لِابْنِ عَبَّاسٍ: إِنَّ نَوْفًا الْبَكَالِيَّ يَزْعُمُ أَنَّ مُوسَى لَيْسَ بِمُوسَى بَنِي إِسْرَائِيلَ، إِنَّمَا هُوَ مُوسَى آخَرُ، فَقَالَ: كَذَبَ عَدُوُّ اللهِ، حَدَّثَنَا أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ:«قَامَ مُوسَى النَّبِيُّ خَطِيبًا فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَسُئِلَ: أَيُّ النَّاسِ أَعْلَمُ؟ فَقَالَ: أَنَا أَعْلَمُ، فَعَتَبَ اللهُ عَلَيْهِ إِذْ لَمْ يَرُدَّ الْعِلْمَ إِلَيْهِ، فَأَوْحَى اللهُ إِلَيْهِ: أَنَّ عَبْدًا مِنْ عِبَادِي بِمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ هُوَ أَعْلَمُ مِنْكَ». قَالَ: يَا رَبِّ، وَكَيْفَ بِهِ؟ فَقِيلَ لَهُ: »احْمِلْ حُوتًا فِي مِكْتَلٍ فَإِذَا فَقَدْتَهُ فَهُوَ ثَمَّ«، فَانْطَلَقَ وَانْطَلَقَ بِفَتَاهُ يُوشَعَ بْنِ نُونٍ وَحَمَلَا حُوتًا فِي مِكْتَلٍ حَتَّى كَانَا عِنْدَ الصَّخْرَةِ وَضَعَا رُؤُوسَهُمَا وَنَامَا، فَانْسَلَّ الْحُوتُ مِنَ الْمِكْتَلِ ﴿فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا﴾ [سُورَةُ الْكَهْفِ:61]، وَكَانَ لِمُوسَى وَفَتَاهُ عَجَبًا، فَانْطَلَقَا بَقِيَّةَ لَيْلَتِهِمَا وَيَوْمَهُمَا، فَلَمَّا أَصْبَحَ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ: ﴿آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا﴾ [سُورَةُ الْكَهْفِ:62]، وَلَمْ يَجِدْ مُوسَى مَسًّا مِنَ النَّصَبِ حَتَّى جَاوَزَ الْمَكَانَ الَّذِي أُمِرَ بِهِ، فَقَالَ لَهُ فَتَاهُ: ﴿أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ﴾ [سُورَةُ الْكَهْفِ:63]، قَالَ مُوسَى: ﴿ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا﴾ [سُورَةُ الْكَهْفِ:64].

فَلَمَّا انْتَهَيَا إِلَى الصَّخْرَةِ، إِذَا رَجُلٌ مُسَجًّى بِثَوْبٍ -مُتَغَطِّيًا- أَوْ قَالَ تَسَجَّى بِثَوْبِهِ فَسَلَّمَ مُوسَى، فَقَالَ الْخَضِرُ: وَأَنَّى بِأَرْضِكَ السَّلَامُ؟ فَقَالَ: أَنَا مُوسَى، فَقَالَ: مُوسَى بَنِي إِسْرَائِيلَ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: ﴿هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رَشَدًا﴾ [سُورَةُ الْكَهْفِ:66]، وَقَدْ كَانَ نِسْيَانُ الْحُوتِ سَبَبًا فِي مَعْرِفَةِ الْمَوْضِعِ الَّذِي أَرَادَ اللهُ أَنْ يَلْتَقِيَ فِيهِ مُوسَى بِالْخَضِرِ عَلَيْهِ السَّلَامُ.

يُوشَعُ بْنُ نُونٍ خَلِيفَةُ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي قِيَادَةِ بَنِي إِسْرَائِيلَ

لَمَّا تُوُفِّيَ نَبِيُّ اللهِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، تَوَلَّى يُوشَعُ بْنُ نُونٍ قِيَادَةَ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَكَانَ ذَلِكَ مِنْ تَمَامِ فَضْلِ اللهِ عَلَيْهِ؛ إِذْ جَعَلَهُ حَامِلًا لِرِسَالَةِ التَّوْحِيدِ وَقِيَادَةِ الْأُمَّةِ بَعْدَ نَبِيٍّ مِنْ أُولِي الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ.

وَقَدْ كَانَ أَمْرًا مُنَاسِبًا لِمَا كَانَ عَلَيْهِ مِنَ الْقُرْبِ مِنْ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَطُولِ الصُّحْبَةِ، وَمَعْرِفَةِ أَحْوَالِ بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَقَدْ شَهِدَ مَعَ مُوسَى كَثِيرًا مِنَ الِابْتِلَاءَاتِ وَالْمَوَاقِفِ الْعَظِيمَةِ.

وَقَدْ ذَكَرَ أَهْلُ التَّارِيخِ وَالسِّيَرِ أَنَّ يُوشَعَ عَلَيْهِ السَّلَامُ كَانَ هُوَ الَّذِي قَادَ بَنِي إِسْرَائِيلَ بَعْدَ مُوسَى، وَأَنَّ اللهَ فَتَحَ عَلَى يَدَيْهِ الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ بَعْدَ أَنِ امْتَنَعَ قَوْمُهُ عَنْ دُخُولِهَا زَمَنَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ.

قَالَ اللهُ تَعَالَى عَنْ مَوْقِفِ بَنِي إِسْرَائِيلَ مَعَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ: ﴿قَالُوا يَا مُوسَىٰ إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ [سُورَةُ الْمَائِدَةِ: 24].

فَلَمَّا مَضَتْ مُدَّةُ التِّيهِ الَّتِي كَتَبَهَا اللهُ عَلَيْهِمْ بِسَبَبِ عِصْيَانِهِمْ، جَاءَ الْجِيلُ الَّذِي قَادَهُ يُوشَعُ بْنُ نُونٍ، فَفَتَحَ اللهُ لَهُمُ الْبِلَادَ.

جِهَادُ يُوشَعَ بْنِ نُونٍ وَفَتْحُ الْأَرْضِ الْمُقَدَّسَةِ

كَانَ دُخُولُ الْأَرْضِ الْمُقَدَّسَةِ مِنْ أَعْظَمِ الْأَحْدَاثِ فِي حَيَاةِ يُوشَعَ بْنِ نُونٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ، فَقَدْ وَاجَهَ بَنُو إِسْرَائِيلَ أَقْوَامًا أَقْوِيَاءَ، لَكِنَّهُ مَضَى بِأَمْرِ اللهِ ثَابِتًا مُؤَيَّدًا بِنَصْرِهِ.

فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «غَزَا نَبِيٌّ مِنَ الأَنْبِياءِ صلواتُ اللَّه وسلامُهُ علَيهِمْ فَقَالَ لقوْمِهِ: لا يَتْبَعْني رَجُلٌ ملَكَ بُضْعَ امْرَأَةٍ وَهُوَ يُرِيدُ أَن يَبْنِيَ بِهَا وَلَمَّا يَبْنِ بِها، وَلا أَحدٌ بنَى بيُوتًا لَمْ يَرفَع سُقوفَهَا، وَلا أَحَدٌ اشْتَرى غَنَمًا أَوْ خَلِفَاتٍ وهُو يَنْتَظرُ أوْلادَهَا. فَغزَا فَدنَا مِنَ الْقَرْيةِ صلاةَ الْعصْرِ أَوْ قَريبًا مِنْ ذلكَ، فَقَال للشَّمس: إِنَّكِ مَأمُورةٌ وأَنا مأمُورٌ، اللهم احْبِسْهَا علَينا، فَحُبِسَتْ حَتَّى فَتَحَ اللَّهُ عليْهِ، فَجَمَعَ الْغَنَائِم فَجاءَتْ –يَعْنِي النَّارَ- لتَأكُلهَا فَلَمْ تطْعَمْهَا، فَقَالَ: إِنَّ فِيكُمْ غُلُولًا، فَليُبَايِعْنِي منْ كُلِّ قبِيلَةٍ رجُلٌ، فلِزقتْ يدُ رَجُلٍ بِيدِهِ فَقَالَ: فِيكُم الْغُلولُ، فَلتُبَايِعْنِي قُبَيلَتُك، فَلَزقَتْ يدُ رجُليْنِ أو ثلاثَةٍ بِيَدِهِ فقَالَ: فِيكُمُ الْغُلُولُ، فَجَاءوا برَأْسٍ مِثْلِ رَأْسِ بَقَرَةٍ مِنْ الذَّهبِ، فوضَعها فَجَاءَت النَّارُ فَأَكَلَتها، فلمْ تَحلَّ الْغَنَائِمُ لأحدٍ قَبلَنَا، ثُمَّ أَحَلَّ اللَّهُ لَنا الغَنَائِمَ فلمَّا رأَى ضَعفَنَا وعجزنَا فأحلَّها لنَا». رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ.

فَقَاتَلَ الْقَوْمَ، وَلَمَّا دَنَا فَتْحُ الْقَرْيَةِ قَالَ لِلشَّمْسِ: «إِنَّكِ مَأْمُورَةٌ وَأَنَا مَأْمُورٌ، اللَّهُمَّ احْبِسْهَا عَلَيَّ شَيْئًا». فَحَبَسَ اللهُ الشَّمْسَ حَتَّى تَمَّ الْفَتْحُ. قَالَ الْعُلَمَاءُ: إِنَّ هَذَا النَّبِيَّ هُوَ يُوشَعُ بْنُ نُونٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ.

قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ رَحِمَهُ اللهُ: “قَوْلُهُ: غَزَا نَبِيٌّ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ” هُوَ يُوشَعُ بْنُ نُونٍ كَمَا رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْبَيْهَقِيُّ.”

مُعْجِزَةُ حَبْسِ الشَّمْسِ لِيُوشَعَ بْنِ نُونٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ

مِنْ خَصَائِصِ يُوشَعَ بْنِ نُونٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ مَا ثَبَتَ فِي السُّنَّةِ مِنْ حَبْسِ الشَّمْسِ لَهُ عِنْدَ قِتَالِهِ، وَهِيَ مُعْجِزَةٌ عَظِيمَةٌ أَكْرَمَهُ اللهُ بِهَا.

وَقَدْ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إِنَّ الشَّمْسَ لَمْ تُحْبَسْ لِبَشَرٍ إِلَّا لِيُوشَعَ بْنِ نُونٍ لَيَالِيَ سَارَ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ». رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ.

وَبَيَّنَ الْعُلَمَاءُ أَنَّ سَبَبَ ذَلِكَ أَنَّ الْفَتْحَ كَانَ قَرِيبًا مِنْ دُخُولِ وَقْتِ الْغُرُوبِ، وَلَوْ غَرَبَتِ الشَّمْسُ لَانْقَطَعَ الْقِتَالُ، فَدَعَا اللهَ تَعَالَى أَنْ يُؤَخِّرَ غُرُوبَهَا حَتَّى يَتِمَّ لَهُ النَّصْرُ، فَقَالَ لِلشَّمْسِ: إِنَّكِ مَأْمُورَةٌ وَأَنَا مَأْمُورٌ، اللَّهُمَّ احْبِسْهَا عَلَيْنَا، فَحُبِسَتْ حَتَّى فَتَحَ اللهُ عَلَيْهِ.

مَنْزِلَةُ يُوشَعَ بْنِ نُونٍ فِي النُّصُوصِ الشَّرْعِيَّةِ

يُوشَعُ بْنُ نُونٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَإِنْ لَمْ يَرِدْ ذِكْرُ اسْمِهِ فِي الْقُرْآنِ صَرِيحًا، إِلَّا أَنَّ السُّنَّةَ النَّبَوِيَّةَ وَالتَّفْسِيرَ وَالتَّارِيخَ دَلَّتْ عَلَى فَضْلِهِ وَمَكَانَتِهِ.

فَهُوَ:

• مِنْ أَنْبِيَاءِ بَنِي إِسْرَائِيلَ.
• صَاحِبُ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ وَفَتَاهُ فِي رِحْلَةِ الْخَضِرِ.
• قَائِدُ بَنِي إِسْرَائِيلَ بَعْدَ مُوسَى.
• فَاتِحُ الْأَرْضِ الْمُقَدَّسَةِ.
• صَاحِبُ الْمُعْجِزَةِ الْمَشْهُورَةِ فِي حَبْسِ الشَّمْسِ.
• وَقَدِ اجْتَمَعَ لَهُ مِنَ الْفَضَائِلِ مَا يَدُلُّ عَلَى عَظِيمِ مَنْزِلَتِهِ عِنْدَ اللهِ؛ فَقَدِ اخْتَارَهُ اللهُ لِلصُّحْبَةِ، ثُمَّ اخْتَارَهُ لِلْقِيَادَةِ، ثُمَّ أَجْرَى عَلَى يَدَيْهِ نَصْرًا عَظِيمًا.

مَوْقِفُ الْعُلَمَاءِ مِنْ كَوْنِ يُوشَعَ بْنِ نُونٍ نَبِيًّا أَوْ وَلِيًّا

اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي وَصْفِ يُوشَعَ بْنِ نُونٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ: هَلْ كَانَ نَبِيًّا مُرْسَلًا، أَوْ كَانَ وَلِيًّا صَالِحًا مِنْ أَتْبَاعِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ.

الْقَوْلُ الْأَوَّلُ: أَنَّهُ نَبِيٌّ مِنْ أَنْبِيَاءِ اللهِ

وَهُوَ قَوْلُ جُمْهُورِ أَهْلِ الْعِلْمِ، بَلْ هُوَ الَّذِي عَلَيْهِ أَكْثَرُ الْمُفَسِّرِينَ وَأَهْلِ السِّيَرِ. وَاسْتَدَلُّوا عَلَى ذَلِكَ بِأُمُورٍ:

أَوَّلًا: مَا جَاءَ فِي السُّنَّةِ مِنْ ذِكْرِهِ بِاسْمِهِ

فَقَدْ ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «إِنَّ الشَّمْسَ لَمْ تُحْبَسْ لِبَشَرٍ إِلَّا لِيُوشَعَ بْنِ نُونٍ لَيَالِيَ سَارَ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ»، رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ.

وَهَذَا الْحَدِيثُ صَرِيحٌ فِي نِسْبَةِ الْمُعْجِزَةِ إِلَيْهِ، وَالْمُعْجِزَاتُ الْخَارِقَةُ لِلْعَادَةِ إِنَّمَا تَكُونُ تَأْيِيدًا لِلْأَنْبِيَاءِ.

ثَانِيًا: أَنَّ اللهَ جَعَلَهُ قَائِدًا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ بَعْدَ مُوسَى

فَقَدْ قَامَ مَقَامَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي قِيَادَةِ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى عُلُوِّ مَنْزِلَتِهِ؛ لِأَنَّ اللهَ لَا يُوَلِّي عَلَى قَوْمٍ بَعْدَ نَبِيِّهِمْ إِلَّا مَنْ كَانَ أَهْلًا لِذَلِكَ.

وَقَدْ ذَكَرَ أَهْلُ التَّفْسِيرِ أَنَّ يُوشَعَ هُوَ الَّذِي قَادَ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَى دُخُولِ الْأَرْضِ الْمُقَدَّسَةِ.

وَقَالَ الْإِمَامُ الطَّبَرِيُّ رَحِمَهُ اللهُ فِي تَفْسِيرِهِ: «كَانَ نَبِيُّهُمُ الَّذِي بَعْدَ مُوسَى يُوشَعَ بْنَ نُونٍ».

الْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّهُ وَلِيٌّ صَالِحٌ وَلَيْسَ بِنَبِيٍّ

ذَهَبَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ إِلَى التَّوَقُّفِ فِي نُبُوَّتِهِ؛ لِأَنَّ الْقُرْآنَ لَمْ يُصَرِّحْ بِاسْمِهِ، وَلَمْ يَأْتِ نَصٌّ قَطْعِيٌّ صَرِيحٌ يَقُولُ: “يُوشَعُ نَبِيٌّ”. وَاسْتَنَدَ أَصْحَابُ هَذَا الْقَوْلِ إِلَى أَنَّ مُجَرَّدَ الصُّحْبَةِ لِمُوسَى، أَوِ الْقِيَادَةَ بَعْدَهُ، لَا يَلْزَمُ مِنْهَا ثُبُوتُ النُّبُوَّةِ. لَكِنَّ هَذَا الْقَوْلَ أَضْعَفُ مِنَ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ السُّنَّةَ أَثْبَتَتْ لَهُ مِنَ الْخَصَائِصِ مَا يُقَوِّي جَانِبَ النُّبُوَّةِ.

الْخَاتِمَةُ

الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي قَصَّ عَلَيْنَا فِي كِتَابِهِ أَخْبَارَ أَنْبِيَائِهِ وَرُسُلِهِ، وَجَعَلَ فِي سِيرَتِهِمْ هِدَايَةً وَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَلْبَابِ.

وَبَعْدُ؛ فَإِنَّ سِيرَةَ نَبِيِّ اللهِ يُوشَعَ بْنِ نُونٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ تُمَثِّلُ صَفْحَةً مُشْرِقَةً مِنْ صَفَحَاتِ تَارِيخِ النُّبُوَّةِ، فَقَدْ نَشَأَ فِي صُحْبَةِ نَبِيِّ اللهِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَتَرَبَّى عَلَى يَدَيْهِ، وَشَهِدَ مَعَهُ مِنَ الْآيَاتِ وَالْمَوَاقِفِ الْعَظِيمَةِ. فَكَانَ يُوشَعُ عَلَيْهِ السَّلَامُ مِثَالًا لِلْعَبْدِ الصَّالِحِ الَّذِي جَمَعَ بَيْنَ الْعِلْمِ وَالْعَمَلِ، وَالْقِيَامِ بِأَعْبَاءِ الدَّعْوَةِ وَالْجِهَادِ، فَاخْتَارَهُ اللهُ لِيَكُونَ حَامِلَ رَايَةِ بَنِي إِسْرَائِيلَ بَعْدَهُ.

وَقَدْ دَلَّتِ النُّصُوصُ عَلَى عَظِيمِ مَنْزِلَتِهِ؛ فَكَانَ هُوَ الْفَتَى الَّذِي صَحِبَ مُوسَى فِي رِحْلَتِهِ إِلَى الْخَضِرِ، وَكَانَ النَّبِيَّ الَّذِي أَكْرَمَهُ اللهُ بِمُعْجِزَةِ حَبْسِ الشَّمْسِ حَتَّى يَتِمَّ لَهُ فَتْحُ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، فَاجْتَمَعَ لَهُ شَرَفُ الصُّحْبَةِ، وَفَضْلُ النُّبُوَّةِ، وَكَرَامَةُ النُّصْرَةِ.

وَفِي سِيرَتِهِ دُرُوسٌ عَظِيمَةٌ؛ مِنْهَا أَنَّ النَّصْرَ لَا يَكُونُ بِالْقُوَّةِ وَحْدَهَا، وَإِنَّمَا بِطَاعَةِ اللهِ وَالْيَقِينِ بِوَعْدِهِ، وَأَنَّ اللهَ يَخْتَارُ مِنْ عِبَادِهِ مَنْ يَحْمِلُ رِسَالَتَهُ وَيَنْصُرُ دِينَهُ.

نَسْأَلُ اللهَ تَعَالَى أَنْ يَرْزُقَنَا الِاقْتِدَاءَ بِأَنْبِيَائِهِ وَأَوْلِيَائِهِ، وَأَنْ يَجْعَلَ الْقُرْآنَ الْكَرِيمَ وَسِيَرَ الصَّالِحِينَ نُورًا وَهِدَايَةً لَنَا.

وَصَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.

المصادر

هَذِهِ المَسَائِلُ مَجمُوعَةٌ وَمُلَخَّصَةٌ مِنَ:

• القُرءَانِ الكَرِيمِ.
• السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ.
• صَحِيحِ البُخَارِيِّ.
• صَحِيحِ مُسلِمٍ.
• مُسنَدِ أَحمَدَ لِلإِمَامِ أَحمَدَ ابنِ حَنبَلٍ.
• فَتحِ البَارِي لِلحَافِظِ ابنِ حَجَرٍ العَسقَلَانِيِّ.
• البِدَايَةِ وَالنِّهَايَةِ لِابنِ كَثِيرٍ.
• تَارِيخِ الطَّبَرِيِّ.