الخطبة الأولى

الحمدُ للهِ الواحدِ القديمِ، الماجدِ العظيمِ، المنَّانِ الكريمِ، الرحمنِ الرحيم، أنعم بالعطايا فإنعامُهُ عميم، وسترَ الذنوبَ والخطايا فهو الغفورُ الرحيم، ابتلى من شاءَ بما شاءَ فالواجبُ في ابتلائِهِ الرضا والقَبولُ والتسليم، قَسَمَ عبادَه قِسمينِ طائعٍ وأثيمٍ وجعلَ مآلَهم إلى دارينِ دارِ النعيمِ ودارِ الجحيمِ، فمنهم من عصمهُ من الخطايا ومنهم من قضى له أن يبقَى على الذنوبِ ويُقيم، ومنهم من يترددُ بين الأمرينِ والعبرةُ بالخواتيمِ، أنعم علينا بالفضلِ الوافرِ العميمِ وهدانا بمنِّه إلى الصراطِ المستقيمِ، فله الحمدُ والتعظيم. وأشهدُ أن لا إله إلا الله وحدَه لا شريكَ له شهادة ننجو بها يومَ القيامةِ من العذابِ الأليمِ، وأشهدُ أن سيدَنا وحبيبنا محمدا عبده ورسولُه الهادي للنهجِ القويمِ، اللهم صلِّ وسلمْ وأنعمْ وباركْ على سيدِنا محمدٍ وعلى ءالِه وصحبِه الطيبين الطاهرين.

عبادَ اللهِ أوصيكم ونفسيْ بتقوى اللهِ العظيم، اتقوا اللهَ تعالى في السرِّ والعلنِ، اتقُوا اللهَ تعالَى القائلَ في كتابهِ العظيمِ:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ}(الحشر:18).

إخوة الإيمانِ والإسلام: التاريخ الإسلامي يشهدُ بما كان يصنعُهُ أعداءُ هذه الأمةِ في المسلمين، فكم عُذّب ءالُ ياسرٍ من أبي جهل؟! وكم عذّبَ سيدُنا بلالٌ رضي الله عنه؟! كان رضي الله عنه يُسحبُ في الصحراءِ وتوضعُ على صدرِهِ الصخرةُ العظيمةُ ويُدفنُ بالحجارةِ. وكم عذّب سيدُنا خبّابُ بن الأرتّ؟! يجرّدُ من ثيابِهِ ويلصقُ ظهرُهُ على الجمرِ فلا يطفِئِهُ إلا وَدَكُ(1) ظهرِهِ، استقوى هؤلاء الكفّارُ على ضعفةِ المسلمين؛ ليدخلوا الوهنَ في قلوبِ المسلمينَ ومن يفكرُ الدخولَ في الإسلام. وملةُ الكفرِ واحدةٌ وطريقتُهُم واحدة كحالِنا في هذه الأيام، اليهودُ يستعرِضونَ قوّتَهم على المسلمين في غزّة، في قِطاعٍ أوسعُ ما يكونُ في عرضِهِ 10 كم، يتقوَّونَ بأسلحتِهِم عليهم، وهم من أجبنِ خلقِ اللهِ تعالى؛ ولكن تذكرْ جيدا أخي المسلم أن أبا جهل الذي استعرضَ قوتَهُ على امرأةٍ سلّط اللهُ عليه يومَ بدرٍ شابّينِ ضرباهُ بالسيفِ حتى وقع على الأرضِ فجاءَ الصحابيُّ الجليل عبدُ اللهِ بنُ مسعودٍ رضي الله عنه والذي كان نحيلَ الجسمِ فصعد على صدرِهِ وأراحَ المسلمينَ منه، فمهما بلغت قوةُ أعداءِ الدين لنكن على يقينٍ أن نصرَ اللهِ تعالى ءاتٍ وقريبٌ بإذن الله تعالى ولكن لا بدّ وأن نتحلى بالصبرِ.

إخوة الإسلام: يقولُ الله تباركَ وتعالى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ}(البقرة:153)أمرٌ من اللهِ تعالى أن نستعينَ على المَصائبِ بالصبرِ والذي به تُنالُ كلُّ فضيلةٍ، وبالصلاةِ والتي تنهى عن كلِّ رذيلة،ثم قال اللهُ تعالى:{وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ}(البقرة:154)فهم أحياءٌ بحياةٍ كريمةٍ طيّبةٍ بما نالوا من شرفِ الشهادةِ في سبيلِ اللهِ تعالى، ثم قال تعالى:{وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ}(البقرة:155)فاللهُ تبارك وتعالى سيبتلينا شئنا أو أبينا بشيءٍ أي قليلٍ من الخوفِ والجوعِ ونقصٍ في أموالِنا وأنفسِنا وثمراتِنا، ولكنْ بشِّرِ الصابرين {الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ}(البقرة:156) فبدلَ أن تعترضَ على اللهِ تعالى فتكونَ شبيها لإبليسَ سلِّمْ أمرَكَ للهِ تعالى خالقِ كلِّ شيء، وقلْ “إنّا لله وإنا إليه راجعون” إنا لله أي أنا عبدٌ للهِ، أي أنا خلقٌ من خلقِ اللهِ تعالى يفعلُ بي ما أراد، وإنا إليه راجعون، أي أنا راجعٌ لحسابِ الله تعالى، وقد روى الإمامُ مسلمٌ في صحيحِهِ أن رسولَ اللهِ ﷺ قال:“مَا مِنْ مُسْلِمٍ تُصِيبُهُ مُصِيبَةٌ فَيَقُولُ مَا أَمَرَهُ اللَّهُ { إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ } اللَّهُمَّ أْجُرْنِي(2) فِي مُصِيبَتِي وَأَخْلِفْ لِي خَيْرًا مِنْهَا(3) إِلَّا أَخْلَفَ اللَّهُ لَهُ خَيْرًا مِنْهَا”فأكثروا إخوةَ الإسلامِ من هذا القولِ والدعاءِ، فالبلاءُ الذي حلّ فينا وفي إخوتِنا في غزّة وفلسطين عظيم، واعلموا أنّ الصبرَ ضياء، ونتيجتَهُ عظيمةٌ كما قال الله تعالى:{أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ}(البقرة:157) فنتيجةُ الصبرِ أخي المسلم الرحمةُ الخاصةُ من الله تعالى؛ وقد روى الترمذيُّ(4) عن الصحابيّ الجليلِأَبِي هُرَيْرَةَ رضي اللهُ عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:“مَا يَزَالُ الْبَلَاءُ بِالْمُؤْمِنِ وَالْمُؤْمِنَةِ فِي نَفْسِهِ وَوَلَدِهِ وَمَالِهِ حَتَّى يَلْقَى اللَّهَ وَمَا عَلَيْهِ خَطِيئَةٌ” نسألُ الله تعالى أن يجعلَنا من الصابرين، وأن ينصُرَ ويصبِّرَ إخوانَنا المسلمين المرابطين في غزةَ وفي فلسطين، وأن يتقبّل شهداءهم، ويشفيَ جرحاهُم، هذا وأستغفرُ اللهَ العظيمَ لي ولكم.

الخطبة الثانية

الحمدُ للهِ نستعينُه ونستغفرُه ونستهديه، ونعوذُ باللهِ من شرورِ أنفسِنا، من يهدِ اللهُ فلا مضلَّ له ومن يضللْ فلا هاديَ له. وأشهدُ أن لا إله إلا الله وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُه ورسولُه أرسلَهُ بالحقِّ بشيرًا ونذيرًا، عبادَ اللهِ اتقوا اللهَ وأطيعوهُ. أمَّا بعدُ عبادَ اللهِ:البعضُ اليوم يقولون: “احنا شو قادرين نعمل لغزة والمسلمين فيها؟ أو شو قادرين نعمل للمسجد الأقصى وفلسطين؟” فاعلمْ أخي المسلم أننا قادرون على فعلِ شيءٍ، فهذا سيدُنا صلاحُ الدينِ الأيوبيُّ رضي الله عنه حصل معه ذاتَ مرّةٍ أنه أعطى إجازةً للجندِ باستثناء القليلِ منهم، فسمعَ الرومُ بذلك فعزموا على الهجومِ عليه فبلغَهُ الأمر، ففكّرَ في أنه لو خرجَ لقيلَ هربَ السُّلطان، ولو بقي يُقالُ قُتلَ السُّلطان، وكان الذين حولَهُ علماءَ صالحين، فاستشارَ أحدَهم فأخبره العالمُ بأنه إذا انقطعتْ الأسبابُ الأرضيةُ فليلْجأْ إلى الأسبابِ السماويةِ، أي إلى الأسبابِ التي تأتي من الملائكةِ سكانِ السماءِ بأمرِ اللهِ تعالى، وطلب من السلطانِ صلاحِ الدين الأيوبيِّ أن يغتسلَ – وكان يومَ جمعةٍ – ويصليَ على العادةِ بالأقصى موضعِ مسرى النبيِّ ﷺ، ويُقدِمَ على التصدُّقِ بشيءٍ خفيةً على يدِ من يثقُ به، وأن يصليَ السلطانُ ركعتينِ بينَ الأذانِ والإقامةِ ويدعوَ اللهَ في سجودِهِ فقد ورد فيه حديثٌ صحيحٌ وأن يقولَ في باطِنِهِ: إلهي قد انقطعتْ أسبابي الأرضية في نصرةِ دينِك ولم يبقَ إلا الإخلادُ إليك والاعتصامُ بحبلِكَ والاعتمادُ على فضلِكِ أنت حسبي ونعمَ الوكيل. ثم قال له: فإن اللهَ أكرمُ من أن يُخيبَ قصدَكَ ففعل السلطانُ صلاحُ الدين الأيوبيُّ ذلك كلَّه، فأمر بإخراجِ الصدقةِ سرًّا، واغتسلَ وصلّى الركعتينِ بين الأذانِ والإقامةِ، ودعا اللهَ تعالى ساجدًا ودموعُهُ تتقاطرُ على شَيبتِهِ ثم على سَجَّادتِهِ، فلم يلبثوا إلا وقتا يسيرا حتى جاءه الخبرُ بأنَّ قادةَ العدوِّ دبّ الخلافُ بينهم واقتتلوا ثم عادوا إلى ديارِهم(5). فإذا انقطعت بنا الأسبابُ الأرضيةُ فلنلجَأْ إلى الأسبابِ السماوية، لنلجأْ إلى الصدقةِ على الفقراء، والتضرعِ إلى اللهِ تعالى بالدعاءِ في صلاتِنا بأن يحفظَ المسلمينَ في غزة، وبأن يحفظَ المسجدَ الأقصى، نسألُ اللهَ تعالى أن يتقبّلَ منا، وأن يثبِّتَ المسلمين المرابطينَ في غزةَ وفلسطين، إنه على كل شيءٍ قديرٌ وبعبادِه لطيفٌ خبيرٌ.

عِبَادَ اللهِ إِنَّ اللهَ قَدْ أَمَرَكُمْ بِأَمْرٍ عَظِيْمٍ أَمَرَكُمْ بِالصَّلَاةِ عَلَى نَبِيِّهِ الكَرِيمِ فَقَالَ:{إنَّ اللهَ وملائكتَهُ يصلونَ على النبيِّ يا أيُّهَا الذينَ ءامَنُوا صَلُّوا عَليهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا}لبيكَ اللهم صلِّ على محمدٍ وعلى آل محمدٍ كما صليتَ على إبراهيمَ وعلى آلِ إبراهيمَ وبارك على محمدٍ وعلى آل محمدٍ كما باركتَ على إبراهيمَ وعلى آلِ إبراهيمَ في العالمينَ إنكَ حميدٌ مجيدٌ. اللهمّ اغفر للمسلمينَ والمسلماتِ والمؤمنينَ والمؤمناتِ الأحياءِ منهم والأموات، اللهم فَرِّجِ الكَرْبَ عَنِ الأَقْصَى يَا رَبَّ العَالَمِيْنَ، يا الله احفظِ المسلمين والمسجدَ الأقصى من أيدي اليهودِ المدنسين، يا اللهُ انصرِ الإسلامَ والمسلمين، يا قويُّ يا متينُ انصرِ المسلمين في غزة، يا اللهُ يا من لا يعجِزُكَ شيءٌ ثبِّتْ المسلمينَ في غزّة وأمدّهم بمددٍ من عندِك، وارزقهم نصرا قريبا، اللهم عليك باليهودِ أعداءِ هذا الدين، اللهم احصِهم عددا، واقتلهم بددا، ولا تغادرْ منهم أحدا، يا الله يا رحمنُ يا رحيمُ اشفِ جرحى المسلمين في غزة وفلسطين، وتقبّلْ شهداءهم، وأنزلِ الصبرَ والسكينةَ على قلوبِ أهلِهم، اللهم ارفعِ البلاءَ والأمراضَ عنِ المسلمينَ، وَفَرِّجْ عَنَّا وَقِنَا شَرَّ مَا نَتَخَوَّفُ، لَا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِيْنَ اللهمّ أنتَ اللهُ لا إلهَ إلا أنتَ، أنتَ الغنيُّ ونَحنُ الفقراءُ، اللهم فرج كروبنا واستر عيوبنا وأذهب همومنا يا رب العالمين. اللهمّ أغِث قلوبَنا بالإيمانِ واليقين، اللهم اجعلْ هذا البلدَ آمنًا مطمئنًا سخاءً رخاءً وسائرَ بلادِ المسلمينَ، اللهم وَفِّقْ مَلِكَ البلادِ لِمَا فيه خيرُ البلادِ والعبادِ يا ربَّ العالمينَ ارزقْهُ البطانَةَ الصالحةَ التي تأمرُهُ بالمعروفِ وتنهاهُ عنِ المنكرِ، عبادَ اللهِ إنَّ اللهَ يأمرُ بالعدلِ والإحسانِ وإيتاءِ ذي القربى وينهى عنِ الفحشاءِ والمنكرِ والبغي يعظكُمْ لعلكم تذكرونَ وأقمِ الصلاةَ.

الحاشية

1. شحم
2. أي أعطني أجرا على صبري على مصيبتي.
3. أي ردّ علي خيرا منها.
4. في سننه وقال هذا حديثٌ حسنٌ صحيح.
5. ذكر هذه القصة أبو المحاسن بن شداد في سيرة السلطان صلاح الدين الأيوبي، وكذا ابن الفرات في تاريخه.