ما الحكم إذا وافق يوم العيد يوم الجمعة فصلينا العيد هل تسقط الجمعة؟

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد رسول الله، أما بعد:

الجواب

صلاةُ الجُمُعَةِ فَرضُ عَينٍ على كُلِّ مُسلِمٍ مكلف إذا اجتمعت فيه شروط وجوب الجمعة، لذلك إذا وافق يومُ العيد يومَ جمعة لا تسقط صلاة الجمعة بصلاة العيد، لأن:

1. صلاة العيد سنة مؤكدة، بينما صلاة الجمعة فرض عَين، والسنة لا تُسقِط الفرِيضَة ولا تُجزِئ عنها
2. وذلك لأن رسول الله ﷺ والصحابة لم يتركوا صلاة الجمعة حين اجتمع العيد والجمعة
3. ولعموم قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُون﴾
4. ولم يرد من استثناءات وجوب الجمعة أن يأتي العيد يوم جمعة.

أقوال العلماء في هذه المسألة

الإمام الشافعي رضي الله عنه

قال الإمام الشافعي والأصحاب
إذا اتفق يوم جمعة يوم عيد وحضر أهل القرى الذين تلزمهم الجمعة لبلوغ نداء البلد فصلوا العيد لم تسقط الجمعة بلا خلاف عن أهل البلد
قال الإمام الشافعي
ولا يجوز هذا لِأَحدٍ مِن أهلِ المِصرِ (البلد) أن يَدَعُوا أَن يُجَمِّعُوا إلا مَن لهم عُذرٌ يَجُوزُ لَهُم بِهِ تَركُ الجُمُعَة وَإِن كَانَ يَومَ عِيدٍ

أي لا يجوز لأهل البلد أن يتركوا الجمعة إلا من له عذر يُسقِطُ عنه الجمعة ولو كان يوم عيد.

قال الإمام الشافعي
وهكذا إن كان يوم الأضحى لا يختلف إذا كان ببلد يُجَمَّع فِيهِ الجُمُعَة ويُصَلَّى العيد
(أي لا يجوز ترك الجمعة ولو كان عيد أضحى، فلا يختلف الحكم.)

علماء الشافعية

الإمام أبو بكر محمد بن إبراهيم بن المنذر النيسابوري

قال الإمام أبو بكر محمد بن إبراهيم بن المنذر النيسابوري في كتابه الأوسط في السنن والإجماع والاختلاف بعد أن ذكر حادثة حصلت في زمن النبي ﷺ وزمن عثمان:

أجمع أهل العلم على وجوب صلاة الجمعة، ودلت الأخبارُ الثابتة عن رسول الله ﷺ على أن فرائِضَ الصلوَاتِ خَمسٌ، وصلاةُ العِيدَينِ ليسَت مِن الخَمسِ، وإذا دل الكتاب والسنة والاتفاق على وجوب صلاة الجمعة، ودلت الأخبار عن رسول الله ﷺ على أن فرائض الصلوات خمس، وصلاة العيدين تطوع، لم يجز ترك فرض بتطوع

الإمام النووي رحمه الله

قال الإمام النووي الشافعي في المجموع

قد ذكرنا أن مذهبنا وجوب الجمعة على أهل البلد وسقوطها عن أهل القرى (أي البعيدة) وبه قال عثمان بن عفان وعمر بن عبد العزيز وجمهور العلماء، وقال أبو حنيفة: لا تسقط الجمعة عن أهل البلد ولا أهل القرى

أقوال الأئمة من غير الشافعية

الإمام محمد بن الحسن الشيباني

قال الإمام محمد بن الحسن الشيباني في الجامع الصغير عن أبي حنيفة

عِيدَانِ اجتَمَعَا فِي يَومٍ واحِدٍ، فالأول سُنَّة والآخَر فَريضَة، ولا يُترَكُ واحِدٌ منهما (يعني العيد والجمعة)

ابن عابدين الحنفي

قال ابن عابدين الحنفي في حاشيته في باب العيدين

وتجب على من تجب عليه الجمعة، ثم قال: قال في الهداية ناقلا عن الجامع الصغير: عيدان اجتمعا في يوم واحد فالأول سنة والثاني فريضة ولا يُترَكُ وَاحِدٌ منهما. اهـ

⚠️ تنبيه مهم

القول بسقوط صلاة الظهر هذا لم يقل به أي مذهب من مذاهب أهل السنة، وهو مخالف للنصوص الموجبة للصلوات الخمس في اليوم والليلة، فلا يجوز العمل به ولا تقليده، ولا الإفتاء به، والله تعالى أعلم.

حادثة حصلت في زمن النبي ﷺ وزمن عثمان متعلقة بالمسألة

روى البيهقي في السنن عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أنه قَالَ: اجْتَمَعَ عِيدَانِ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: “إِنَّهُ قَدْ اجْتَمَعَ عِيدُكُمْ هَذَا وَالْجُمُعَةُ، وَإِنَّا مُجَمِّعُونَ، فَمَنْ شَاءَ أَنْ يُجَمِّعَ فَلْيُجَمِّعْ“، فَلَمَّا صَلَّى الْعِيدَ جَمَّعَ.

وعَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ رضي الله عنه أنه قَالَ: اجْتَمَعَ عِيدَانِ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: “مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَجْلِسَ مِنْ أَهْلِ الْعَالِيَةِ فَلْيَجْلِسْ فِي غَيْرِ حَرَجٍ” والعالية هي قرية بالمدينة من جهة الشرق.

وروى البخاري في صَحِيحِه عن عُثمَان بن عفان رضي الله عنه أنه قال في خطبته: (أيها الناس قد اجتمع عيدان في يومكم فمن أراد من أهل العالية أن يُصَلِّي معنَا الجُمُعة فليُصَلِّ ومَن أرَادَ أن يَنصَرِفَ فَليَنصَرِف) ولم ينكر عليه أحد من الصحابة.

بيان هذه الحادثة

إِنَّما رَخَّص الشَّرعُ الحنيف إن اتَّفق يومُ عِيدٍ ويَومُ جُمُعة فحضر أهل القرى فصلَّوا العِيدَ أن ينصَرِفُوا ويترُكُوا الجمعة، لأنهم إذا قعدوا في البلد لم يتهيأوا للعيد، وإن خرجوا ثم رجعوا للجمعة كان عليهم في ذلك مشقة والجمعة تسقط بالمشقة.

والقول الفصل الشافي في هذه الحادثة ما قاله إمام مذهبنا الإمام الشافعي في كتاب الأم في باب اجتماع العيدين بعد أن روى قول رسول الله ﷺ: “مَن أَحَبَّ أَن يَجلِسَ مِن أَهلِ العَالِيَةِ فَليَجلِس فِي غَيرِ حَرَجٍ”: (إِذَا كَانَ يَومُ الفِطرِ يومَ جُمُعَة صَلَّى الإِمَامُ العِيدَ حِينَ تَحِلُّ الصَّلَاةُ ثم أَذِن لِمَن حَضَرَه مِن غَيرِ أهلِ البلد بِأَن يَنصَرِفُوا إِن شَاءُوا إِلَى أَهلِيهِم ولا يَعُودُون إلى الجُمُعَة والاختِيَارُ لَهُم أن يُقِيمُوا حَتَّى يُجَمِّعُوا أَو يَعُودُوا بَعدَ انصِرَافِهم إِن قَدَرُوا حَتَّى يُجَمِّعُوا وإِن لَم يَفعَلُوا فَلَا حَرَج إِن شَاءَ اللهُ تَعَالَى، وَلَا يَجُوزُ هَذَا لِأَحَدٍ مِن أَهلِ البَلَد أَن يَدَعُوا أَن يُجَمِّعوا إلَّا مَن لهم عُذرٌ يجوز لهم به ترك الجمعة، وإن كان يوم عيد).

وفي الموطأ للإمام محمد أيضا عن الإمام مالك بن أنس عن محمد بن شهاب الزهري عن أبي عُبَيدٍ مَولَى ابنِ أَزهَر أنه قال في حديثه: (شهدت العيد مع عثمان بن عفان رضي الله عنه، فصلى ثم انصرف، فَخَطَب فقال: (إنه قد اجتمع لكم في يومكم هذا عيدان فمن أحب من أهل العالية أن يرجع فقد أذنت له)، ثم قال محمد: (وبهذا كله نأخذ، وإنما رخص عثمان في الجمعة لأهل العالية لأنهم ليسوا مِن أهل البلد (أي ليسوا من أهل المدينة فلا تجب الجمعة عليهم للمشقة)).

الخلاصة

بِهَذَا الذِي ذَكرنَاه ظَهَر مَذهَب الأَئِمة الثَّلَاثَة وأَصحَابِهِم وَهُو عَدَم سُقُوطِ الجُمُعة يَومَ العِيدِ، ودَلِيلُهم الكِتَاب والسُّنَّة المُستَفِيضَة والعَمَل المُتَوارَث والإجمَاعُ في فَرِيضَة الجُمُعة عَلى أهلِ الأمصَارِ (البلاد) مِنَ الرِّجَال غَيرِ المَعذُورِين فَرضًا عَامًّا.

ولهَذِه الأقوالِ التِي ذَكرنَاهَا كلِّها فَالاحتِيَاطُ في الدِّينِ يَقضِي بِالمُحَافَظَة عَلى الصَّلَاتَين في ذَلك اليَوم، وَهُو مَا ذَهَب إلَيه جَمَاهِير فُقَهاءُ المُسلِمِين مِن الحَنَفِيَّة والمَالِكِيَّة والشَّافِعِيَّة ورِوَايَةٍ عِندَ الحَنَابِلَة.