بِسمِ اللهِ الرَّحمَنِ الرَّحِيمِ

الحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللهِ، أَمَّا بَعدُ:

مقَدِّمَة

إِنَّ زَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مِنْ أَجَلِّ الصَّحَابَةِ قَدْرًا، وَأَعْظَمِهِمْ مَنْزِلَةً، وَهُوَ حِبُّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَمَوْلَاهُ، وَمِنَ السَّابِقِينَ الأَوَّلِينَ إِلَى الإِسْلَامِ. وَقَدِ اخْتَصَّهُ اللَّهُ بِفَضِيلَةٍ لَمْ تَثْبُتْ لِغَيْرِهِ مِنَ الصَّحَابَةِ، إِذْ ذُكِرَ اسْمُهُ صَرِيحًا فِي القُرْآنِ الكَرِيمِ. وَفِي سِيرَتِهِ دُرُوسٌ عَظِيمَةٌ فِي الوَفَاءِ وَالمَحَبَّةِ وَالثَّبَاتِ وَالتَّضْحِيَةِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ تَعَالَى.

نسبه ومكانته

زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ بْنِ شَرَاحِيلَ بْنِ كَعْبِ بْنِ عَبْدِ العُزَّى بْنِ امْرِئِ القَيْسِ بْنِ عَامِرِ بْنِ النُّعْمَانِ بْنِ عَامِرِ بْنِ عَبْدِ وُدٍّ بْنِ عَوْفِ بْنِ كِنَانَةَ بْنِ بَكْرِ بْنِ عَوْفِ بْنِ عَذِرَةَ بْنِ زَيْدِ اللَّاتِ بْنِ رُفَيْدَةَ بْنِ ثَوْرِ بْنِ كَلْبِ بْنِ وَبَرَةَ بْنِ تَغْلِبِ بْنِ حُلْوَانَ بْنِ عِمْرَانَ بْنِ لِحَافِ بْنِ قُضَاعَةَ.

هو أَبُو أُسَامَةَ، حِبُّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَمَوْلَاهُ، أَوَّلُ مَنْ آمَنَ بِهِ مِنَ المَوَالِي؛ فَإِنَّهُ مِنْ كِبَارِ السَّابِقِينَ الأَوَّلِينَ، وَالِدُ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ، وَأَخُو جَبَلَةَ بْنِ حَارِثَةَ.

وَأُمُّهُ: سُعْدَى بِنْتُ ثَعْلَبَةَ بْنِ عَبْدِ عَامِرِ بْنِ أَفْلَتَ مِنْ بَنِي مَعْنٍ مِنْ طَيِّئٍ.

وَقَدْ شَهِدَ بَدْرًا وَأُحُدًا وَالخَنْدَقَ وَالحُدَيْبِيَةَ وَخَيْبَرَ، وَكَانَ مِنَ الرُّمَاةِ المَذْكُورِينَ مِنَ الصَّحَابَةِ

صفته الخلقية

وَكَانَ زَيدٌ أَبيَضَ أَحمَرَ، وَكَانَ ابنُهُ أُسَامَةُ آدَمَ شَدِيدَ الآدَمَةِ.

نشأته

وُلِدَ فِي بِيئَةٍ عَرَبِيَّةٍ كَرِيمَةٍ، ثُمَّ تَعَرَّضَ فِي صِغَرِهِ لِحَادِثَةِ أَسرٍ أَثنَاءَ زِيَارَةِ أُمِّهِ لِقَومِهَا بَنِي مَعنٍ، فَبِيعَ فِي سُوقِ عُكَاظٍ (سُوقٌ بِنَاحِيَةِ مَكَّةَ). فَاشتَرَاهُ حَكِيمُ بْنُ حِزَامٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ لِعَمَّتِهِ خَدِيجَةَ بِنتِ خُويلِدٍ رَضِيَ اللهُ عَنهَا، فَلَمَّا تَزَوَّجَهَا النَّبِيُّ ﷺ وَهَبَتهُ لَهُ بِمَكَّةَ قَبلَ النُّبُوَةِ، وَهُوَ ابنُ ثَمَانِ سِنِينَ، فَأَعتَقَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَأَحسَنَ إِلَيهِ غَايَةَ الإِحسَانِ.

وَفِي رِوَايَةٍ عِندَ الحَاكِمِ: “كَانَ حَارِثَةُ بْنُ شَرَاحِيلَ تَزَوَّجَ امْرَأَةً فِي طَيِّئٍ مِنْ نَبْهَانَ، فَأَوْلَدَهَا:جَبَلَةَ وَأَسْمَاءَ، وَزَيْدًا، فَتُوُفِّيَتْ، وَأَخْلَفَتْ وَلَدَهَا فِي حِجْرِ جَدِّهِمْ لِأَبِيهِمْ، وَأَرَادَ حَارِثَةُ حَمْلَهُمْ، فَأَتَى جَدُّهُمَا، فَقَالَ: مَا عِنْدَنَا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُمْ، فَتَرَاضَوْا إِلَى أَنْ حَمَلَ جَبَلَةَ وَأَسْمَاءَ، وَخَلَّفَ زَيْدًا، وَجَاءَ خَيْلٌ مِنْ تِهَامَةَ مِنْ فَزَارَةَ، فَأَغَارَتْ عَلَى طَيِّئٍ، فَسَبَتْ زَيْدًا فَصَيَّرُوهُ إِلَى سُوقِ عُكَاظٍ، فَرَآهُ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ قَبْلِ أَنِ يُبْعَثَ، فَقَالَ لِخَدِيجَةَ: “يَا خَدِيجَةُ، رَأَيْتُ فِي السُّوقِ غُلَامًا مِنْ صِفَتِهِ كَيْتَ وَكَيْتَ”، يَصِفُ عَقْلًا وَأَدَبًا وَجَمَالًا، لَوْ أَنَّ لِي مَالًا لَاشْتَرَيْتُهُ، فَأَمَرَتْ وَرَقَةَ بْنَ نَوْفَلٍ فَاشْتَرَاهُ مِنْ مَالِهَا، فَقَالَ: “يَا خَدِيجَةُ، هَبِي لِي هَذَا الْغُلَامَ بِطِيبٍ مِنْ نَفْسِكِ”،فَقَالَتْ: يَا مُحَمَّدُ، أَرَى غُلَامًا وَضِيئًا، وَأَخَافُ أَنْ تَبِيعَهُ أَوْ تَهَبَهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: “يَا مُوَفَّقَةُ، مَا أَرَدْتُ إِلَّا لِأَتبَنَّاهُ”، فَقَالَتْ: نَعَمْ، يَا مُحَمَّدُ فَرَبَّيَاهُ وَتَبَنَّيَاهُ، فَكَانَ يُقَالُ لَهُ”: زَيْدُ بْنُ مُحَمَّدٍ”.

قَالَت عَائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عَنهَا: “وَكَانَ مَنْ تَبَنَّى رَجُلًا فِي الْجَاهِلِيَّةِ دَعَاهُ النَّاسُ إِلَيْهِ وَوَرِثَ مِنْ مِيرَاثِهِ، حَتَّى أَنْزَلَ اللهُ ﴿ادْعُوهُمْ لآبَائِهِمْ﴾ إِلَى قَوْلِهِ ﴿وَمَوَالِيكُمْ﴾ [سُورَةُ الأَحزَابِ:٥] فَرُدُّوا إِلَى آبَائِهِمْ، فَمَنْ لَمْ يُعْلَمْ لَهُ أَبٌ كَانَ مَوْلًى وَأَخًا فِي الدِّينِ”، رَوَاهُ البُخَارِيُّ.

اختيار زيد للنبي ﷺ

وَكَانَ أَبُوهُ شُرَاحِيلَ قَد وَجَدَ لِفَقدِهِ وَجدًا (حُزنًا) شَدِيدًا، فَقَالَ فِيهِ:

بَكَيْتُ عَلَى زَيْدٍ وَلَمْ أَدْرِ مَا فَعَلْ … أَحَيٌّ فَيُرْجَى أَمْ أَتَى دونه الْأَجَل

فَوَ اللهِ مَا أَدْرِي وَإِنِّي لَسَائِلٌ … أَغَالَكَ بَعْدِي السَّهْلُ أَمْ غَالَكَ الْجَبَلْ

إِلَى أَن قَالَ:

حَيَاتِي أَوْ تَأْتِي عَلَيَّ مَنِيَّتِي … فَكُلُّ امْرِئٍ فَانٍ وَإِنْ غَرَّهُ الْأَمَلُ

سَأُوصِي بِهِ قَيسًا وَعَمرًا كِلَيهِمَا … وَأُوصِي يَزِيدًا ثُمَّ مِن بَعدِهِ جَبَلُ

يَعنَي جَبَلَةَ بْنَ حَارِثَةَ، أَخَا زَيدٍ، وَكَانَ أَكبَرَ مِن زَيدٍ، وَيَعنِي بِقَولِهِ: يَزِيدَ أَخَا زَيدٍ لِأُمِّهِ.

ثُمَّ إِنَّ نَاسًا مِن قَبِيلَةِ كَلبٍ حَجُّوا فَرَأَوا زَيدًا، فَعَرَفَهُم وَعَرَفُوهُ، فَقَالَ لَهُم: أَبلِغُوا عَنِّي أَهلِي هَذِه الأَبيَاتَ، فَإِنِّي أَعلَمُ أَنَّهُم جَزَعُوا (حَزِنُوا) عَلَيَّ، فَقَالَ:

أَحِنُّ إِلَى قَومِي وَإِن كُنتُ نَائِيًا … فَإِنِّي قَعِيدُ البَيتِ عِندَ المَشَاعِرِ

فَكُفُوا مِنَ الوَجدِ الَّذِي قَد شَجَاكُمُ … وَلَا تَعمَلُوا فِي الأَرضِ نَصَّ الأَبَاعِرِ

فَإِنِّي بِحَمدِ اللَّهِ فِي خَيرِ أُسرَةٍ … كِرَامِ مَعَدٍّ كَابِرًا بَعدَ كَابِرِ

فَانطَلَقَ الكَلبِيُّونَ، فَأَعلَمُوا أَبَاهُ وَوَصَفُوا لَهُ مَوضِعَهُ، وَعِندَ مَن هُوَ، فَخَرَجَ حَارِثَةُ وَأَخُوهُ كَعبٌ لِفِدَائِهِ، فَقَدِمَا مَكَّةَ، فَدَخَلَا عَلَى النَّبِيّ ﷺ فَقَالَا: “يَا ابنَ عَبدِ المُطَّلِبِ، يَا ابنَ هَاشِمٍ، يَا ابنَ سَيدِ قَومِهِ، جِئنَاكَ فِي ابنِنَا عِندَكَ، فَامنُن عَلَينَا، وَأَحسِن إِلَينَا فِي فِدَائِهِ”. فَقَالَ: «مَن هُوَ؟» قَالُوا: زَيدُ بْنُ حَارِثَةَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «فَهَلَّا غَيرُ ذَلِكَ»، قَالُوا: مَا هُوَ؟ قَال:«ادعُوهُ وَخَيِّرُوهُ، فَإِنِ اختَارَكُم فَهُوَ لَكُم، وَإِن اختَارَنِي فَوَاللهِ مَا أَنَا بِالَّذِي أَختَارُ عَلَى مَنِ اختَارَنِي أَحَدًا»، قَالَا: قَد زِدتَنَا عَلَى النِّصفِ وَأَحسَنتَ، فَدَعَاهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: «هَل تَعرِفُ هَؤُلَاءِ؟»، قَالَ: نَعَم، هَذَا أَبِي وَهَذَا عَمِّي.

قَالَ: «فَأَنَا مَن قَد عَرَفتَ وَرَأَيتَ فِي صُحبَتِي لَكَ، فَاختَرنِي أَو اختَرهُمَا». قَالَ: مَا أُرِيدُهُمَا، وَمَا أَنَا بِالَّذِي أَختَارُ عَلَيكَ أَحَدًا، أَنتَ مِنِّي مَكَانَ الأَبِ وَالعَمِّ. فَقَالَا: وَيحَكَ يَا زَيدُ، أَتَختَارُ العُبُودِيَّةَ عَلَى الحُرِيَّةِ، وَعَلَى أَبِيكَ، وَأَهلِ بَيتِكَ؟! قَالَ: نَعَم، قَد رَأَيتُ مِن هَذَا الرَّجُلِ شَيئًا، مَا أَنَا بِالَّذِي أَختَارُ عَلَيهِ أَحَدًا أَبَدًا.

فَلَمَّا رَأَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذَلِكَ أَخرَجَهُ إِلَى الحِجرِ، فَقَالَ: «يَا مَن حَضَرَ، اشهَدُوا أَنَّ زَيدًا ابنِي، يَرِثُنِي وَأَرِثُهُ». وَهَذَا كَانَ قَبلَ تَحرِيمِ التَّبَنِّي، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ أَبُوهُ وَعَمُّهُ طَابَت نُفُوسُهُمَا وَانصَرَفَا.

وَفِي رِوَايةِ الحَاكِمِ: “فَجَاءَ رَجُلٌ مِنَ الْحَيِّ (أي قَبِيلَةِ الحَيِّ)، فَنَظَرَ إِلَى زَيْدٍ فَعَرَفَهُ، فَقَالَ:أَنْتَ زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ، قَالَ: لَا، أَنَا زَيْدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: لَا، بَلْ أَنْتَ زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ مِنْ صِفَةِ أَبِيكَ وَعُمُوَمَتِكَ وَأَخْوَالِكَ: كَيْتَ وَكَيْتَ، قَدْ أَتْعَبُوا الْأَبْدَانَ، وَأَنْفَقُوا الْأَمْوَالَ فِي سَبِيلِكَ (أي فِي البَحثِ عَنكَ)، فَقَالَ زَيْدٌ:

أَحِنُّ إِلَى قَوْمِي وَإِنْ كُنْتُ نَائِيًا… فَإِنِّي قَطِينُ الْبَيْتِ عِنْدَ الْمَشَاعِرِ

وَكُفُّوا مِنَ الْوَجْهِ الَّذِي قَدْ شَجَاكُمُ … وَلَا تَعْمَلُوا فِي الْأَرْضِ فِعْلَ الْأَبَاعِرِ

فَإِنِّي بِحَمْدِ اللهِ فِي خَيْرِ أُسْرَةٍ … خِيَارُ مَعْدٍ كَابِرًا بَعْدَ كَابِرٍ

فَقَالَ حَارِثَةُ لَمَّا وَصَلَ إِلَيْهِ خَبَرُهُ:

بَكَيْتُ عَلَى زَيْدٍ وَلَمْ أَدْرِ مَا فَعَلْ … أَحَيٌّ فَيُرْجَى أَمْ أَتَى دُونَهُ الْأَجَلْ

فَوَاللهِ مَا أَدْرِي وَإِنِّي لَسَائِلٌ … أَغَالَكَ سَهْلُ الْأَرْضِ أَمْ غَالَكَ الْجَبَلْ

فَيَا لَيْتَ شِعْرِي هَلْ لَكَ الدَّهْرُ رَجْعَةٌ … فَحَسْبِي مِنَ الدُّنْيَا رُجُوعُكَ لِي بَجَلْ

تُذَكِّرُنِيهِ الشَّمْسُ عِنْدَ طُلُوعِهَا … وَيَعْرِضُ لِي ذِكْرَاهُ إِذْ عَسْعَسَ الطَّفَلْ

وَإِنْ هَبَّتِ الْأَرْوَاحُ هَيَّجْنَ ذِكْرَهُ … فَيَا طُولَ أَحْزَانِيَ عَلَيْهِ وَيَا وَجَلْ

سَأُعْمِلُ نَصَّ الْعِيسِ فِي الْأَرْضِ جَاهِدًا … وَلَا أَسْأَمُ التَّطْوَافَ أَوْ تَسْأَمُ الْإِبِلْ

فَيَأْتِيَ أَوْ تَأْتِي عَلَيَّ مَنِيَّتِي … وَكُلُّ امْرِئٍ فَانٍ وَإِنْ غَرَّهُ الْأَمَلْ

فَقَدِمَ حَارِثَةُ بْنُ شَرَاحِيلَ إِلَى مَكَّةَ فِي إِخْوَتِهِ وَأَهْلِ بَيْتِهِ، فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ فِي فِنَاءِ الْكَعْبَةِ فِي نَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، فِيهِمْ زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ، فَلَمَّا نَظَرُوا إِلَى زَيْدٍ عَرَفُوهُ وَعَرَفَهمْ، وَلَمْ يَقُمْ إِلَيْهِمْ إِجْلَالًا لِرَسُولِ اللهِ ﷺ، فَقَالُوا لَهُ: يَا زَيْدُ، فَلَمْ يُجِبْهُمْ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: «مَنْ هَؤُلَاءِ يَا زَيْدُ؟»، قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، هَذَا أَبِي، وَهَذَا عَمِّي، وَهَذَا أَخِي، وَهَؤُلَاءِ عَشِيرَتِي، فَقَالَ النَّبِيُّﷺ: «قُمْ فَسَلِّمْ عَلَيْهِمْ يَا زَيْدُ»، فَقَامَ فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ، وَسَلَّمُوا عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالُوا لَهُ: امْضِ مَعَنَا يَا زَيْدُ، فَقَالَ: مَا أُرِيدُ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ بَدَلًا وَلَا غَيْرَهُ أَحَدًا، فَقَالُوا: يَا مُحَمَّدُ، إِنَّا مُعْطُوكَ بِهَذَا الْغُلَامِ دِيَاتٍ، فَسَمِّ مَا شِئْتَ، فَإِنَّا حَامِلُوهُ إِلَيْكَ، فَقَالَ: «أَسْأَلُكُمْ أَنْ تَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَنِّي خَاتَمُ أَنْبِيَائِهِ وَرُسُلِهِ وَأُرْسِلُهُ مَعَكُمْ»، فَأَبَوْا وَتَلَكَّئُوا وَتَلَجْلَجُوا،فَقَالُوا: تَقْبَلُ مِنَّا مَا عَرَضْنَا عَلَيْكَ مِنَ الدَّنَانِيرِ؟ فَقَالَ لَهُمْ: «هَهُنَا خَصْلَةٌ غَيْرُ هَذِهِ، قَدْ جَعَلْتُ الأمْرَ إِلَيْهِ، فَإِنْ شَاءَ فَلْيَقُمْ، وِإِنْ شَاءَ فَلْيَدْخُلْ»، قَالُوا: مَا بَقِيَ شَيْءٌ؟ قَالُوا:يَا زَيْدُ، قَدْ أَذِنَ لَكَ الْآنَ مُحَمَّدٌ فَانْطَلِقْ مَعَنَا، قَالَ: هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ مَا أُرِيدُ بِرَسُولِ اللهِ ﷺبَدَلًا، وَلَا أُوثِرُ عَلَيْهِ وَالِدًا وَلَا وَلَدًا، فَأَدَارُوهُ وَأَلَاصُوهُ أَي أَدَارُوهُ وَاسْتَعْطَفُوهُ وَأَخْبَرُوهُ خَبَرَ مَنْ وَرَاءَهُ مِنْ وَجْدِهِمْ، فَأَبَى وَحَلَفَ أَنْ لَا يَلْحَقَهُمْ. قَالَ حَارِثَةُ: أَمَّا أَنَا فَأُوَاسِيكَ بِنَفْسِي، أَنَا أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَأَبَى الْبَاقُونَ”.

مكانته عند رسول الله ﷺ

نَالَ زَيدٌ رَضِيَ اللهُ عَنهُ مَنزِلَةً عَظِيمَةً فِي قَلبِ النَّبِيِّ ﷺ، حَتَّى اشتَهَرَ بِلَقَبِ «حِبُّ رَسُولِ الله ﷺ»، وَكَانَ ابنُهُ أُسَامَةُ رَضِيَ الله عَنهُ يُعرَفُ بِـ «الحِبِّ ابنِ الحِبِّ».

وَقَد دَلَّتِ النُّصُوصُ عَلى شِدَّةِ مَحَبَّةِ النَّبِيِّ ﷺ لَهُ وَثِقَتِهِ بِهِ، فَكَانَ يُقَدِّمُهُ فِي المُهِمَّاتِ وَيُؤَمِّرُهُ عَلى السَّرَايَا، وَيَشهَدُ لَهُ بِالفَضلِ وَالكِفَاءَةِ.

زيد بن حارثة في القرءان الكريم

انفَرَدَ زَيدٌ رَضِيَ الله عَنهُ بِفَضِيلَةٍ لَم يُشَارِكهُ فِيهَا أَحَدٌ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَهِيَ أَنَّ اللهَ تَعَالَى ذَكَرَ اسمَهُ صَرَاحَةً فِي كِتَابِهِ الكَرِيمِ فِي قَولِهِ تعالى: ﴿تَخْشَاهُ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا﴾ يَعنِي مِن زَينَبَ بِنتِ جَحشٍ: ﴿زَوَّجْنَاكَهَا﴾ [سورة الأحزاب: ٣٧].

كَمَا ارتَبَطَت قِصَّتُهُ بِنُزُولِ الآيَاتِ الَّتِي أَبطَلَت عَادَةَ التَّبَنِّي الجَاهِلِيَّةَ، وَأَمَرَتِ النَّاسَ أَن يَنسُبُوا الأَبنَاءَ إِلى آبَائِهِمِ الحَقِيقِيِّينَ، وَكَانَ المُسلِمُونَ يَدعُونَهُ زَيدَ ابنَ النَّبِيِّ ﷺ حَتَّى نَزَلَت: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ [سورة الأحزاب: ٤٠]، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ﴾ [سورة الأحزاب: ٤]، وقال: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [سورة الأحزاب: ٥]. فَنُسِخَ حُكمُ التَّبَنِّي.

زواجه من زينب بنت جحش رضي الله عنها

تَزَوَّجَ زَيدٌ رَضِيَ اللهُ عَنهُ زَينَبَ بِنتَ جَحشٍ رَضِيَ اللهُ عَنهَا، وَهِيَ ابنَةُ عَمَّةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَوَلَدَت لَهُ أُسامَةَ بنَ زَيدٍ، ثُمَّ وَقَعَ بَينَهُمَا مَا أَدَّى إِلى الطَّلَاقِ. وَبَعدَ ذَلِكَ تَزَوَّجَهَا النَّبِيُّ ﷺ بِأَمرٍ مِنَ اللهِ تَعَالَى، وَكَانَ فِي ذَلِكَ إِظهَارٌ لِإِبطَالِ أَحكَامِ التَّبَنِّي الَّتِي كَانَت سَائِدَةً قَبلَ الإِسلَامِ.

قيادته العسكرية وجهاده

كَانَ زَيدٌ رَضِيَ اللهُ عَنهُ مِن أَبرَزِ قَادَةِ المُسلِمِينَ، مَا بَعَثَهُ رَسُولُ اللهِ فِي بَعثٍ إِلَّا أَمَّرَهُ عَلَيهِم، مِمَّا يَدُلُّ عَلى ثِقَتِهِ الكَبِيرَةِ بِهِ.

وَكَانَ الصَّحَابَةُ يَرَونَ فِيهِ القَائِدَ الشُّجَاعَ الحَكِيمَ، حَتَّى قَالَت أُمُّ المُؤمِنِينَ عَائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عَنهَا: “لَم يَبعَث رَسُولُ اللهِ ﷺ زَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ فِي جَيشٍ قَط إِلَّا أَمَّرَهُ عَلَيهِم، وَلَو بَقِيَ بَعدَهُ استَخلَفَهُ”. رَوَاهُ الحَاكِمُ.

استشهاده في غزوة مؤتة

فِي السَّنَةِ الثَّامِنَةِ لِلهِجرَةِ جَهَّزَ النَّبِيُّ ﷺ جَيشَ مُؤتَة لِمُوَاجَهَةِ الرُّومِ، وَجَعَلَ القِيَادَةَ بِالتَّرتِيبِ لِزَيدِ بنِ حَارِثَةَ، ثُمَّ جَعفَرِ بنِ أَبِي طَالِبٍ، ثُمَّ عَبدِ اللهِ بنِ رَوَاحَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُم.

حَمَلَ زَيدٌ الرَّايَةَ وَقَاتَلَ قِتَالَ الأَبطَالِ حَتَّى استُشهِدَ رَضِيَ الله عَنهُ، فَنَالَ الشَّهَادَةَ الَّتِي يَتَمَنَّاهَا المُؤمِنُونَ، وَهُو ابنُ خَمسٍ وَخَمسِينَ سَنَةً. فَلَمَّا أَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَبَرُ قَتلِ جَعْفَرٍ، وَزَيدٍ بَكَى، وَقَالَ: «أَخَوَايَ وَمُؤنِسَايَ وَمُحَدِّثَايَ». وَشَهِدَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالشَّهَادَةِ.

فَخَطَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: «أَخَذَ الرَّايَةَ زَيْدٌ فَأُصِيبَ، ثُمَّ أَخَذَهَا جَعْفَرٌ فَأُصِيبَ، ثُمَّ أَخَذَهَا عَبدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ فَأُصِيبَ، وَعَينَاهُ تَذرِفَانِ، حَتَّى أَخَذَ الرَّايَةَ سَيْفٌ مِنْ سُيُوفِ اللَّهِ، حَتَّى فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ». رَوَاهُ البُخَارِيُّ.

الرواة عنه

رَوَى عَنه: ابنُهُ أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ، وَالبَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ، وَأَخُوهُ جَبَلَةَ بْنُ حَارِثَةَ، وَعَبدُ اللهِ بْنُ عَبَّاسٍ.

وَأَرسَلَ عَنهُ: عَلِيُّ بْنُ عَبدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، وَهزيلُ بْنُ شُرَحبِيلَ، وَأَبُو العَالِيَةَ الرَّيَاحِيُّ.

خاتمة

وَفِي خِتَامِ هَذَا الْمَقَالِ، يَتَبَيَّنُ لَنَا أَنَّ سِيرَةَ هَذَا الصَّحَابِيِّ الْجَلِيلِ زَيدِ بنِ حَارِثَةَ لَيْسَتْ صَفَحَاتٍ مِنَ التَّارِيخِ تُقْرَأُ فَحَسْبُ، بَلْ هِيَ مَدْرَسَةٌ مُتَكَامِلَةٌ فِي الْإِيمَانِ وَالصَّبْرِ وَالتَّضْحِيَةِ وَالْبَذْلِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ تَعَالَى. فَقَدْ عَاشَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ حَيَاةً مَلَأَهَا الصِّدْقُ مَعَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ﷺ، وَتَرَكَ لِلْأُمَّةِ نَمُوذَجًا يُقْتَدَى بِهِ فِي الثَّبَاتِ عَلَى الْحَقِّ وَخِدْمَةِ الدِّينِ.

وَإِنَّ التَّأَمُّلَ فِي مَوَاقِفِهِ الْعَظِيمَةِ وَأَخْلَاقِهِ الْكَرِيمَةِ يَزِيدُ الْمُؤْمِنَ مَحَبَّةً لِأَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَيُذَكِّرُهُ بِفَضْلِهِمْ وَمَكَانَتِهِمُ الرَّفِيعَةِ، إِذْ كَانُوا خَيْرَ جِيلٍ حَمَلَ هَذَا الدِّينَ وَنَقَلَهُ إِلَى مَنْ بَعْدَهُمْ. فَرَحِمَ اللَّهُ هَذَا الصَّحَابِيَّ الْكَرِيمَ، وَجَزَاهُ عَنِ الْإِسْلَامِ وَالْمُسْلِمِينَ خَيْرَ الْجَزَاءِ، وَجَمَعَنَا بِهِ وَبِإِخْوَانِهِ مِنَ الصَّحَابَةِ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ، إِنَّهُ وَلِيُّ ذَلِكَ وَالْقَادِرُ عَلَيْهِ.

المصادر

هَذِهِ المَسَائِلُ مَجمُوعَةٌ وَمُلَخَّصَةٌ مِنَ:

القُرءَانِ الكَرِيمِ.

السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ.

صَحِيحِ البُخَارِيِّ.

صَحِيحِ مُسلِمٍ.

المُستَدرَكِ لِلحَاكِمِ.

سِيَرِ أَعلَامِ النُّبَلَاءِ لِلذَّهَبِيِّ.

لِسَانِ العَرَبِ لِابنِ مَنظُورٍ.

أُسدِ الغَابَةِ لِابنِ الأَثِيرِ.

البِدَايَةِ وَالنِّهَايَةِ لِابنِ كَثِيرٍ.