الحمد لله الذي جعل العلمَ للعلماءِ نسبا، وأغناهم به وإن عدموا مالا ومنصِبا، وأصلي وأسلمُ على سيدنا محمد ﷺ أشرف الخلائق عَجَمًا وعَرَبًا، وعلى ءاله وصحبه شَاءَ من شَاءَ وأَبَى مَن أَبَى، أما بعد:

فإن الله تعالى قيّض لهذه الأمة علماء حلماء، نشروا دينه بهمة وصدق عاليين، واجتمع مع ذلك التصوف الصحيح، فكان سببا لعلي ورقي مقامهم، ومن هؤلاء الأئمة إبراهيم بن أدهم رضي الله عنه.

نسبه

أبو إسحاقَ إبراهيمُ بنُ أدهمَ بن منصورِ بن يزيدَ بنِ جابرٍ العِجْلِيُّ القدوةُ، الإمامُ، العارفُ، الزاهد.

ولد ببَلْخٍ وهي المدينةُ العظيمةُ التي شهدت أكبرَ حركةٍ نحوَ التصوفِ والإقبالِ على الآخرة.

قصة تَزَهُّده

لقد كان إبراهيم بن أدهم واحدًا من هؤلاء الصالحين الذين كانوا من أبناء الملوك، إذ كان والده ملكًا من ملوك خُرَاسَان، وكان سببُ زُهدِهِ أنَّه خرج مرة إلى الصيد فرأى أَرنَبًا فأراد اللَّحاقَ به فسمع هاتفًا يقول له: يَا إِبْرَاهِيْمُ! ليس لذَا خُلِقتَ، ولا بِذَا أُمِرتَ.

قال: فَوَقَفتُ أَنظُرُ يَمنَةً وَيَسْرَةً، فلم أَرَ أَحَداً، ثمَّ حَرَّكتُ فَرَسِي، فسمعتُ نِدَاءً أَجْهَرَ من ذلك: يا إِبْرَاهِيْمُ! ليس لذَا خُلِقتَ، ولا بذَا أُمِرتَ. فَقُلْتُ: أُنْبِهْتُ، أُنْبِهْتُ، جَاءنِي نَذِيرٌ، وَاللهِ لاَ عَصَيتُ اللهَ بَعْدَ يَوْمِي مَا عَصَمنِي اللهُ.

فَرَجَعْتُ إِلَى أَهْلِي، فَخَلَّيتُ فَرَسِي، ثُمَّ جِئْتُ إِلَى رُعَاةٍ لأَبِي، فَأَخَذتُ جُبَّةً كِسَاءً، وَأَلقَيْتُ ثِيَابِي إِلَيْهِ، ثُمَّ أَقْبَلتُ إِلَى العِرَاقِ، فدخلت البادية، وصحِبت الثَّورِيَّ، والفُضيلَ بنَ عياضٍ، فَعَمِلتُ بها أَيَّاماً، فلم يَصْفُ لي منها الحَلاَلُ، فقيل لي: عليك بالشامِ.

زهده في الدنيا

ترك إبراهيم بن أدهم المُلك والجاه وزهِد في الدنيا، فكان يلبس في الشتاء فروًا ليس تحته قميص، وفي الصيف ثوبا بدرهمين، ولم يكن يلبس خفين ولا عمامة، وكان كثير الصيام في السفر والحضر، قليل النوم كثير التفكر، وكان يأكل من عمل يده في حصاد الزرع وحراسة البساتين.

وروى أبو نعيم عن أبي إسحٰق الفزاري أنه قال: كان إبراهيم بن أدهم في شهر رمضان يحصد الزرع بالنهار ويصلي بالليل، فمكث ثلاثين يومًا لا ينام بالليل ولا بالنهار.

وعن ضمرةَ قال: سمعتُ ابنَ أَدْهَمَ، يقول: أَخَافُ أن لا أُؤْجَرَ في تَرْكِي أَطَايِبَ الطَّعَامِ، لأَنّي لا أشتَهِيهِ. وكان إذا جلسَ على طعام طيّب، قَدَّمَهُ إلى أصحابه، وقنع بالخبز والزّيتونِ.

من أخبار أمانته

ذكر ابنُ الجوزي في كتاب “صِفَةِ الصَّفوَةِ” عن أحمدَ بنِ دَاوُدَ أنَّه قال: مَرَّ يَزِيد بِإبراهيمَ بنِ أدهَمَ وهو يَنطُرُ بُستَانًا فقال: نَاوِلنَا مِنَ هَذَا العِنَب، فقال إبراهيمُ: ما أَذِنَ لي صَاحِبُهُ، فَقَلَبَ يَزِيد السوطَ وَجَعل يضرِبُه بِه، فَطَأطَأَ إبرَاهيمُ رَأسَهَ وقال: اضرِب رَأسًا طَالَمَا عَصى اللهَ عز وجل، فَتَوَقَّفَ الرجلُ عنهُ.

كراماته

مَعلُومٌ عندَ المسلمينَ أنَّ بعضَ الأولياءِ يصدُر مِنهُم كَرَاماتٌ، وهي أمور خَارِقةٌ للعادَة تكونُ دليلا على صِدقِ اتِّباعِهِم لنبيِّهم، وقد كثر في أمة محمد ﷺ الكراماتُ، وكان إبراهيم بن أدهم واحدًا من أولئك الذين حصلت على أيديهم أمور كهذه.

فمِنهَا ما ذكره يُوسُفُ النَّبَهَانِي فِي «جامِعِ كرامَاتِ الأولياءِ» وهو أن قومًا أتوا إلى إبراهيم بن أدهم فقالوا: يَا أبا إسحٰق، إن الأسد وَاقِفٌ على طريقِنا، فأتى إبراهيمُ إلى الأسدِ فقال: يا أبا الحارث إن كنتَ أُمِرْتَ فِينَا بشىء فامض لما أُمرتَ به، وإن لَم تُؤمَر بِشَىءٍ فَتَنَحَّ عن طَرِيقِنَا، فَأدبَر الأَسَدُ وهو يُهَمهِمُ.

وفي كتاب “رَوضِ الرَّيَاحِينِ” كرامةٌ أخرى له، وهي أنه أراد ركوب سفينةٍ، فأَبَى الملاح إلا أن يَأخُذَ دِينارًا، فصلى إِبرَاهيمُ ركعتَينِ وقالَ: اللهُمَّ إنَّهم سألُونِي مَا ليسَ عندي وهو عِندَكَ كثيرٌ، فصار الرملُ دَنَانِير فأخَذَ واحِدًا دَفَعهُ له ولم يأخذ غَيرَه.

وَمِن كرَامَاتِه التي حصلت له فِي المصيصة -وهي مدينة في الشام يقال لها المنصورة- أنه خَرج إلى مَرجٍ (والمرج موضع مثل البستان فيه شجر) مِن مُرُوجِ الشام فالتَقَى بِأٌنَاسٍ يُوقِدُون نارًا حَولهم خَوفَ السِّباعِ، فطلبوا منه أن يَنضَمَّ إليهم فأَبَى وَجَلس في نَاحِيةٍ وحيدًا، وبينَمَا هو يُصلِّي الليلَ إذ أَتَتهُ ثَلاثَةُ أُسُود فتقدم الأولُ إليهِ فَشَمه وَطافَ حولَه ثم تَنَحَّى ناحِيةً فَرَبَضَ، ثم جاء الثاني فَفَعل كَفِعل الأولِ، ثم الثالثُ ففعلَ كفِعل الأولين، فلمَّا دَخَل السَّحَر قالَ لِلأُسُود: مَا الذي جاءَ بِكم أَتُريدُون أن تَأكُلُونِي، امضُوا، فقَامَت الأسودُ فتركَتهُ وذهَبَت، وكل ذلك علَى مَرأًى مِن القَومِ.

حِكَمُه ومَواعِظُه

من جملة حِكَمه التي رُويَت عنه ما قالَهُ في رسالَةٍ إلى سفيان الثوري يقول فيها:

مَنْ عرَفَ ما يطلُب هانَ عليهِ ما يبذُلُ، ومن أَطلَقَ بصَرَه طالَ أَسَفُه، ومن أطلَق أملَه ساءَ عَمَلُه، ومَن أطلق لِسَانَه قتلَ نفسَه
(إبراهيم بن أدهم)
قِلَّة الحِرصِ والطَّمعِ تورِث الصِدقَ والوَرَعَ، وَكثرَةُ الحِرصِ والطَّمع تُورثِ الهمَّ والجَزَع
(إبراهيم بن أدهم)

وعن أحمدَ بنِ خَضرَوَيهِ أن إبراهيمَ بنَ أدهمٍ قال لرجل في الطواف حول الكعبة:

اعلم أنك لا تنال درجة الصالحين حتى تَتجاوزَ ست عقباتٍ: أُولَاها أن تُغلِقَ بابَ النِّعمةِ وتفتَحَ بابَ الشدةِ، والثانيةَ أن تُغلِقَ باب العزِّ وتفتح باب الذل، والثالِثَةَ أن تغلق باب الراحةِ وتفتح باب الجُهد، والرابعةَ أن تغلق باب النوم وتفتح باب السَّهَر، والخامسةَ أن تغلق باب الغِنَى وتفتح باب الفَقرِ، والسادسةَ أن تغلق باب الأمل وتفتح باب الاستعداد للموت
(إبراهيم بن أدهم)
خالفتُم اللهَ فيما أنذَرَ وحذَّر، وعصَيتُمُوه فيمَا نهَى وأَمَر، وإنّما تحصُدُون ما تزرعون، وتَجنُونَ ما تَغرِسُون، وتُكَافَؤُون بما تفعَلُون، وتُجزَونَ بما تَعمَلُون، فاعلَمُوا إن كنتُم تعقِلُون، وانتَبِهُوا مِن رَقدَتِكُم لعلَّكُم تُفلِحُون، الحَذَرَ الحذرَ!! الجِدَّ الجِدَّ!! كُونُوا على حياءٍ منَ اللهِ، فواللهِ لقد سَتَر وَأمهَل وَجادَ فَأحسَنَ
(إبراهيم بن أدهم)
كان عامةُ دعائِه: اللهم انقلني من ذل معصيتك إلى عز طاعتك
(إبراهيم بن أدهم)

وفاته

ذكر صاحبُ “جامِعِ كراماتِ الأولياءِ” أنه تُوُفِّيَ في بلاد الشام سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَسِتِّيْنَ ومائةٍ، ودفن في جبلة مِن سَواحِلِ سُوريا، ورُوِيَ عن المنادي أنه قال: وقَد زُرتُه والحمدُ للهِ في جبلة وحَصَلَت لِي بَرَكَتُه، وله مَزَار عَظِيم وجَامِعٌ كبيرٌ قَدِيم، وأوقَاف كثيرةٌ.

وقال ابن الجوزي في “صفة الصفوة” إنه توفي بالجزيرة وحمل إلى صور فدفن فيها.

رحم اللهُ سيدَنَا ابراهيمَ بنَ أدهم وأمدَّنا بأمدادِه وحشَرَنا في زُمرَتِه وزُمرَةِ الصالحين يوم الدين.

والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى ءاله وصحبه الطيبين الطاهرين.