بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على سيدنا وحبيبنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته درسنا اليوم عن الأيمان، والأيمان جمع يمين واليمين في اللغة تطلق على اليد اليمنى ثم أطلقت بعد ذلك على الحلف لأنهم كانوا إذا تحالفوا يضع الواحد منهم يمينه على يمين صاحبه، واليمين شرعًا هي تحقيق أمرٍ محتمل بصيغة أو بلفظ مخصوص، سيأتي معنا إن شاء الله هذا التعريف عن أركان اليمين، وشروطها، وقد وردت النصوص الكثيرة في كتاب الله سبحانه وتعالى وفي سنة نبيه المصطفى عليه الصلاة والسلام التي ذكرت فيها اليمين والتي ذكر فيها حكمها ذلك قوله سبحانه وتعالى (لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم) وقال تعالى (لا يؤاخذ الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقدتم من أيمان) وجاء في الحديث عن عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما قال كانت يمين رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم لا ومقلب القلوب رواه البخاري واليمين في أعم وأكثر الأحوال هي مكروهة،
فلا يكثر الإنسان اليمين في كلامه لقول الله سبحانه وتعالى (ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم أن تبروا وتتقوا وتصلحوا بين الناس) فالمطلوب والذي ينبغي على المسلم أن لا يكثر في القسم واليمين في كلامه وقد قال الإمام الشافعي ما حلفت بالله لا كاذبًا ولا صادقا، نعم قد تكون اليمين واجبة ذلك أمام القضاء، إذا توقف عليها إنصاف مظلوم أو بيان حق من الحقوق وذلك بطلب من القاضي تكون بذلك اليمين واجبة، وتنقسم اليمين من حيث كونها منعقدة وغير منعقدة إلى قسمين
القسم الأول يمين اللغو، وهذه اليمين التي لا يقصدها الحالف وإنما تسبق لسانه إليها، وذلك مثلًا غضبًا أو عجلة أو في صلة الكلام، ولا يقصد اليمين، كأن يقول مثلًا لا والله، بلى والله، فهذا لا تنعقد ليست يمين منعقدة ولا يترتب عليها كفارة لقول الله سبحانه وتعالى (لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان) قالت السيدة عائشة رضي الله تعالى عنها نزلت في قوله لا والله وبلى والله رواه البخاري،
القسم الثاني هي اليمين المنعقدة وهي تحقيق أمر محتمل أو غير ثابت باسم من أسماء الله تعالى أو بصفة من صفاته ويكون الحالف قاصد اليمين، هذه اليمين المنعقدة التي تترتب عليها الأحكام وتترتب عليها الكفارة إذا حلف ومن هذه اليمين، اليمين الغموس وهي التي يقصد بها الحالف الكذب والعياذ بالله، وهي من الكبائر، وذلك كأن يحلف مثلًا على أمر لم يكن ولم يقع، ويحلف أن ذلك الأمر قد كان أو العكس يحلف أن أمر قد كان يحلف على أنه لم يكن، فهذه اليمني الغموس، سميت بذلك لأنها تغمس صاحبها بالإثم في الدنيا وفي النار في الآخرة وقد حذر النبي صلى الله عليه وسلم منها وبين أنها من الكبائر فعن عبد الله بن عمر بن العاص رضي الله تعالى عنهما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الكبائر الإشراك بالله وعقوق الوالدين وقتل النفس واليمين الغموس رواه البخاري،
وعن عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه قال قال النبي صلى الله عليه وسلم من حلف على يمين وهو فيها فاجر ليقتطع بها مال امرئ مسلم لقي الله عز وجل وهو عليه غضبان وإنما تكون اليمين منعقدة إذا توفرت شروط، فيشترط في الحالف شروط، يشترط أن يكون مكلفًا أن يكون بالغ عاقل،
أما اليمين من الصبي أو المجنون فليست يمين منعقدة كذلك لا تصح اليمين من النائم ولا من الساهي ولا من المغمى عليه ولا من السكران غير المتعدي بسكره، أيضًا يشترط في الحالف أن يكون حلف في اختياره ولم يكن مكرهًا لم يكن حلف تحت الضغط والإكراه والتهديد، أما إذا حلف مكرهًا فلا تعتبر هذه اليمين منعقدة ولا تصح يمينه، أيضًا يشترط في الحالف أن يقصد اليمين، إن حلف قاصدًا اليمين،
أما إذا سبق لسانه إليها فلا تنعقد أو مثلًا يريد أن يحلف على أمر فسبق لسانه على أمر آخر فلا تنعقد هذه اليمين، وهذه تكون يمين اللغو كما تقدم معنا في الكلام السابق وذلك لقول الله سبحانه وتعالى (لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان) ويشترط بالمحلوف به أن يكون اسمًا من أسماء الله تعالى أو صفة من صفاته سبحانه وتعالى كأن يقول والله والرحمن ومقلب القلوب ورب العالمين وعزة الله وكبرياء الله وهكذا وعظمة الله فيحلف من اسم الله أو صفة من صفاته المختصة به سبحانه وتعالى أما الحلف بالمخلوقات فهذا منهي عنه كالحلف بالرسل أو الحلف بالملائكة، أو الحلف بالكعبة، أو الحلف بالآباء وقد جاء في الحديث عن سيدنا عمر رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآباكم من كان حالفًا فليحلف بالله أو ليصمت رواه البخاري ومسلم،
وحروف القسم ثلاثة، الباء والواو والتاء، الباء تدخل على الأسماء الظاهرة والمضمرة، فتقول بالله مثلًا، والواو تدخل على الأسماء الظاهرة فقط، فتقول والله وعزة الله، أما التاء تدخل على لفظ الجلالة فقط الله، فتقول مثلًا تالله لأفعلن كذا، وإذا صحت اليمين وانعقدت بتوفر أركانها وشروطها، وبعد ذلك حنث الحالف، معنى الحنث أي لم يفي بما حلف به، ولم يلتزم بما حلف به فيكون عليه كفارة، والكفارة ذكرها الله سبحانه وتعالى في قوله (لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان) ثم قال سبحانه وتعالى (فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم أو تحرير رقبة فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم) فذكر الله سبحانه وتعالى في أول الآية أنه لا يؤاخذ باليمين اللغو لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان،
ثم ذكر هذه الكفارة قال فكفارته عشرة مساكين فذكر الإطعام والكسوة فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم أو تحرير رقبة فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام، إذًا فهذه الكفارة فيها تخيير وفيها ترتيب، أولًا يتخير واحد من ثلاثة أشياء، عتق رقبة أو إطعام عشرة مساكين أو كسوتهم الخيار الأول عتق رقبة مؤمنة، أن يعتق رقبة مؤمنة سليمة من العيوب التي تخل بالكسب والآن على كل حال الرقاب غير موجودة، للاتفاقات الدولية والعالمية على إلغاء الرق الخيار الثاني هو إطعام عشرة مساكين، فيطعم عشرة مساكين لكل مسكين مد من الطعام، والمد هو ملئ الكفين المعتدلتين من غالب قوت البلد من الأرز أو البر، من الحبوب وهو ما يعادل من ستمائة إلى سبعمائة غرام تقريبًا فيعطي كل مسكين مد ولا يصح ولا يجزئ أن يعطيهم إياه مطبوخًا لا يصح ذلك ولا يقع كفارة بل يملكهم،
يملك كل مسكين من هؤلاء المساكين العشرة يعطي كل مسكين مد، الخيار الثالث هو كسوة عشرة مساكين، مما يعتاد لبسه ويسمى في العرف كسوة، فيعطي كل مسكين كسوة، إزار أو قميص أو ثوب، أو سراويل، كلمة سراويل تطلق على المفرد، وجمعها سراويلات، فيعطيهم ويملكهم هذه الكسوة، ويشترط في الكسوة أن تكون صالحة للبس أما إذا كانت مخرقة أو قد ذهبت قوتها مثلًا هذه لا تصح أن تكون كفارة، إذا هذه الكفارة يتخير واحدة من هذه الثلاثة الأمور عتق رقبة أو إطعام عشرة مساكين أو كسوتهم أما إذا لم يستطع أنه فقير أو معسر، لم يستطع عتق رقبة أو إطعام عشرة مساكين أو كسوتهم لأنه فقير أو معسر، وليس عنده زيادة على نفقته ونفقة أولاده فينتقل بعد ذلك إلى الصيام لقوله تعالى فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام فيصوم ثلاثة أيام،
ولا يشترط أن تكون هذه الأيام الثلاثة متوالية من هنا يتبين لنا خطأ كثير من العوام من الناس إذا حلف يقول سأصوم ثلاثة أيام، لا الصيام ليس هو الأول الترتيب كما ذكرناه، الصيام هو آخر شيء، إذا لم يستطع عتق رقبة وبعده إطعام عشرة مساكين أو كسوتهم، بعد ذلك ينتقل إلى صيام ثلاثة أيام، وإذا مات إنسان وعليه كفارة لأنه حلف وحنث ولم يخرج الكفارة ومات، فإنها تخرج هذه الكفارة من تركته، نختم الكلام بالتحذير من كثرة اليمين والحلف في البيع والشراء يمين التاجر أن يحلف المشتري أو البائع فإن هذا منهي عنه، إذا كان كاذبًا هذا من اليمين الغموس أما إذا كان صادقًا عليه أن يترك ذلك لأن هذا فيه أيضًا كما جاء في الحديث أن هذه اليمين منفقة للسلعة ممحقة للبركة أو كما جاء في الحديث عن النبي عليه الصلاة والسلام أسأل الله تعالى أن يوفقنا جميعًا لما يحبه ويرضاه وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم والحمد لله رب العالمين.
