بِسمِ اللهِ الرَّحمَنِ الرَّحِيمِ

الحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللهِ، أَمَّا بَعدُ:

مُقَدِّمَةٌ

تُعَدُّ النَّفَقَةُ مِنْ أَعْظَمِ الحُقُوقِ الَّتِي قَرَّرَتْهَا الشَّرِيعَةُ الإِسْلَامِيَّةُ لِلزَّوْجَةِ، وَجَعَلَتْهَا مِنْ أَهَمِّ الوَاجِبَاتِ المُلْقَاةِ عَلَى عَاتِقِ الزَّوْجِ؛ تَحْقِيقًا لِمَقْصَدِ السَّكَنِ وَالمَوَدَّةِ وَالرَّحْمَةِ، وَصِيَانَةً لِلْمَرْأَةِ عَنِ الحَاجَةِ وَالضَّيَاعِ، وَإِقَامَةً لِلأُسْرَةِ عَلَى أَسَاسِ العَدْلِ وَالإِحْسَانِ.

وَقَدِ اعْتَنَى الفُقَهَاءُ بِبَيَانِ أَحْكَامِ النَّفَقَةِ عِنَايَةً بَالِغَةً، فَفَصَّلُوا القَوْلَ فِي أَسْبَابِ وُجُوبِهَا، وَمِقْدَارِهَا، وَأَنْوَاعِهَا، وَمَا يَدْخُلُ فِيهَا مِنَ الطَّعَامِ، وَالإِدَامِ، وَالكِسْوَةِ، وَالمَسْكَنِ، وَالخَادِمِ، وَمَا يَطْرَأُ عَلَيْهَا مِنْ أَحْكَامِ السُّقُوطِ وَالإِعْسَارِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، حَتَّى غَدَا بَابُ النَّفَقَاتِ مِنْ أَدَقِّ أَبْوَابِ الفِقْهِ وَأَكْثَرِهَا تَفْصِيلًا.

وَيُعَدُّ بَابُ النَّفَقَاتِ مِنَ الأَبْوَابِ المُهِمَّةِ فِي الفِقْهِ؛ لِأَنَّهُ يَجْمَعُ أَحْكَامَ النَّفَقَةِ بِأَدِلَّتِهَا وَقَوَاعِدِهَا، وَيَرْبِطُهَا بِمَقَاصِدِ الشَّرِيعَةِ فِي حِفْظِ الأُسْرَةِ وَرِعَايَةِ الحُقُوقِ المُتَبَادَلَةِ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ، مَعَ بَيَانِ مَا يَجِبُ لِلزَّوْجَةِ، وَمَا يَسْقُطُ مِنْ حُقُوقِهَا، وَمَا يَتَرَتَّبُ عَلَى إِعْسَارِ الزَّوْجِ أَوِ امْتِنَاعِهِ عَنْ أَدَاءِ وَاجِبِهِ.

وَيَهْدِفُ هَذَا المَقَالُ إِلَى عَرْضِ أَحْكَامِ النَّفَقَةِ فِي المَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ عَرْضًا عِلْمِيًّا مُرَتَّبًا، يُبَيِّنُ أُسُسَهَا، وَيُظْهِرُ مَا امْتَازَ بِهِ الفِقْهُ الإِسْلَامِيُّ مِنْ دِقَّةٍ فِي حِفْظِ الحُقُوقِ وَتَحْقِيقِ العَدْلِ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ.

تَعْرِيفُ النَّفَقَةِ

النَّفَقَةُ لُغَةً: الإِخْرَاجُ، وَسُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّهَا إِخْرَاجُ المَالِ فِيمَا يُحْتَاجُ إِلَيْهِ مِنْ مَؤُونَةِ المَعِيشَةِ.

وَتَنْقَسِمُ النَّفَقَاتُ إِلَى أَقسَامٍ مِنهَا:

• نَفَقَةُ الزَّوْجَةِ،
• وَنَفَقَةُ القَرِيبِ.

حُكْمُ نَفَقَةِ الزَّوْجَةِ

أَوْجَبَتِ الشَّرِيعَةُ الإِسْلَامِيَّةُ نَفَقَةَ الزَّوْجَةِ عَلَى زَوْجِهَا، وَيَتَجَدَّدُ وُجُوبُهَا فِي كُلِّ يَوْمٍ، فَلَا تُؤَدَّى دَفْعَةً وَاحِدَةً عَنْ جَمِيعِ العُمْرِ، بَلْ تَتَعَلَّقُ بِفَجرِ كُلِّ يَوْمٍ بِحَسَبِهِ.

وَلَا يَقْتَصِرُ هَذَا الحَقُّ عَلَى الزَّوْجَةِ المُسْلِمَةِ، بَلْ يَشْمَلُ الزَّوْجَةَ الذِّمِّيَّةَ، وَالمَرِيضَةَ، وَذَاتَ الشَّرَفِ وَالرِّفْعَةِ، مَتَى كَانَتِ الزَّوْجِيَّةُ قَائِمَةً، وَتَوَفَّرَتْ شُرُوطُ اسْتِحْقَاقِ النَّفَقَةِ مِن كَونِ الزَّوجَةِ مُمَكِّنَةً نَفسَهَا غَيرَ نَاشِزَةٍ، تَكُونُ النَّفَقَةُ وَاجِبَةً.

تَفَاوُتُ مِقْدَارِ النَّفَقَةِ

لَا يَكُونُ مِقْدَارُ النَّفَقَةِ عَلَى دَرَجَةٍ وَاحِدَةٍ، بَلْ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ حَالِ الزَّوْجِ مِنَ اليَسَارِ وَالإِعْسَارِ، فَلِلْمُوسِرِ مَا يُنَاسِبُ سَعَتَهُ وَهُوَ مُدَّانِ، وَلِلْمُتَوَسِّطِ مَا يُلَائِمُ حَالَهُ وَهُوَ مُدٌّ وَنِصفٌ، وَلِلْمُعْسِرِ مَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ وَهُوَ مُدٌّ.

قَالَ تَعَالَى: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ﴾ [سُورَةُ الطَّلَاقِ: ٧].

وَلَا يَخْتَلِفُ مِقْدَارُ النَّفَقَةِ بِاخْتِلَافِ مَنْزِلَةِ الزَّوْجَةِ أَوْ دِينِهَا، فَلَا فَرْقَ بَيْنَ الحُرَّةِ وَالرَّقِيقَةِ، وَلَا بَيْنَ المُسْلِمَةِ وَالذِّمِّيَّةِ، وَلَا بَيْنَ الصَّغِيرَةِ وَالكَبِيرَةِ، وَلَا بَيْنَ الصَّحِيحَةِ وَالمَرِيضَةِ، وَإِنَّمَا المِعْيَارُ فِي ذَلِكَ هُوَ حَالُ الزَّوْجِ مِنَ اليُسْرِ وَالعُسْرِ.

الطَّعَامُ الوَاجِبُ فِي نَفَقَةِ الزَّوْجَةِ

اعْتِبَارُ غَالِبِ قُوتِ البَلَدِ

القوت: هُوَ مَا يَقُومُ بِهِ بَدَنُ الإِنْسَانِ من الطَّعَامِ.

إِنَّ الشَّرِيعَةَ الإِسْلَامِيَّةَ لَمْ تُحَدِّدِ نَوْعًا وَاحِدًا مِنَ الأَقْوَاتِ تَلْتَزِمُ بِهِ جَمِيعُ البُلْدَانِ، بَلْ جَعَلَتِ المَرْجِعَ فِي ذَلِكَ إِلَى غَالِبِ قُوتِ أَهْلِ البَلَدِ، وَإِن لَم يَلِق بِهَا وَلَا أَلِفَتْهُ؛ فَقَدْ يَكُونُ القُوتُ بُرًّا، أَوْ شَعِيرًا، أَوْ تَمْرًا، أَوْ أَقِطًا- لَبنٌ مُجَفَّفٌ يابِسٌ مُسْتَحْجِرٌ يُطْبَخُ بِهِ-، أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ مِن غَالِبِ القُوتِ، لِأَنَّهُ مِنَ المُعَاشَرَةِ بِالمَعرُوفِ المَأمُورِ بِهَا.

اخْتِلَافُ الأَقْوَاتِ فِي البَلَدِ

إِذَا وُجِدَ فِي البَلَدِ أَكْثَرُ مِنْ نَوْعٍ مِنَ الأَقْوَاتِ، وَلَمْ يَكُنْ أَحَدُهَا هُوَ الغَالِبَ، فَإِنَّ الوَاجِبَ يُرَاعَى فِيهِ مَا يَلِيقُ بِحَالِ الزَّوْجِ بِحَسَبِ يَسَارِهِ وَضِدِّهِ، وَلَا عِبرَةَ بِاقتِيَاتِ الزَّوجِ بِأَقَلَّ مِمَّا يَلِيقُ بِهِ تَزَهُّدًا أَو بُخلًا.

المُدِّ الشَّرْعِيِّ

المُدُّ هُوَ مِلءُ الكَفَّينِ المُعتَدِلَتَينِ.

دَفْعُ الحَبِّ هُوَ الأَصْلُ فِي النَّفَقَةِ

الأَصْلُ فِي النَّفَقَةِ أَنْ يُدْفَعَ الحَبُّ السَّلِيمُ، لِأَنَّ الحَبَّ أَوْسَعُ انْتِفَاعًا، وَيُمْكِنُ الاِنْتِفَاعُ بِهِ عَلَى وُجُوهٍ مُتَعَدِّدَةٍ، بِخِلَافِ الدَّقِيقِ وَالخُبْزِ فَلَا يَكفِيَانِ لِعَدَمِ صَلَاحِيَّتِهِمَا لِكُّلِ مَا يَصلُحُ لَهُ الحَبُّ، فَإِذَا طَالَبَتِ الزَّوْجَةُ بِالحَبِّ، لَمْ يَجُزْ إِلْزَامُهَا بِقَبُولِ غَيْرِهِ، وَإِذَا طَلَبَت غَيرَ الحَبِّ لَم يَلزَمْهُ غَيرُهُ.

مُؤُونَةُ إِعْدَادِ الطَّعَامِ

لَا يَقْتَصِرُ وَاجِبُ الزَّوْجِ عَلَى تَسْلِيمِ الحَبِّ، بَلْ يَلْزَمُهُ تَوْفِيرُ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ مِنْ طَحْنٍ، وَعَجْنٍ، وَخَبْزٍ؛ لِأَنَّ المَقْصُودَ مِنَ النَّفَقَةِ هُوَ حُصُولُ الكِفَايَةِ عَلَى الوَجْهِ الَّذِي يُمَكِّنُ مِنَ الاِنْتِفَاعِ بِالطَّعَامِ، وَلَا يَتَحَقَّقُ ذَلِكَ بِتَسْلِيمِ الحَبِّ وَحْدَهُ.

هَل لَهَا استِبدَالُ المُدِّ وَالمُدَّينِ وَالمُدَّ وَالنِّصفِ

لَهَا استِبدَالُ المُدِّ وَالمُدَّينِ وَالمُدِّ وَالنِّصفِ بِالدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ وَبِالثِّيَابِ، لِأَنَّهُ استِبدَالٌ عَن طَعَامٍ مُستَقِرٍّ فِي الذِّمَّةِ لِمُعَيَّنٍ. وَلَا يَجُوزُ الاستِبدَالُ عَنِ النَّفَقَةِ المُستَقبَلَةِ.

فائدة:

تَسقُطُ نَفَقَةُ الزَّوجَةِ بِأَكلِهَا عِندَهُ بِرِضَاهَا كَالعَادَةِ وَهِيَ رَشِيدَةٌ، لِاكتِفَاءِ الزَّوجَاتِ بِهِ فِي الأَعصَارِ وَجَرَيَانِ النَّاسِ عَلَيهِ فِيهَا.

الإِدَامُ وَاللَّحمُ

لَا تَقِفُ النَّفَقَةُ الوَاجِبَةُ عَلَى تَوْفِيرِ القُوتِ فَقَطْ، بَلْ تَشْمَلُ كُلَّ مَا تَكْتَمِلُ بِهِ كِفَايَةُ الزَّوْجَةِ وَتَتَحَقَّقُ بِهِ المَعِيشَةُ بِالمَعْرُوفِ. وَمِنْ هُنَا جَعَلَ الفِقْهُ الشَّافِعِيُّ الإِدَامَ وَاللَّحْمَ مِنْ جُمْلَةِ مَا يَجِبُ عَلَى الزَّوْجِ، لِأَنَّ المَقْصُودَ مِنَ النَّفَقَةِ لَيْسَ مُجَرَّدَ سَدِّ الجُوعِ، بَلْ تَحْقِيقُ الكِفَايَةِ عَلَى الوَجْهِ الَّذِي جَرَى بِهِ عُرْفُ النَّاسِ.

وُجُوبُ الإِدَامِ

يَدْخُلُ الإِدَامُ فِي النَّفَقَةِ الوَاجِبَةِ تَبَعًا لِلطَّعَامِ اللَّائِقُ بِحَالِ الزَّوجِ، فَيَجِبُ لِلزَّوْجَةِ إِدَامُ غَالِبِ أَهْلِ البَلَدِ، وَإِن لَم تَأكُلْهُ، كَالزَّيْتِ، وَالسَّمْنِ، وَالتَّمْرِ، وَالخَلِّ، إِذْ لَا يَتِمُّ العَيْشُ بِدُونِهِ.

اخْتِلَافُ الإِدَامِ بِاخْتِلَافِ الفُصُولِ

تَتَغَيَّرُ حَاجَاتُ النَّاسِ بِتَغَيُّرِ الفُصُولِ، وَلِذَلِكَ يَخْتَلِفُ الإِدَامُ بِاخْتِلَافِ أَزْمِنَةِ السَّنَةِ، فَيُرَاعَى فِي كُلِّ فَصْلٍ مَا يُنَاسِبُهُ، فَمَا يُنَاسِبُ الصَّيْفَ لَيْسَ كَمَا يُنَاسِبُ الشِّتَاءَ.

وُجُوبُ اللَّحْمِ

لَمْ يَقْتَصِرِ الوَاجِبُ عَلَى الإِدَامِ، بَلْ يَدْخُلُ اللَّحْمُ أَيْضًا فِي النَّفَقَةِ، عَلَى أَنْ يَكُونَ نَوْعُهُ وَمِقْدَارُهُ مُنَاسِبَيْنِ لِحَالِ الزَّوْجِ يُسْرًا وَعُسْرًا، وَلِمَا جَرَى بِهِ العُرْفُ.

اخْتِلَافُ مِقْدَارِهِمَا (أَيِ الأُدمِ وَاللَّحمِ) بِاخْتِلَافِ حَالِ الزَّوْجِ

كَمَا يَتَفَاوَتُ الطَّعَامُ بَيْنَ المُوسِرِ وَالمُتَوَسِّطِ وَالمُعْسِرِ، يَتَفَاوَتُ الإِدَامُ وَاللَّحْمُ أَيْضًا بِحَسَبِ القُدْرَةِ المَالِيَّةِ لِلزَّوْجِ. وَيُقَدِّرُ الإِدَامَ الْقَاضِى بِاجْتِهَادِهِ وَيَتَفَاوَتُ بَيْنَ مُوسِرٍ وَغَيْرِهِ، فَيُنظَرُ مَا يَحتَاجُهُ المُدُّ مِنَ الأُدمِ عَلَى المُعسِرِ، وَضِعفَهُ عَلى المُوسِرِ، وَمَا بَينَهُمَا عَلى المُتَوَسِّطِ.

وَيُرَاعَى فِي تَقْدِيرِ اللَّحْمِ مَا جَرَى عَلَيْهِ عُرْفُ أَهْلِ البَلَدِ مِنْ حَيْثُ تَكْرَارُ تَقْدِيمِهِ، فَقَدْ يَكُونُ فِي كُلِّ أُسْبُوعٍ، أَوْ أَكْثَرَ، أَوْ أَقَلَّ، وَيَبْقَى المِعْيَارُ فِي ذَلِكَ هُوَ العُرْفُ السَّائِدُ. قَالَ البَغَوِيُّ فِي ذِكرِ تَقدِيرِ مَا يُفرَضُ مِنَ اللَّحمِ: «عَلَى المُوسِرِ كُلَّ يَومٍ رِطلٌ، وَعَلى المُتَوَسِّطِ فِي كُلِّ يَومَينِ أَو ثَلَاثَةٍ، وَعَلى المُعسِرِ فِي كُلِّ جُمُعَةٍ»، وَالأَولَى أَن يَكُونَ يَومَ الجُمُعَةِ، لِأَنَّهُ يُستَحَبُّ التَّوسِعَةُ فِي الأَيَّامِ الفَاضِلَةِ.

الرِّطلُ مَا يُسَاوِى وَزنُهُ ١٢٨.٥٧ دِرهَمًا، وَالدِّرهَمُ يُسَاوِي ٢.٩٧ غرَامًا، فَالرِّطلُ يُسَاوِى ٣٨١.٩٣٦ غرَامًا.

الكِسْوَةُ حَقٌّ ثَابِتٌ لِلزَّوْجَةِ

وَكَمَا وَجَبَ الطَّعَامُ وَالإِدَامُ، وَجَبَتِ الكِسْوَةُ أَيْضًا؛ لِأَنَّهَا مِمَّا لَا تَسْتَغْنِي عَنْهُ الزَّوْجَةُ فِي حِفْظِ بَدَنِهَا وَسَتْرِهَا، وَيُرَاعَى فِي تَقْدِيرِهَا حَالُ الزَّوْجِ مِن يَسَارٍ وَإِعسَارٍ وَتَوَسُّطٍ، بِحَسَبِ عَادَةِ مِثلِهِ، وَكِفَايَةُ الزَّوْجَةِ، وَتَختَلِفُ كِفَايَتُهَا بِطُولِهَا وَقِصَرِهَا وَهُزَالِهَا وَسِمَنِهَا، وَبِاختِلَافِ المَحَالِّ.

وَلَا يَقِفُ حَقُّ الزَّوْجَةِ فِي الكِسْوَةِ عِنْدَ تَوْفِيرِ ثَوْبٍ وَاحِدٍ، بَلْ يُرَاعَى فِيهَا مَا تَقْتَضِيهِ الحَاجَةُ وَاخْتِلَافُ الفُصُولِ، فَيَجِبُ مَا يَقِيهَا حَرَّ الصَّيْفِ وَبَرْدَ الشِّتَاءِ، وَيَتَحَقَّقُ بِهِ مَقْصُودُ اللِّبَاسِ مِنَ قَمِيصٍ وَخِمَارٍ وَنَحوِ سَرَاوِيلَ، مِمَّا يَقُومُ مَقَامَهُ عَلى حَسَبِ عَادَةِ المَحَلِّ، وَنَحوِ نَعلٍ أَو خُفٍّ، وَجَوْرَبٍ فِى الْبِلادِ الَّتِى تَحْتَاجُ إِلَيْهِ فِيهَا، وَيَزِيدُ عَلى ذَلِكَ نَحوَ جُبَّةٍ فِي الشِّتَاءِ، فَإِن لَم تَكْفِ وَاحِدَةٌ زِيدَ عَلَيهَا.

وَيَلْزَمُهُ لَهَا ثَوْبٌ لِلشِّتَاءِ وَءَاخَرُ لِلصَّيْفِ، وَلَوْ لَمْ يَبْلَ الأَوَّلُ، فَيُعطِي الكِسوَةَ أَوَّلَ كُلِّ سِتَّةِ أَشهُرٍ مِن كُلِّ سَنَةٍ، فَإِن تَلِفَت فِيهَا وَلَو بِلَا تَقصِيرٍ لَم يُبَدَّلْ، فَإِن لَم تُكْسَ مُدَّةً فَدَينٌ عَلَيهِ.

وَالكِسوَةُ كَالنَّفَقِةِ تَسقُطُ بِالنُّشُوزِ، فَإِذَا عَادَت لَم تَعُدِ الكِسوَةُ. فَتَسقُطُ مُؤَنُهَا بِالنُّّشُوزِ أَي بِخُرُوجِهَا عَن طَاعَةِ زَوجِهَا وَلَو بَعضَ اليَومِ.

الأمور تدخل في النفقة الواجبة

يَدخُلُ فِي النَّفَقَةِ الوَاجِبَةِ:

• فِرَاشٌ
• وَمِخَدَّةٌ،
• وَالْبِسَاطُ الَّذِى يَقِى مِنْ ضَرَرِ الْبَرْدِ وَالْحَرِّ،
• وَاللِّحَافُ إِذَا كَانَ يَصْلُحُ لِلْحَرِّ وَالْبَرْدِ كُلُّ ذَلِكَ بِحَسَبِ العَادَةِ،
• أَمَّا الإِنَارَةُ فَيَكْفِى السِّرَاجُ أَوْ مَا يَحْصُلُ بِهِ الْكِفَايَةُ،
• وَيَلْزَمُهُ أَيْضًا أَنْ يَجْلِبَ لَهَا أَدَوَاتِ تَنْظِيفٍ، أَى مَا تُنَظِّفُ بِهِ ثِيَابَهَا وَتَغْسِلُهَا كَالصَّابُونِ،

وَيُجَدِّدُ ذَلِكَ وَقتَ تَجدِيدِهِ عَادَةً.

• وَيَجِبُ لَهَا آلَةُ أَكلٍ وَشُربٍ وَطَبخٍ،
• وَآلَةُ تَنظِيفٍ؛ كَمِشطٍ وَدُهنٍ مِن زَيتٍ أَو نَحوِهِ، وَنَحوِ مَرتَكٍ (وَهُوَ مَا يُزِيلُ رِيحَةَ الإِبطِ) تَعَيَّن، فَإِن لَم يَتَعَيَّن بِأَن كَانَ يَزُولُ بِالمَاءِ فَلَا يَجِبُ.
• وَيَلزَمُهُ أُجرَةُ حَمَّامِ إِن اعتَادَتِ المَرأَةُ، كَمَرَّةٍ فِي شَهرٍ أَو أَكثَرَ بِقَدرِ العَادَةِ، فَإِن كَانَتِ المَرأَةُ مِمَّن لَا تَعتَادُ دُخُولَهُ لَم يَجِب، لَكِن تَتَنَظَّفُ لَهُ فِي البَيتِ.
• وَيَلزَمُهُ أَن يُحضِرَ لَهَا مَاءَ الغُسلِ بِسَبَبِهِ، كَوَطئِهِ وَوِلَادَتِهَا مِنهُ بِخِلَافِ الحَيضِ وَالاحتِلَامِ، فَإِن لَم يُحضِرِ المَاءَ أَعطَاهَا ثَمَنَهُ.
• وَلَا يَلزَمُهُ الزِّينَةُ كَكُحلٍ وَخِضَابٍ، فَإِن أَرَادَ الزَّوجُ الزِّينَةَ هَيَّأَهَا لَهَا، فَتَتَزَيَّنُ بِهِ وُجُوبًا.
• وَلَا يَجِبُ عَلَيهِ دَوَاءُ مَرَضٍ وَأُجرَةُ طَبِيبٍ.

المَسْكَنُ مِنْ أَهَمِّ حُقُوقِ الزَّوْجَةِ

وَكَمَا أَوْجَبَتِ الشَّرِيعَةُ الطَّعَامَ وَالكِسْوَةَ، أَوْجَبَتْ تَهْيِئَةَ مَسْكَنٍ يَلِيقُ بِحَالِهَا، مِن دَارٍ، وَلَوْ حُجْرَةً وَاحِدَةً مَعَ مَطْبَخٍ، أَى مَوْضِعٍ لِلطَّبْخِ، وَخَلاءٍ، أَى مَوْضِعِ قَضَاءِ الْحَاجَةِ، وَإِن لَم يَملِكْهُ بِأَن كَانَ مُكتَرًى أَو مُعَارًا، وَيُشتَرَطُ أَن تَأمَنَ فِيهِ عَلى نَفسِهَا وَمَالِهَا لَو خَرَجَ زَوجُهَا مِنهُ.

الخَادِمُ لِخِدمَةِ الزَّوجَةِ

يَجِبُ عَلى الزَّوجِ وَلَو مُعسِرًا إِخدَامُ الزَّوجَةِ إِن كَانَت مَخدُومَةً فِي بَيتِ أَبِيهَا، لَا إِن صَارَت مَخدُومَةً فِي بَيتِ زَوجِهَا، لِأَنَّهُ مِنَ المُعَاشَرَةِ بِالمَعرُوفِ المَأمُورِ بِهَا. وَيَكُونُ الإِخدَامُ وَلَو بِأُجرَةٍ بِمَن يَحِلُّ نَظَرُهُ إِلَيهَا كَحُرَّةٍ وَصَبِيٍّ مُمَيَّزٍ غَيرِ مُرَاهِقٍ. وَلَا يَخدِمُهَا زَوجُهَا بِنَفسِهِ لِأَنَّهَا تَستَحِي مِنهُ غَالِبًا وَتُعَيَّرُ بِذَلِكَ.

الإِعْسَارُ بِالنَّفَقَةِ وَأَثَرُهُ

وَقَدْ يَعْرِضُ لِلزَّوْجِ مَا يَمْنَعُهُ مِنَ القِيَامِ بِوَاجِبِ النَّفَقَةِ، كَالإِعْسَارِ وَعَدَمِ القُدْرَةِ عَلَى الإِنْفَاقِ، فَإِن أَعسَرَ الزَّوجُ مَالًا أَو كَسبًا لَائِقًا بِهِ عَن أَقَلِّ نَفَقَةٍ أَو كِسوَةٍ أَو مَسكَنٍ، فَإِن صَبَرَتِ المَرأَةُ بِأَن أَنفَقَت عَلى نَفسِهَا مِن مَالِهَا، فَدَينٌ عَلَيهِ فِي غَيرِ المَسكَنِ، فَلَا يَسقُطُ بِمُضِيِّ الزَّمَنِ، وَإِلَّا بِأَن لَم تَصبِر فَلَهَا فَسخٌ بِتَفصِيلٍ مَذكُورٍ فِي كُتُبِ الفِقهِ.

خَاتِمَةٌ

تَبَيَّنَ أَنَّ النَّفَقَةَ فِي الفِقْهِ الشَّافِعِيِّ لَيْسَتْ مُجَرَّدَ وَاجِبٍ مَالِيٍّ، بَلْ هِيَ نِظَامٌ مُتَكَامِلٌ يُرَاعِي حَاجَاتِ الزَّوْجَةِ وَيُحَقِّقُ لَهَا الكِفَايَةَ وَالكَرَامَةَ، مُنْطَلِقًا مِنْ مَبْدَأ المَعْرُوفِ وَمُرَاعَاةِ العُرْفِ وَاخْتِلَافِ أَحْوَالِ النَّاسِ.

وَقَدْ شَمِلَتِ النَّفَقَةُ الطَّعَامَ، وَالإِدَامَ، وَاللَّحْمَ، وَالكِسْوَةَ، وَالمَسْكَنَ، وَالخَادِمَ، وَغَيْرَ ذَلِكَ مِمَّا تَقُومُ بِهِ المَعِيشَةُ، مَعَ بَيَانِ أَحْكَامِ الإِعْسَارِ وَالامْتِنَاعِ عَنِ الإِنْفَاقِ، وَمَا يَتَرَتَّبُ عَلَى كُلِّ ذَلِكَ مِنْ أَحْكَامٍ، بِمَا يُمَثِّلُ عَدَالَةَ الشَّرِيعَةِ الإِسْلَامِيَّةِ وَحِرْصَهَا عَلَى صِيَانَةِ الأُسْرَةِ وَحِفْظِ حُقُوقِ أَفْرَادِهَا.

المصادر

هَذِهِ المَسَائِلُ مَجمُوعَةٌ وَمُلَخَّصَةٌ مِنَ:

القُرءَانِ الكَرِيمِ.

التَّهذِيبُ فِي الفِقهِ الشَّافِعِيِّ لِأَبِي مُحَمَّدٍ البَغَوِيِّ.

رَوضَةُ الطَّالِبِينَ وَعُمدَةُ المُفتِينَ لِلإِمَامِ النَّوَوِيِّ.

فَتحُ الوَهَّابِ بِشَرحِ مَنهَجِ الطُّلَّابِ لِلشَّيخِ زَكَرِيَّا الأَنصَارِيِّ.