بِسمِ اللهِ الرَّحمَنِ الرَّحِيمِ

الحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللهِ، أَمَّا بَعدُ:

المقدمة

يَقُولُ ابنُ عَاشِرٍ فِي الدُّرِّ الثَّمِينِ:

رَدًّا وَتَسبِيحُ السُّجُودِ وَالرُّكُوعِ *** سَدلُ يَدٍ تَكبِيرُهُ مَعَ الشُّرُوعِ

ذَكَرَ ابنُ عَاشِرٍ وَشَارِحُ أَبيَاتِ ابنِ عَاشِرٍ (ت ١٠٤٠هـ) مُحَمَّدُ بنُ أَحمَدَ مَيَّارَةَ المَالِكِيُّ الفَاسِيُّ (ت ١٠٧٢هـ) أَنَّ مِن مَندُوبَاتِ الصَّلَاةِ سَدلَ اليَدَينِ، وَهَذَا مُخَالِفٌ لِمَذهَبِ الإِمَامِ مَالِكٍ نَفسِهِ، فَالإِمَامُ مَالِكٌ يَرَى استِحبَابَ قَبضِ اليَدَينِ فِي الصَّلَاةِ وهذا مذهبه الذي ذكره في الموطأ، فَهُوَ الَّذِي أَورَدَ حَدِيثَينِ فِي المُوَطَّأِ عَنِ استِحبَابِ قَبضِ اليَدَينِ فِي الصَّلَاةِ، فَالحَدِيثُ الأَوَّلُ الَّذِي أَورَدَهُ مَالِكٌ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ: مِن كَلَامِ النُّبُوَّةِ: “ِإِذَا لَم تَستَحِي فَافعَل مَا شِئتَ، وَوَضعُ اليَدَينِ إِحدَاهُمَا عَلَى الأُخرَى فِي الصَّلَاةِ“، وَالحَدِيثُ الآخَرُ: “كَانَ النَّاسُ يُؤمَرُونَ أَن يَضَعَ الرَّجُلُ يَدَهُ اليُمنَى عَلَى ذِرَاعِهِ اليُسرَى فِي الصَّلَاةِ“، هَذَا حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ وَعَالِي الرُّتْبَةِ وَرَوَاهُ البُخَارِيُّ أَيضًا، وَثَبَتَ عَن غَيرِ وَاحِدٍ مِن أَصحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَنَّهُ كَانَ يَضَعُ اليُمنَى عَلَى اليُسرَى فِي الصَّلَاةِ، كَمَا ذَكَرَهُ سُحنُونُ فِي المُدَوَّنَةِ، وَهِيَ مِن كَلَامِ مَالِكٍ.

وقد ورَد عنهُ ﷺ في رواياتٍ كثيرةٍ: أنَّه كانَ يضَعُ كفَّ يدِه اليُمنى على ظَهرِ كفِّه اليُسرى في الصَّلاةِ والرُّسْغِ والسَّاعدِ؛ كما في حديثِ وائلِ بنِ حُجْرٍ رَضيَ اللهُ عنه عندَ أبي داودَ، والرُّسْغُ: هو المفصلُ بيْنَ الساعِدِ والكفِّ، وعلى هذا كان عمَلُ الصَّحابةِ رِضوانُ الله عليهم. وفي الحديثِ: بيانُ مَوضعِ اليدَينِ أثناءَ القِراءةِ في الصَّلاةِ قائمًا.

وَالإِمَامُ مَالِكٌ لَا يُخَالِفُ كَلَامَ رَسُولِ اللهِ ﷺ، لِأَنَّ مَذهَبَ مَالِكٍ وَمَذهَبَ المَالِكِيَّةِ استِحبَابُ وَضعِ اليُمنَى عَلَى اليُسرَى فِي الصَّلَاةِ، كَغَيْرِهِ مِنَ المَذَاهِبِ كَالشَّافِعِيَّةِ وَالحَنَفِيَّةِ والحنابلة.

توطئة وتمهيد

كَانَ هُنَاكَ رَجُلٌ اسمُهُ أَسَدُ بنُ الفُرَاتِ بْنُ سِنَانٍ القَيرَوَانِيُّ (ت ٢١٣هـ)، وَكَانَ أَصلُهُ مِن بِلَادِ الشَّامِ مِن دِيَارِ بَكرٍ، ثُمَّ انتَقَلَ وَالِدُهُ إِلَى القَيرَوَانِ فِي تُونُسَ (فِي الْمَاضِي تُوْنُسُ كَانَتْ تُسَمَّى إِفْرِيْقِيَّة). وَكَانَ أَسَدُ بنُ الفُرَاتِ تِلمِيذَ مُحَمَّدِ بنِ الحَسَنِ الشَّيبَانِيِّ صَاحِبِ أَبِي حَنِيفَةَ، وَمُحَمَّدُ بنُ الْحَسَنِ الشَّيْبَانِيُ (ت ١٨٢هـ) توفي فِي الكُوْفَةِ وَقَدْ تَلَقَّى الْعِلْمَ عَنِ اللَّيْثِ بنِ سَعْدٍ وَهُوَ إِمَامٌ مُجْتَهِدٌ وَعَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ وَعَنِ الْإِمَامِ الْأَوْزَاعِيِّ الَّذِيْ تُوُفِّيَ سَنَةَ ١٥٧هـ وَكَانَ مِنَ السَّلَفِ الصَّالِحِ.

ذَهَبَ أَسَدُ بنُ الفُرَاتِ إِلَى الحِجَازِ لِتَلَقِّي العِلمَ عَنِ الإِمَامِ مَالِكٍ، فَكَانَ أَسَدُ بنُ الفُرَاتِ يَجلِسُ فِي مَجلِسِ الإِمَامِ مَالِكٍ وَيَتَعَلَّمُ مِنهُ، فِيْ ذَلِكَ الْوَقْتِ كَانَ هُنَاكَ مَدْرَسَتَيْنِ: مَدْرَسَة الحِجَازِيِّيْنَ وَاشْتَهَرُوا بِقِلَّةِ الْأَسْئِلَةِ فَيَأْخُذُوْنَ الْعِلْمَ عَنِ الْإِمَامِ مَالِكٍ مِنْ غَيْرِ أَسْئِلَةٍ وَمِنْ غَيْرِ تَعْقِيْبٍ عَلَى كَلَامِهِ، وَأَسَدُ بنُ الفُرَاتِ كَانَ مِنْ مَدْرَسَةِ العِرَاقِ الذِيْنَ كَانُوا مَعْرُوْفِيْنَ بِكَثْرَةِ الْأَسْئِلَةِ، لَكِنَّ الْإِمَامَ مَالِكًا كَانَ يُرَاعِي الْغَرِيْبَ فَيُعْطِيهِ المَجَالَ لِلسُّؤَالِ فَلَمَّا جَاءَ أَسَدُ بْنُ الْفُرَاتِ كَانَ يَسْأَلُ الْإِمَامَ مَالِكًا ثُمَّ يَعُوْدُ فَيَسْأَلُ الْإِمَامَ مَالِكًا فَلَمَّا رَأَى الْإِمَامُ مَالِكٌ كَثْرَةَ أسئِلَتِهِ قَالَ لَهُ هَذِهِ الْبُنَيَّةُ مِنْ تِلْكَ الْبِنْتِ أَوْ قَالَ لَهُ هَذِهِ السُّلْيسِلَةُ مِنْ تِلْكَ السِّلْسِلَةِ، قَالَ آنَ لَكَ أَنْ تَرْجِعَ، ارْجِعْ إِلَى العِرَاقِ عِنْدَ أَصْحَابِكَ. فَرَجَعَ أَسَدٌ إِلَى الكُوفَةِ وَمَا أَخَذَ مِنَ الإِمَامِ مَالِكٍ مَا يُشبِعُ مُرَادَهُ مِنَ العِلمِ، وَبَقِيَ فِيهَا إِلَى مَوتِ الإِمَامِ مَالِكٍ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى.

لَمَّا سَمِعَ أَسَدُ بنُ الفُرَاتِ بِمَوتِ الإِمَامِ مَالِكٍ حَزِنَ حُزنًا شَدِيدًا عَلَى العِلمِ الَّذِي فَاتَهُ مِنهُ وَلَم يَستَطِع أَن يُحَصِّلَهُ، فَرَجَعَ أَسَدٌ إِلَى الحِجَازِ إِلَى تَلَامِيذِ الإِمَامِ مَالِكٍ الكِبَارِ، فَسَمِعَ العِلمَ مِن عِيسَى وَابنِ المُطَرِّفِ وَابنِ المَاجُشِونَ، لَكِنَّهُ لَم يَجِد عِندَهُم مَا يُرِيدُ فِي قَلبِهِ مِن نَصِّ كَلَامِ الإِمَامِ مَالِكٍ، فَسَافَرَ إِلَى مِصْرَ وَذَهَبَ أَوَّلًا إِلَى أَشْهَبَ بنِ عَبْدِ الْعَزِيْزِ بنِ سَعِيْدٍ الْقَيْسِيِّ (ت ٢٠٤هـ) وَكَانَ أَشْهَبُ شَيْخَ مِصْرَ مُجْتَهِدًا قَاضِيًا وَكَانَ مِنْ تَلَامِيْذِ الْإِمَامِ مَالِكٍ، فَقَالَ أَسَدٌ لِأَشْهَبَ أَنَا أُرِيْدُكَ أَنْ تُكَلِّمَنِي بِمَذْهَبِ مَالِكٍ، فَصَارَ أَسَدٌ يَسْأَلُ وَأَشْهَبُ يُجِيْبُ ثُمَّ تَوَقَّفَ أَسَدٌ عَلَى مَسْأَلَةٍ فَأَحَبَّ أَنْ يَتَأَكَّدَ مِنْ أَشْهَبَ، قَالَ لَهُ هَذَا مَذْهَبُ مَالِكٍ؟ هَذَا مَا قَالَهُ مَالِكٌ؟ هَذَا قَوْلُ مَالِكٍ؟ فَقَالَ لَهُ أَشْهَبُ هَذَا قَوْلِيْ، فَغَضِبَ أَشْهَبُ لِأَنَّهُ أَرَادَ مِنْهُ أَنْ يُحَدِّثَهُ بِمَا قَالَهُ مَالِكٌ، فَتَرَكَهُ وَذَهَبَ إِلَى عَبْدِ اللهِ بنِ وَهْبٍ (ت ١٩٧هـ) وَكَانَ إِمَامًا فَقِيْهًا مُجْتَهِدًا مِنْ تَلَامِيْذِ الْإِمَامِ مَالِكٍ وَكَانَ قَاضِيَ الْقُضَاةِ فِي مِصْرَ، حَتَّى أَنَّ الْإِمَامَ مَالِكًا لَمَّا كَانَ يَكْتُبُ رِسَالَةً مَا كَانَ يَكْتُبُ لَفْظَةَ فَقِيْه إِلَّا لِعَبْدِ اللهِ بنِ وَهبٍ، يَقُوْلُ: مِنْ أَبِيْ عَبْدِ اللهِ مَالِكِ بنِ أَنَسٍ إِلَى فَقِيْهِ أَهْلِ مِصْرَ عَبْدِ اللهِ بنِ وَهْبٍ. فَقَالَ أَسَدُ بنُ الْفُرَاتِ لِعَبْدِ اللهِ بنِ وَهْبٍ: أَنَا أُرِيْدُ أَنْ أَسْأَلُكَ وَأُرِيْدُ مِنْكَ أَنْ تُجِيْبَنِي بِمَا قَالَهُ مَالِكٌ فَقَطْ، فَقَالَ لَهُ ابنُ وَهْبٍ: إِنْ أَرَدْتَ مَذْهَبَ مَالِكٍ فَعَلَيْكَ بِابْنِ الْقَاسِمِ (وَهُوَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بنُ الْقَاسِمِ الْعُتَقِيُّ (ت ١٩١هـ بمصر)) فَاخْتَصَّ ابنُ الْقَاسِمِ بِمَالِكٍ وَخَلَطْنَاهُ بِغَيْرِهِ.

فائدة
الْفَقِيْهُ لَا يَأْخُذُ بِقَوْلِ مُجْتَهِدٍ غَيْرِهِ إِذَا اجْتَهَدَ بِمَسْأَلَةٍ مَا، لَيْسَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ بِقَوْلِ مُجْتَهِدٍ غَيْرِهِ. أَمَّا إِنْ لَمْ يَجْتَهِدْ فِيْ مَسْأَلَةٍ فَلَهُ أَنْ يَأْخُذَ بِقَوْلِ مُجْتَهِدٍ غَيْرِهِ. لِأَنَّ الِاجْتِهَادَ هُوَ اسْتِنْبَاطُ الْأَحْكَامِ مِنْ كِتَابِ اللهِ أَوْ مِنْ كَلَامِ رَسُوْلِ اللهِ، فَإِذَا كَانَ الْفَقِيْهُ اجْتَهَدَ وَعِنْدَهُ الدَّلِيْلُ عَلَىْ مَا يَقُوْلُ كَأَنِ اسْتَدَلَّ بِالْحُكْمِ عَلَىْ نَصٍّ مِنْ رَسُوْلِ اللهِ أَوْ مِنْ كِتَابِ اللهِ فَكَيْفَ بَعْدَ أَنْ تَوَصَّلَ إِلَى الْحُكْمِ أَنْ يَأْخُذَ بِقَوْلِ إِنْسَانٍ يُخَالِفُ هَذَا الْقَوْلَ؟ لِذَلِكَ إِذَا اجْتَهَدَ الْفَقِيْهُ بِمَسْأَلَةٍ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ بِقَوْلِ مُجْتَهِدٍ غَيْرِهِ.

وَعَبْدُ اللهِ بنُ وَهْبٍ قَالَ لَهُ: إِنْ أَرَدْتَ مَذْهَبَ مَالِكٍ فَعَلَيْكَ بِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بنِ الْقَاسِمِ الْعُتَقِيِّ، وَكَان ابنُ الْقَاسِمِ قَدْ لَازَمَ مَالِكًا نَحوَ عِشرِينَ سَنَةً، وَكَتَبَ عَنهُ نَحوَ سِتَّةٍ وَثَلَاثِينَ أَلفَ مَسأَلَةٍ.

فَذَهَبَ أَسَدُ بنُ الفُرَاتِ إِلَى ابنِ القَاسِمِ، فَصَارَ أَسَدُ بنُ الفُرَاتِ يَسأَلُهُ وَيَشتَرِطُ عَلَيهِ أَن يُجِيبَ مِن كَلَامِ الإِمَامِ مَالِكٍ، وَابنُ القَاسِمِ يُجِيبُهُ مِن كَلَامِ شَيخِهِ الإِمَامِ مَالِكٍ، ثُمَّ كُتِبَت هَذِهِ الأَسئِلَةُ وَالأَجوِبَةُ وَسُمِّيَتِ الأَسمِعَةَ أَوِ الأَجوِبَةَ أَوِ المُدَوَّنَةَ أو الأَسَدِيَّةِ نِسبَةً إِلَى أَسَدِ بنِ الفُرَاتِ، فَعَادَ أَسَدُ بنُ الفُرَاتِ بِهَذِهِ المُدَوَّنَةِ وَهَذِهِ المَسَائِلِ الكَثِيرَةِ إِلَى القَيرَوَانِ وَصَارَ يُحَدِّثُ النَّاسَ بِهَا.

فَجَاءَ سُحْنُونُ(عَبدُ السَّلَامِ بنِ سَعِيدٍ التَّنُوْخِيُّ (ت ٢٤٠هـ)) وَأَخَذَ الْأَسَدِيَّةَ وَعَادَ بِهَا إِلَى ابنِ الْقَاسِمِ يَضْبِطُهَا عَلَيْهِ وَيُعَارِضُهَا مَعَهُ وَيُحَرِّرُهَا عَلَيْهِ، فَابنُ القَاسِمِ حَذَفَ بَعْضَ الكَلِمَاتِ وَزَادَ بَعْضًا مِنهَا وَضَبَطَ بَعْضًا مِنهَا وَأَضَافَ بَعْضَ الْأُمُورِ وَبُوِّبَتْ، وَالأَحَادِيثُ وَالأَقْوَالُ لِلْمَالِكِيَّةِ الَّتِي فِي هَذَا البَابِ وُضِعَت عَلَى نَسَقٍ مُعَيَّنٍ، وَقَالَ ابنُ القَاسِمِ: يَا سُحْنُونُ عِنْدَمَا تَرْجِعُ إِلَى القَيرَوَانِ قُلْ لِأَسَدٍ أَنْ لَا يُحَدِّثَ النَّاسَ بِالنُّسْخَةِ الَّتِي مَعَهُ. فَسُمِّيَتْ هَذِهِ الَّتِي عَمِلَهَا سُحْنُوْنُ بِالْمُدَوَّنَةِ، وَصَارَتْ هَذِهِ الْمُدَوَّنَةُ هِيَ أَسَاسُ مَذْهَبِ مَالِكٍ فِي الفِقْهِ، وَالنُّوَاةُ هُوَ الْمُوَطَّأ.

فائدة
الْمُوَطَّأُ فِيهِ كَثِيْرٌ مِنَ الْأَحْكَامِ الْفِقْهِيَّةِ الَّتِي قَالَهَا مَالِكٌ نَقْلًا عَنِ نَافِعٍ نَقلًا عَنِ ابنِ عُمَرَ، وَقَلِيلٌ مَا يَقُولُ مَالِكٌ بِرَأْيِهِ فِي الْمُوَطَّأِ، فَإِنَّ أَغْلَبَ الأَقْوَالِ الَّتِي فِي المُوَطَّأِ هِيَ الأَقْوَالُ الَّتِي نَقَلَهَا الإِمَامُ مَالِكٌ عَن نَافِعٍ أَوْ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنِ الْأَئِمَّةِ. وَفِي بَعْضِ المَوَاضِعِ تَجِدُ فِي المُوَطَّأ عِبَارَةَ: ”هَذَا مَا وَجَدْنَا النَّاسَ عَلَيْهِ“ أَو: ”هَذَا مَا كَانَ عَمَلُ النَّاسِ عَلَيْهِ“، مَعْنَاهُ أَنَّهُ مِن أَيَّامِ الرَّسُوْلِ وَالْخُلَفَاءِ وَالصَّحَابَةِ ثُمَّ التَّابِعِينَ ثُمَّ أَتْبَاعِ التَّابِعِيْنَ (وَمَالِكٌ مِنْ أَتْبَاعِ التَّابِعِيْنَ) هَذَا الْحُكْمُ أَخَذُوْهُ بِالسِّلْسِلَةِ الذَّهَبِيَّةِ أَتْبَاعِ التَّابِعِينَ عَنِ التَّابِعِينَ مِمَّا رَأَوْهُ.

مسألة الاستناد في الصلاة

هُنَاكَ مَسأَلَةٌ فِي الفِقهِ يُقَالُ لَهَا مَسأَلَةُ الِاستِنَادِ، وَهِيَ أَنَّهُ لَو تَعِبَ الشَّخصُ فِي الصَّلَاةِ هَل يَجُوزُ لَهُ أَن يَستَنِدَ عَلَى شَيءٍ أَم لَا، وَالِاستِنَادُ فِي الصَّلَاةِ نَوعَانِ:

استِنَادٌ مُستَقِلٌّ

أَي إِذَا استَنَدَ عَلَى شَيءٍ بِحَيثُ لَو أُزِيحَ هَذَا الشَّيءُ لَوَقَعَ، فَهَذَا مَا صَحَّ مِنهُ القِيَامُ الَّذِي هُوَ رُكنٌ مِن أَركَانِ الصَّلَاةِ. ما صح منه القيام في صلاة الفرض (لأن القيام في صلاة النفل مستحب فيجوز لمن أراد أن يصلي السنةَ أن يصليها قاعدًا).

استِنَادٌ لَيسَ مُستَقِلًّا

أَي إِذَا استَنَدَ عَلَى شَيءٍ مِثلِ سَارِيَةٍ أَوِ اسْطِوَانَةٍ بِحَيثُ لَو أُزِيحَ هَذَا الشيء يَبقَى قَائِمًا وَلَا يَقَعُ، فَهَذَا يَصِحُّ قِيَامُهُ، لَكِن مَا حُكْمُ اسْتِنَادِهِ؟

وَحُكمُ الِاستِنَادِ أَنَّهُ إِذَا أَرَادَ أَن يُصَلِّيَ الفَرضَ وَكَانَ نَعِسًا أَو تَعِبًا فَاستَنَدَ الِاستِنَادَ غَيرَ المُستَقِلِّ فَهَذَا مَكرُوهٌ، وَالأَحسَنُ أَن يَنَامَ ثُمَّ يَقُومَ فَيَتَوَضَّأَ وَيُصَلِّيَ وَيَخشَعَ فِي صَلَاتِهِ، أَمَّا إِذَا استَنَدَ عَلَى شَيءٍ فِي صَلَاةِ النَّفلِ قَالَ الإِمَامُ مَالِكٌ فلَا بَأسَ بِهِ، وَذَكَرَ ذَلِكَ فِي المُدَوَّنَةِ قَالَ لَا بَأسَ. وَقَد أَخَذَ مَالِكٌ هَذَا الحُكمَ مِن حَدِيثِ رَسُولِ اللهِ ﷺ الصَّحِيحِ مِن أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ صَلَّى العِشَاءَ، وَعِندَمَا خَرَجَ مِنَ المَسجِدِ رَأَى حَبلًا رُبِطَ بَينَ سَارِيَتَينِ فَقَالَ: “مَا هَذَا؟“، فَقَالَ بَعضُ الصَّحَابَةِ: هَذَا حَبلٌ رَبَطَتهُ زَينَبُ، (قِيلَ هِيَ زَينَبُ بِنتُ جَحشٍ وَقِيلَ زَينَبٌ أُخرَى، لَكِن لَيسَت زَينَبَ بِنتَ الرَّسُولِ ﷺ) فَأَمَرَهُمُ الرَّسُولُ ﷺ بِإِزَالَتِهِ وَقَالَ عَلَيهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: “فَليُصَلِّ أَحَدُكُم نَشَاطَهُ وَإِذَا فَتَرَ فَليَنَم“، رواه مالك والبخاري ومسلم وابن حجر العسقلاني، يَعنِي إِذَا أَرَدتَ أَن تُصَلِّيَ العِشَاءَ صَلِّ بِنَشَاطِكَ، فَإِن كُنتَ نَعِسًا فَنَم ثُمَّ قُم فَصَلِّ العِشَاءَ، لِأَنَّكَ إِن صَلَّيتَ وَأَنتَ نَعِسٌ لَن يَحصُلَ لَكَ الخُشُوعُ، أَمَّا إِذَا نِمتَ ثُمَّ قُمتَ فَصَلَّيتَ نَشَاطَكَ يَحصُلُ الخُشُوعُ فَتُثَابُ عَلَى صَلَاتِكَ.

تَنْبِيْهٌ: العَاجِزُ عَنِ القِيَامِ إِلَّا بِعُكَّازٍ مَثَلًا يَجِبُ عَلَيهِ أَنْ يَسْتَنِدَ عَلَى عُكَّازٍ وَيُصَلِّيْ قَائِمًا في صلاة الفرض.

فِي المُدَوَّنَةِ، يُوجَدُ بَابٌ اسْمُهُ بَابُ الِاعْتِمَادِ عَلَى شَيْءٍ فِي الصَّلَاةِ أَو بَابُ الِاسْتِنَادِ عَلَى شَيْءٍ فِي الصَّلَاةِ.

فَوَرَدَ مِن كَلَامِ الإِمَامِ مَالِكٍ فِي المُدَوَّنَةِ فِي بَابِ الِاستِنَادِ عَلَى شَيءٍ فِي الصَّلَاةِ ثَلَاثَةُ أَسئِلَةٍ سَأَلَهَا ابنُ القَاسِمِ لِمَالِكٍ وَمَالِكٌ يُجِيبُ، مِنهَا أَنَّ مَالِكًا سُئِلَ فِي المُدَوَّنَةِ عَنِ الرَّجُلِ فِي صَلَاةِ النَّفْلِ يَتَّكِئُ عَلَى الجِدَارِ فَقَالَ لَا بَأْسَ بِهِ، وَابنُ القَاسِمِ يَعُودُ فَيَسأَلُ مَالِكًا عَنِ الرَّجُلِ يَسْتَنِدُ عَلَى عُكَّازٍ فِي صَلَاةِ النَّفْلِ قَالَ لَا بَأْسَ بِهِ، وَسُئِلَ مَالِكٌ عَنِ الرَّجُلِ يَسْتَنِدُ عَلَى الجِدَارِ فِي صَلَاةِ الفَرْضِ فَقَالَ أَكْرَهُهُ (أي استنادًا غير مستقلٍ)، وَسُئِلَ مَالِكٌ عَمَّنْ يَسْتَنِدُ عَلَى عَصًى فِي صَلَاةِ الفَرْضِ فَقَالَ أَكْرَهُهُ، لَكِن الكَرَاهَةُ هُنَا لِأَنَّهُ كَمَا وَرَدَ فِي الحَدِيْثِ السَّابِقِ عَنْ رَسُوْلِ اللهِ ﷺ حِينَ قَالَ: فَليُصَلِّ أَحَدُكُم نَشَاطَهُ وَإِذَا فَتَرَ فَليَنَم. يَعنِي إِذَا أَرَدتَ أَن تُصَلِّيَ الفرض صَلِّ بِنَشَاطِكَ، فَإِن كُنتَ نَعِسًا فَنَم ثُمَّ قُم فَصَلِّ، لِأَنَّكَ إِن صَلَّيتَ وَأَنتَ نَعِسٌ لَن يَحصُلَ لَكَ الخُشُوعُ، أَمَّا إِذَا نِمتَ ثُمَّ قُمتَ فَصَلَّيتَ نَشَاطَكَ يَحصُلُ الخُشُوعُ فَتُثَابُ عَلَى صَلَاتِكَ.

ومِنهَا أَنَّ مَالِكًا سُئِلَ عَنِ الرَّجُلِ يَستَنِدُ عَلَى يَدَيهِ فِي الصَّلَاةِ (صلاة الفرض) أَي يَضَعُ اليُمنَى عَلَى اليُسرَى، فَقَالَ: أَكرَهُهُ، لَكِن الكَرَاهَةُ هُنَا لَيسَت لِأَجلِ القَبضِ، بَلِ الكَرَاهَةُ لِأَجلِ الِاستِنَادِ من التعب.

فَإِذَن مَذهَبُ مَالِكٍ وَمَذهَبُ المَالِكِيَّةِ استِحبَابُ وَضعِ اليُمنَى عَلَى اليُسرَى فِي الصَّلَاةِ، هَذَا مَا فِيهِ خِلَافٌ عِندَ المَالِكِيَّةِ، بَل وَذَهَبَ مَالِكٌ إِلَى سُنِّيَّةِ وَضعِ اليُمنَى عَلَى اليُسرَى فِي الصَّلَاةِ وهذا مذهبه كما في الموطأ.

من أين جاءت مسألة سدل اليدين؟

أبو سعيد خلف مُحَمَّدُ الأَزدِيُّ القَيرَوَانِيُّ الَّذِي يُلَقَّبُ بِالبَرَادِعِيِّ كَانَ مِن تَلَامِيذِ ابنِ أَبِي زَيدٍ القَيرَوَانِيِّ، ألفَ كتابً سَمَّاهُ التهذيب في اختصار المدونة، فَلَمَّا وَصَلَ إِلَى هَذِهِ المَسأَلَةِ لَم يَذكُرِ البَرَادِعِيُّ الأسئلة الثلاثةَ التي سألها ابنُ القَاسِمِ لِمَالِكٍ وَهُوَ أَنَّهُ إِذَا اعتَمَدَ عََلَى الجِدَارِ أو يديهِ بالقبضِ فِي صَلَاةِ الفَرضِ، فَقَالَ مَالِكٌ: أَكرَهُهُ، بَل أَخَذَ عِبَارَةَ أَنَّ مَالِكًا كَرِهَ للمصلي أَن يَستَنِدَ عَلَى يَدَيهِ فِي الصَّلَاةِ وَلَم يَشرَحِ المَسأََلَةَ، وَالبَرَادِعِيُّ يَعلَمُ أَنَّ قَبضَ اليَدَينِ فِي الصَّلَاةِ سُنَّةُ الأَنبِيَاءِ، وَكَانَ هُوَ يَقبِضُ فِي الصَّلَاةِ، لَكِن أَرَادَ الِاختِصَارَ فَوَضَعَ عِبَارَةَ: (وَكَرِهَ مَالِكٌ قَبضَ اليَدَينِ فِي الصَّلَاةِ)، وَلَم يُفَسِّر لِمَاذَا كَرِهَ مَالِكٌ ذَلِكَ وهذا مذهب المتقدمين من أئمة المالكية، فَأَخَذَ مَن بَعدَهُ كتابهُ لِلمُدَوَّنَةِ مَرجِعًا فِي وَضعِ مَسَائِلِهِم، فَظَنَّ بَعضٌ أَنَّ مَالِكًا يَقُولُ بِكَرَاهَةِ قَبضِ اليَدَينِ فِي صلاةِ الفرض وهذا ما ذكره المتأخرون من المالكية كالشيخِ خليل في مختصره (ت ٧٦٧هـ) وكما ذكر ابن عاشر وهو من المتأخرين، وَهَذَا خِلَافُ الصَّحِيحِ، حَتَّى المَالِكِيَّةُ يَقُولُونَ هَذَا لَيسَ مَذهَبَنَا، وَكَانَ المَالِكِيَّةُ الَّذِينَ تَفَقَّهُوا بِفِقهِ الإِمَامِ مَالِكٍ يَقبِضُونَ فِي صَلَوَاتِهِم.

وَاللهُ تَعَالَى أَعلَمُ وَأَحكَمُ، وَالحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ.

المصادر

هَذِهِ المَسَائِلُ مَجمُوعَةٌ وَمُلَخَّصَةٌ مِن:

1. مِنَحِ الجَلِيلِ عَلَى مُختَصَرِ خَلِيلٍ لِمُحَمَّدِ عليشٍ المَالِكِيِّ.
2. المُدَوَّنَةِ لِلإِمَامِ مَالِكٍ.
3. لَوَامِعِ الدُّرَرِ فِي هَتكِ أَسرَارِ المُختَصَرِ لِلمَجلِسِيِّ.