الخطبة الأولى
الحمدُ للهِ الذي أَنْعَمَ عَلَيْنَا بِإِظْهَارِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ سَيِّدِ البَشَرِ، وقَدَّرَ وِلَادَتَهُ فِي هَذَا الشَّهْرِ الشَّرِيْفِ الأَزْهَرِ، وَأَرْسَلَهُ رَحْمَةً للعالمينَ فكانَ خيرَ مَنْ بَشَّرَ وأَنْذَر، أَحمَدُهُ تعالَى حَمْدَ مَنْ أَمَرَ بالمعروفِ ونَهَى عنِ المنكر، وأشهدُ أنْ لَا إله إلَّا اللهُ وحدَهُ لَا شريكَ لهُ شهادةً أنجو بها مِنَ العذابِ الأكبرِ، وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُهُ ورسولُهُ صاحبُ المعجزاتِ التي بطولِ الزمانِ ذكرُهَا يُنشر، اللهم صلِّ وسلمْ وأنعمْ وأكرمْ علَى سيدِنَا محمدٍ فخرِ ربيعةَ ومضر، مَنِ انشقَ لهُ القمر، وكَلَّمَهُ الضبُّ والشجر، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَمَنْ لِنَهْجِهِ اتَّبَعَ ونَشَر، صَلَاةً وَسَلَامًا دَائِمَيْنِ مَا أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ وكَبَّر، أمَّا بعدُ عبادَ اللهِ فإنِّي أوصيكُمْ ونفسيَ بتقوى اللهِ العليِّ العظيمِ القائلِ في سورة الجمعة: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾، إخوة الإيمانِ: إِنَّ مِنْ تكريمِ اللهِ سبحانَه وتعالَى لهذه الأمة أَنْ جعلَ محمدًا ﷺ نبيَّها، فَبِهِ رفعَ اللهُ تعالَى قَدْرَ هذهِ الأمةِ، وزَكَّى قلُوبَهَا، وفَتَحَ عُقُولَهَا، ونَقَلَهَا مِنْ ظلُمَاتِ الجهلِ إلَى نورِ العلمِ، فَفَتَحَتْ أُمَّتُنَا القلوبَ والعقولَ ولَا زالَتْ أُمَّتُنَا قادرةً علَى متابعةِ سيرةِ نبيِّهَا ﷺ، والالتزامِ بهديِهِ ونهجِهِ والمحافظةِ علَى إرثِهِ وَهُوَ علمُ الدينِ.
عباد الله: قال الله عز وجل: ﴿قَدْ أَنزَلَ اللهُ إِلَيْكُمْ ذِكْرًا، رَّسُولًا يَتْلُو عَلَيْكُمْ ءايَاتِ اللهِ مُبَيِّنَاتٍ لِّيُخْرِجَ الَّذِينَ ءامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾، لقد أرسلَ اللهُ عزَّ وجلَّ رسولَه محمدًا ﷺ بالهدى ودينِ الحقِّ فعمَّتْ أنوارُ هدايتِه وانتشرتْ آثارُ بعثتِه وبروزِه للعالمينَ فكانَ هاديًا إلى طريقِ الحقِّ ومبشرًا بنعيمٍ أبديٍّ لمنْ آمنَ به ومنذرًا مِن عذابٍ أليمٍ لمنْ كذَّبَه، وكانَ داعيًا إلى اللهِ بإذنِه وسراجًا وهَّاجًا وقمرًا منيرًا يضيءُ طريقَ الحَيارَى ويبينُ لهم، فهو صاحبُ الفضلِ العظيمِ والخيرِ العميمِ وصاحبُ الأخلاقِ العليا والأيادي البيضاءِ وهو صاحبُ الوسيلةِ والفضيلةِ والمقامِ المحمودِ والحوضِ المورودِ.
إخوة الإيمان: هذا النبيُّ العظيمُ بعثه ربُّه رحمةً للعالمينَ ليعلِّمَ الناسَ الخيرَ، ليأمرَهُم بالبِرِّ، وَيُبَيِّنَ لهم شرائعَ الإسلامِ، هذا النبيُّ الكريمُ عظيمُ القدرِ عندِ اللهِ تعالى، ببروزِ نورِ مولدِه ﷺ للدنيا بدأَتْ راياتُ الباطلِ وصروحُ الشركِ والوثنيةِ تنمحِي وانقلبَ مسارُ التاريخِ من أسوءِ الأحوالِ التي كانوا عليها إلى أنْ صاروا دعاةً إلى الخيرِ والتوحيدِ ومحاسنِ الأخلاقِ، فاللهُ تعالى رحِمَنَا بمحمدٍ ﷺ وهوَ القائلُ لنبيِّه صلواتُ ربِّي وسلامُه عليه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِيْنَ﴾، وقد قال رسولُ الله ﷺ: ((إِنَّمَا أَنَا رَحْمَةٌ مُهْدَاةٌ)) رواه ابن أبي شيبة، وإنَّ آثارَ ولادةِ نبيِّنا ﷺ ظاهرةٌ على البشريةِ وظاهرةٌ عبرَ السنين، ويشهدُ بها القريبُ والبعيدُ والصديقُ والعدو.
عباد الله: محمدٌ ﷺ علَّمَ الدنيا مكارمَ الأخلاقِ ومحاسنَها فقد بُعِثَ لإتمامِها وهو القائلُ: ((إِنَّمَا بُعِثْتُ لِأُتَمِمَ مَكَارِمَ الأَخْلَاقِ))، هو صاحبُ الخلُقِ العظيمِ الذي قال تعالى في وصف خُلُقِهِ: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىْ خُلُقٍ عَظِيْمٍ﴾، كانَ الناسُ قبلَ بروزِهِ للدنيا منغمسينَ في القبائحِ والرذائلِ وبعيدينَ كلَّ البعدِ عن الأخلاقِ الحسنةِ، فصاروا بعدَه ﷺ دعاةً إلى ما يُسْتَحْسَنُ مِنَ الأخلاقِ مِنْ حِلْمٍ وعطفٍ وصَفْحٍ وإحسانٍ للجارِ وبرٍّ للوالدينِ وغيرِها مِنْ محاسنِ الأخلاقِ. كان الناسُ قبلَ بعثتِه يعبدونَ الأصنامَ والكواكبَ ويعبدونَ بعضَهم البعضَ حتَّى وصلَ الجهلُ ببعضِهم أنَّه يصنعُ صنمًا مِنْ تمرٍ فيعبُدُه وعندَما يجوعُ يأكلُه، وصارُوا بعدَ اتِّبَاعِ محمدٍ ﷺ دعاةً إلى التوحيدِ وإلى أنوارِ الهدايةِ وإلى عبادةِ اللهِ الواحدِ الأحدِ الذي ليسَ كمثلِه شىءٌ الذِي ليسَ جسمًا ولا يشبِه الأجسامَ الذي لا يحويهِ مكانٌ ولا يجرِي عليهِ زمانٌ، فقدْ دعاهُم ﷺ إلى إعمالِ التفكيرِ والنظرِ في مخلوقاتِ الله تعالى فيستدلُّونَ بذلكَ على أنَّ الخالقَ سبحانَه وتعالى لا يشبِه الخلقَ بوجهٍ مِن الوجوهِ ولا يوصفُ بصفاتِ البشرِ، بعدَ أنْ كانُوا على التقليدِ الأعمَى لآبائِهم في شركِهم وأخلاقِهم، روى ابنُ حبانَ أنَّ النبيَّ ﷺ قرأَ هذهِ الآياتِ ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآياتٍ لأُولِي الأَلْبَابِ﴾ إلى آخر السورةِ وقال: ((وَيْلٌ لِمَنْ قَرَأَهَا وَلَمْ يَتَفَكَّرْ فِيْهَا))، فهذه دعوةٌ للتفكرِ في مخلوقاتِ اللهِ عز وجل، وهوَ ممدوحٌ في شرعِ اللهِ عز وجل، وكانَ هذا الأمرُ قبلَ بعثتِه عليه الصلاة والسلام لا يُلتَفَتُ إليه بل كانوا يُقَلِّدُونَ آباءَهُم بعباداتِهم الفاسدةِ ولا يرضونَ ببديلٍ غيرِ هذا، فنوَّرَ محمدٌ ﷺ عقولَهُم وقلوبَهُم بنورِ الإيمانِ والتوحيد. فآمَنَ بهذا الخيرِ الذي جاءَ به نبيُّ الرحمةِ ﷺ أناسٌ اطمأنتْ قلوبُهم لذلكَ وكانوا أئمةً يُقتَدَى بهم فهمُ الذينَ تربَّوا في مدرسةِ محمدٍ ﷺ وشربُوا مِنْ هذَا الماءِ الصافي الزلالِ، ونهلوا مِنْ معينِ هذهِ الأخلاقِ العليا فانطلقوا بعدَه ﷺ وبما تعلمُوا منه وبما أخذُوا منه مِنْ إرشاداتٍ ونصائحَ ينشرونَ أنوارَ الحقِّ في مشارقِ الأرضِ ومغاربِها حتى وصلُوا إلى أقصى الشرقِ إلى بلادِ الهندِ والسندِ، وإلى أقصى الغربِ إلى الأندلسِ وما حولَهَا في أقلَّ مِنْ قرنٍ مِنَ الزمنِ.
عباد الله: كانت دعوةُ رسولِ الله ﷺ بالعلمِ والبينةِ والحجةِ الواضحةِ التي لا التباسَ فيها، وكانتْ دعوةً للعلمِ فهو الذي كان يحذرُ مِن الجهلِ ومغبَّاتِه وما يُؤَثِّرُ به على المجتمعاتِ فإنَّ الجهلَ يدمرُ المجتمعاتِ تدميرًا، ويؤدي إلى انتشارِ الأفكارِ الموبوءةِ والشاذةِ التي تخالفُ القيمَ والمبادئَ الإنسانيةَ والإسلاميةَ، قال تعالى مبيِّنًا علوَّ قدرِ العلماءِ: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾، وقالَ تعالى مبينًا مكانةَ العلماءِ في الإسلامِ ورفعةَ مقامِهم: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾. وعن أبي أُمامةَ رضيَ الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «فَضْلُ العَالِمِ عَلَى العَابِدِ كَفَضْلِي عَلَى أَدْنَاكُمْ»، ثم قالَ رسول الله ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ وَأَهْلَ السَّمَوَاتِ وَالأَرَضِينَ حَتَّى النَّمْلَةَ فِي جُحْرِهَا وَحَتَّى الحُوتَ لَيُصَلُّونَ عَلَى مُعَلِّمِ النَّاسِ الخَيْرَ»، رواه الترمذي، فيا له مِن فضلٍ كبيرٍ وشرفٍ عظيم. أقولُ قوليَ هذَا وأستغفرُ اللهَ لي ولكمْ فيَا فوزَ المستغفرين.
الخطبة الثانية
الحمدُ للهِ لهُ النعمةُ وله والفضلُ وله الثناءُ الحَسَنُ والصلاةُ والسلامُ على سيدنَا محمدٍ سيدِ البشرِ، عبادَ اللهِ اتقوا اللهَ وأطيعوهُ. أمَّا بعدُ عبادَ اللهِ:
بعدَ كل هذا البيان في ذكري لنورِ مولدِ محمدٍ ﷺ أذكرُ أنَّ الصحابةَ الكرامَ رضي الله عنهم همْ مَن حملُوا رسالةَ الإسلامِ السمحةَ الداعيةَ إلى العدلِ والاعتدالِ والوسطيةِ والتوسطِ في الأمورِ ونبذِ الغلوِّ والتطرفِ، وكانَ الذينَ ابتعدوا عن إرشاداتِه وتعاليمِه ﷺ همُ الذين تخبَّطُوا في البلادِ وأفسدُوا فيها، فمَنْ مشى على نهجِ محمدٍ ﷺ اهتدَى ومَنِ اقتدَى به نجَى يومَ الدينِ ومَن اقتفَى أثرَه أفلحَ وسعدَ في الدنيا والآخرةِ.
عِبَادَ اللهِ إِنَّ اللهَ قَدْ أَمَرَكُمْ بِأَمْرٍ عَظِيْمٍ قَدْ أَمَرَكُمْ بِالصَّلَاةِ عَلَى نَبِيِّهِ الكَرِيمِ فَقَالَ {إنَّ اللهَ وملائكتَهُ يصلونَ على النبيِّ يا أيُّهَا الذينَ ءامَنُوا صَلُّوا عَليهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} لبيكَ اللهم صلِّ على محمدٍ وعلى آل محمدٍ كما صليتَ على إبراهيمَ وعلى آلِ إبراهيمَ وبارك على محمدٍ وعلى آل محمدٍ كما باركتَ على إبراهيمَ وعلى آلِ إبراهيمَ في العالمينَ إنكَ حميدٌ مجيدٌ. اللهم اغفر للمسلمينَ والمسلماتِ والمؤمنينَ والمؤمناتِ الأحياءِ منهم والأموات، اللهم ارفعِ البلاءَ والأمراضَ عنِ المسلمينَ، وَفَرِّجْ عَنَّا وَقِنَا شَرَّ مَا نَتَخَوَّفُ، اللهم فَرِّجِ الكَرْبَ عَن إخواننا المسلمين في كل مكان يَا رَبَّ العَالَمِيْنَ، اللهم عليك باليهود الغاصبين، وارزقنا صلاة في المسجد الأقصى قبل الممات، اللهم اجعلْ هذا البلدَ آمنًا مطمئنًا سخاءً رخاءً وسائرَ بلادِ المسلمينَ، اللهم وَفِّقْ مَلِكَ البلادِ لِمَا فيه خيرُ البلادِ والعبادِ يا ربَّ العالمينَ ارزقْهُ البطانَةَ الصالحةَ التي تأمرُهُ بالمعروفِ وتنهاهُ عنِ المنكرِ، عبادَ اللهِ إنَّ اللهَ يأمرُ بالعدلِ والإحسانِ وإيتاءِ ذي القربى وينهى عنِ الفحشاءِ والمنكرِ والبغي يعظكُمْ لعلكم تذكرونَ وأقمِ الصلاةَ.
