بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على رسول الله، نتكلم اليوم عن نبي الله إبراهيم عليه السلام بعد مرور مئات السنين على الطوفان العظيم الذي حصل في زمن نوح عليه السلام وموت كل البشر الذين لم يؤمنوا بالله تكاثر البشر من نسل أولاده الثلاثة سام وحام ويافث، وانتشر الكفر من جديد وكان أهل بابل وهم من ذرية سام بن نوح يتنعمون بعيشٍ رغيد ونعم كثيرة أنعم الله بها عليهم، ولكنهم مع ذلك نسوا فضل الله عليهم واتبعوا الشيطان وعبدوا الأصنام التي كانوا ينحتونها بأيديهم وأما ملكهم النمرود فقد طغى وضل حتى ادعا الألوهية وأمر قومه بعبادته من دون الله عز وجل وفي هذه البيئة المنحرفة ولد إبراهيم عليه السلام كانت مهنته الزراعة وكان أفضل الأنبياء بعد سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وأكثر الأنبياء شبهًا له في الشكل وعُرف بإبراهيم الخليل لما اصطفاه الله تعالى به من الفضل وهو من أولي العزم،

أي من أكثر الأنبياء صبرًا وعبادة وشكرًا لله وخشوعا، كان سيدنا إبراهيم رجلًا ذكيًا جميلًا قوي البنية معروفًا بالكرم، ويروى أنه لم يأكل في حياته قط طعامًا بمفرده بل كان يحب الضيافة والمشاركة، كان سيدنا إبراهيم يعيش في مدينة بابل في العراق، ويتكلم اللغة السريانية والعبرية، وكان منذ صغره قد ألهم الإيمان بالله وأن الله تعالى لا يشبه شيئًا من مخلوقاته، وأنه هو خالق هذا العالم بأسره فلما أوحي إليه بالنبوة دعا قومه لعبادة الله وحده وأمرهم بأن يتركوا الأصنام التي كانوا يتفننون بنحتها وتزيينها ويذبحون لها الذبائح تقربًا إليها وأنزل الله عشر صحائف وأعطاه معجزات باهرة منها إحياء الموتى مع ذلك لم يطعه الكثيرون بل ازداد تكبرهم وتجبرهم وعلى رأسهم ملكهم النمرود تزوج سيدنا إبراهيم عليه السلام من ساراي ابنة عمه هارون وهي السيدة سارة،

وكانت أول امرأة آمنت به عليه السلام، ولما رأى إبراهيم عليه السلام أن قومه ما زالوا متعلقين بعبادة الأصنام وأنهم لم يتقبلوا الأدلة، والبراهين الواضحة التي جاء بها، قرر أن يفعل بأصنامهم فعلًا يقيم الحجة به عليهم لعلهم يفيقون من غفلتهم العميقة، وكان من عادة قومه الكفار عابدي الأصنام أن يقيموا عيدًا لأصنامهم فلما حل عليهم عيدهم خرجوا ليحتفلوا خارج المدينة في البساتين والحدائق فدخل إبراهيم عليه السلام إلى بيت الأصنام الذي كان قومه يعبدونها فيها، فرأى في صدر البيت صنمًا كبيرًا وعلى يمينه ويساره رأى أصنامًا صغيرة، فأمسك بيده اليمنى فأسًا وأخذ يهوي به على الأصنام الصغيرة ويكسرها ويحطمها ثم علق الفأس في عنق الصنم الكبير حتى إذا رجع قومه يظهر لهم أن هذه الأصنام لم تستطع أن تدفع عن نفسها ضرا،

فكيف تعبد من دون الله القوي القهار، عاد قومه فعرفوا أنه هو من حطم أصنامهم، ولكنهم لشدة جهلهم وكفرهم لم يفهموا ما قصد إليه إبراهيم عليه السلام فاغتاظوا وأرادوا أن ينتقموا منه فاختاروا نوعًا من أشد أنواع العذاب، وهو الإحراق بالنار، صار الكفار يجمعون الحطب من جميع ما يمكنهم من الأماكن وأتوا بهذا الحطب الكثير ورموه في حفرة عظيمة وأضرموا فيها النار، فاضطرمت وتأججت والتهبت وعلى لها شررٌ عظيم وصوتٌ مخيف لم يُرى ولم يسمع بمثله وكانت من شدة اشتعالها تحرق الطائر الذي يمر فوقها، حتى إن الكفار لم يستطيعوا لقوة اللهب أن يقتربوا من تلك النار، فصاروا يفكرون كيف سيرمون فيها إبراهيم فأتى إبليس اللعين متشكلًا بصورة إنسان وعلمهم صنع المنجنيق الذي لم يكن يعرف من قبل فنفذ صنعه رجلٌ كافرٌ اسمه هيزن فخسف الله به الأرض،

ثم أخذ قوم إبراهيم يأخذونه من بين أهله وزوجته يقيدونه ويكتفونه ويسحبونه إلى هذا المنجنيق وهو يقول لا إله إلا أنت سبحانك لك الحمد ولك الملك لا شريك لك، فلما ألقي بالمنجنيق في تلك النار قال بلسان المتوكل على الله حسبنا الله ونعم الوكيل فلم تحرقه تلك النار ولم تؤذه بمشيئة الله تعالى مع عظمها وقوتها، بل ولم تصبه بأذى ولا حتى أحرقت ثيابه، وإنما أحرقت الحبل الذي ربطوه قال الله تعالى (قلنا يا نار كوني بردا وسلاما على إبراهيم) وكان الناس يقفون على مسافة بعيدة ينظرون هذا المنظر الهائل المخيف ظانين بأن إبراهيم قد مات حتمًا ولم يبق منه سوى العظام المتفتتة ومكث الملك الظالم النمرود أيامًا لا يشك بأن النار قد أكلت إبراهيم عليه السلام،

فنظر من بعيد فرأى كأن إبراهيم جالس وإلى جنبه رجلٌ مثله فتعجب وقال لقومه لقد رأيت كأن إبراهيم حي، هل شبه علي ابنوا لي منصة عالية لأرى ما الأمر فبنوا له منصة فصعد عليها ونظر إلى النار فرأى إبراهيم عليه السلام حيًا حقًا جالسًا على طنفسة يلبس قميصًا لم يكن عليه حين رموه، وإلى جنبه رجلٌ في صورته فناداه النمرود وكلمه يا إبراهيم هل تستطيع الخروج فأجابه إبراهيم نعم، ثم سأله النمرود أتخاف إن بقيت في النار أن تضرك قال إبراهيم لا، عندها خرج إبراهيم عليه السلام سالمًا من تلك النار بمشيئة الله تعالى ولما خرج سأله النمرود عن شبيهه الذي كان جالسًا معه في النار، فقال إنه ملك الظل أرسله الله ليؤنسني وأما القميص فأنزله سيدنا جبريل عليه السلام مع طنفسة من الجنة،

ويروى أن هذا القميص ألبسه إبراهيم لابنه إسحاق ثم ألبسه إسحاق لابنه يعقوب، ثم يعقوب جعل القميص في أنبوبة من فضة وعلق في رقبة يوسف تبركًا لأنه كان يخاف عليه من الإصابة بالعين، ومع كل هذه العجائب فإن النمرود وقومه ظلوا على كفرهم وعنادهم ولم يؤمنوا بسيدنا إبراهيم عليه السلام إلا القليل، لكنهم أخفوا إسلامهم خوفًا من ملكهم الكافر، الذي سيلقى جزاءه العادل يوم القيامة، وبعد أن رأى إبراهيم عليه السلام أن قومه لا يزيدون إلا عنادًا وكفرًا قرر أن يهاجر معه زوجته سارة وابن أخيه لوط إلى فلسطين فهاجروا ولكن بعد ما اشتد الجفاف في فلسطين ذهب إبراهيم مع سارة إلى مصر وعند دخولهم مصر علم الوالي الجبار الظالم في تلك البلد بأن رجلًا قدم من الشام ومع امرأة جميلة وكان هذا الوالي الظالم من عادته أنه يأخذ كل امرأة جميلة متزوجة ويعتدي عليها ويجعلها من جواريه،

فعندما سأل الوالي عن إبراهيم وعن المرأة الجميلة التي معه أخبرهم سيدنا إبراهيم بأنها أخته ومراده أختي في الإسلام، ولم يقل بأنها زوجته ليحميها من الوالي الظالم، مع ذلك الوالي المغرور لم يترك سارة وحاول أن ينال منها فدعت ربها أن يحميها من هذا الوالي الظالم، فكان كلما مد يده إليها شلت وأصبح لا يستطيع تحريكها فترجاها أن تدعوا ربها لتعود يده كما كانت ففعلت، ومنذ تلك الحادثة علم الوالي بأن هذه المرأة ليست كغيرها من النساء وأن لها شأنًا عند الله فكف عنها وأمر بإخراجها من ساحته بل وأهداها الهدايا وجارية جميلة اسمها هاجر، ففرحت السيدة سارة بهاجر وأحبتها حبًا شديدا وعلمتها الإسلام والإيمان وبعد هذه الحادثة عاد إبراهيم مع سارة وهاجر إلى فلسطين ليحميهما ومرت السنون وكبرت السيدة سارة حتى بلغت السبعين من العمر ولم تنجب أطفالا وكانت أصغر من سيدنا إبراهيم بعشر سنوات ولأنها كانت تحب سيدنا إبراهيم محبة شديدة وهبت إليه هاجر لينجب منها طفلًا وتفرح قلبه،

فحصل، فأنجبت له هاجر ولدًا سماه إسماعيل ويروى أن مع حب سارة لهاجر وولدها إسماعيل إلا أنها قد شعرت بغيرة فطلبت من زوجها إبراهيم أن يبعدهما عنها فأوحى الله تعالى إلى سيدنا إبراهيم أن يأخذ هاجر وإسماعيل إلى مكة، ويتركهما هناك لحكمةٍ الله أعلم بها، فنفذ أمر الله وأخذهما إلى مكة المكرمة وتركهما هناك، وإلى هنا تنتهي حلقتنا لهذا اليوم تابعونا في الحلقة المقبلة ما الذي حصل مع السيدة هاجر وولدها وإبراهيم وسارة عليهم السلام أجمعين.