بِسمِ اللهِ الرَّحمَنِ الرَّحِيمِ
الحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللهِ، أَمَّا بَعدُ:
المقدمة
إِنَّ مِن مَقَاصِدِ الشَّرِيعَةِ العُظمَى التَّيسِيرَ عَلَى المُكَلَّفِينَ، وَدَفعَ المَشَقَّةِ عَنهُم، لَا سِيِّمَا فِي الأَحوَالِ الَّتِي يَعسُرُ فِيهَا الاحتِرَازُ مِن بَعضِ الأُمُورِ، وَمِن ذَلِكَ مَا يُبتَلَى بِهِ بَعضُ النَّاسِ مِنَ السَّلَسِ، وَهُوَ خُرُوجُ الحَدَثِ عَلَى وَجهٍ لَا يُمكِنُ دَفعُهُ فِي أَكثَرِ الوَقتِ، وَيَتَرَتَّبُ عَلَيهِ أَحكَامٌ خَاصَّةٌ فِي الطَّهَارَةِ وَالصَّلَاةِ.
وَقَدِ اعتَنَى الفُقَهَاءُ بِبَيَانِ أَحكَامِ هَذِهِ الحَالَةِ تَفصِيلًا دَقِيقًا، مُرَاعَاةً لِحَالِ المُبتَلَى بِهَا، فَجَمَعُوا بَينَ حِفظِ الطَّهَارَةِ الَّتِي هِيَ شَرطٌ لِصِحَّةِ العِبَادَاتِ، وَبَينَ التَّيسِيرِ الَّذِي جَاءَت بِهِ الشَّرِيعَةُ، تَحقِيقًا لِقَولِهِ تَعَالَى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾، [سُورَةُ البَقَرَةِ:185].
وَفِي هَذَا المَقَالِ، نَتَنَاوَلُ أَحكَامَ السَّلَسِ، مُبَيِّنِينَ تَعرِيفَهُ، وَضَوَابِطَهُ، وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ مِن مَسَائِلَ فِي الوُضُوءِ وَالصَّلَاةِ، عَلَى وَفقِ مَا قَرَّرَهُ أَهلُ العِلمِ، بِأُسلُوبٍ وَاضِحٍ يَرفَعُ اللَّبسَ وَيُعِينُ عَلَى العِبَادَةِ.
التعريف بالسلس
السَّلسُ لُغَةً مِن: سَلِسَ سَلَسًا مِنْ بَابِ تَعِبَ: سَهُلَ وَلَانَ، فَهُوَ سَلِسٌ، وَرَجُلٌ سَلِسٌ بِالْكَسْرِ: بَيِّنُ السَّلَسِ بِالْفَتْحِ وَالسَّلَاسَةِ أَيْضًا: سَهْلُ الْخُلُقِ.
وَشَرعًا: سَلَسُ البَوْلِ استِرْسَالُهُ وَعَدَمُ استِمْسَاكِهِ لِحُدُوثِ مَرَضٍ بِصَاحِبِهِ، وَصَاحِبُهُ سَلِسٌ بِالْكَسْرِ، كَمَا فِي المِصبَاحِ المُنِيرِ.
أنواع السلس
السَّلَسِ أَنوَاعٌ مِنهَا:
• سَلَسُ البَولِ.
• سَلَسُ الرِّيحِ.
• سَلَسُ المَذيٍ.
• سَلَسُ المَنِيِّ.
• سَلَسُ الغَائِطِ.
حكم المصاب بالسلس
حُكمُ المُصَابِ بِالسَّلَسِ أَنَّهُ مُلحَقٌ بِالمُستَحَاضَةِ عِندَ أَكثَرِ الفُقَهَاءِ.
السلس دائم أو متقطع
• السَّلَسُ الدَائِمُ هُوَ عِلَّةٌ يَكُونُ فِيهِ استِمرَارُ نُزُولِ البَولِ أَوِ المَذيٍ أَوِ المَنِيِّ أَوِ الغَائِطِ أَو خُرُوجِ الرِّيحِ، وَيَستَغرِقُ جَمِيعَ الوَقتِ.
• السَّلَسُ المُتَقَطِّعُ هُوَ عِلَّةٌ يَكُونُ فِيهِ عَدَمُ استِمسَاكِ البَولِ أَو شَيءٍ مِنَ المَذكُورَاتِ وَلَا يَستَغرِقُ جَمِيعَ الوَقتِ، بَل يَخلُو وَقتٌ مِن وَقتِ الصَّلَاةِ يُمكِنُهُ فِيهِ طَهَارَتُهُ وَصَلَاتُهُ مِن غَيرِ نُزُولِ البَولِ.
تنبيه: الصلاة لا تسقط عن المصاب بالسلس إِنَّ الشَّرعَ الحَنِيفَ أَمَرَنَا بِالمُحَافَظَةِ عَلَى الصَّلَاةِ، يَقُولُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ﴾، [سُورَةُ البَقَرَةِ:238]، فَمِنَ الجَهلِ الشَّائِعِ فِي هَذِهِ الأَيَّامِ أَنَّ بَعضَ النَّاسِ تَوَهَّمَ أَنَّهُ إِذَا أُصِيبَ بِالسَّلَسِ سَقَطَت عَنهُ الصَّلَاةُ فَلَا يُصَلِّي.
اعلَم يَا أَخِي المُسلِمَ أَنَّ الصَّلَاةَ لَا تَسقُطُ عَنِ المَرِيضِ فِي أَيِّ حَالٍ، بَل تَجِبُ عَلَيهِ، نَعَم، يَتَعَلَّقُ بِصَلَاةِ السَّلِسِ أَحكَامٌ خَاصَّةٌ نَذكُرُهَا وَنُبَيِّنُهَا عَلَى وَفقِ المَذهَبِ الشَّافِعِيِّ.
صاحب السلس المتقطع
مَن عَلِمَ أَنَّ شَيئًا مِنَ المَذكُورَاتِ مِن بَولٍ وَمَذيٍ وَغَائِطٍ وَمَنِيٍ وَرِيحٍ يَنقَطِعُ عَنهُ فِي وَقتٍ يَتَّسِعُ لِطَهَارَتِهِ وَصَلَاتِهِ وَجَبَ عَلَيهِ تَأخِيرُ الصَّلَاةِ إِلَى زَمَنِ الانقِطَاعِ، لِأَنَّهُ يُمكِنُهُ أَن يَأتِيَ بِالصَّلَاةِ مَعَ انقِطَاعِ الحَدَثِ فَيُؤَدِيَهَا عَلَى طَهَارَةٍ، وَلَا تَصِحُّ صَلَاتُهُ إِذَا تَوَضَّأَ وَصَلَّى مَعَ نُزُولِ الحَدَثِ.
فَمَن كَانَ سَلَسُهُ يَستَمِرُّ زَمَنًا بَعدَ البَولِ ثُمَّ يَنقَطِعُ بِحَيثُ يُمكِنُ لِصَاحِبِهِ أَن يَتَطَهَّرَ وَيُصَلِّيَ فِي الوَقتِ مِن غَيرِ سَلَسٍ، كَمَن عَرَفَ مِن عَادَتِهِ أَنَّ السَّلَسَ يَستَمِرُّ رُبعَ سَاعَةٍ مَثَلًا بَعدَ البَولِ ثُمَّ يَنقَطِعُ، فَفِي هَذِهِ الحَالِ، لَا يَجُوزُ لِصَاحِبِ هَذَا السَّلَسِ أَن يَدخُلَ فِي الصَّلَاةِ إِلَّا بَعدَ انقِطَاعِ السَّلَسِ، ثُمَّ يَستَنجِيَ وَيَتَوَضَّأَ.
دائم السلس
دَائِمُ السَّلَسِ وَهُوَ الَّذِي يَستَمِرُّ مِنهُ نُزُولُ البَولِ جَمِيعَ الوَقتِ بِحَيثُ لَا تُمكِنُهُ الطَّهَارَةُ وَالصَّلَاةُ مِن غَيرِ نُزُولِهِ، وَيُقَالُ لَه أَيضًا دَائِمَ الحَدَثِ، فَيَتَرَتَّبُ عَلَى صِحَّةِ صَلَاتِهِ أَحكَامٌ مِنهَا:
لا تصح طهارته إلا بعد دخول الوقت
دَائِمُ الحَدَثِ لَا يُمكِنُهُ تَقدِيمُ طَهَارَتِهِ عَلَى دُخُولِ الوَقتِ، فَلَا تَصِحُّ طَهَارَتُهُ إِلَّا بَعدَ دُخُولِ وَقتِ الصَّلَاةِ الَّتِي يُرِيدُ أَن يُصَلِيَهَا.
ماذا يلزمه عند دخول الوقت
الاستِنجَاء: بِأَن يَغسِلَ فَرجَهُ.
وَالحَشوُ: يَحْتَاطُ ذُو السَّلَسِ بِأَنْ يُدْخِلَ قُطْنَةً فِي إحْلِيلِهِ، فَإِنْ انْقَطَعَ وَإِلَّا عَصَبَ مَعَ ذَلِكَ رَأْسَ الذَّكَرِ.
وَلَا يَجُوزُ لِمَن بِهِ سَلَسُ البَولِ أَن يُعَلِّقَ قَارُورَةً يَقطُرُ فِيهَا؛ لِأَنَّهُ يَحمِلُ نَجَاسَةً بِغَيرِ ضَرُورَةٍ.
الطَّهَارَةُ: يَتَوَضَّأُ أَو يَتَيَمَّمُ، وَلَا يَقْتَصِرُ فِي وُضُوئِهِ عَلَى غَسْلَةٍ وَاحِدَةٍ، بَلْ لَهُ فِعْلُ الغَسَلَاتِ الثَّلَاثِ.
وَمَن بِهِ سَلَسُ مَنِيٍّ يَغتَسِلُ لِكُلِّ فَرِيضَةٍ.
طهارته للاستباحة ولا ترفع الحدث
طَهَارَتُهُ لَا تَرفَعُ الحَدَثَ عِندَ عُلَمَاءِ الشَّافِعِيَّةِ، فَيَنوِي عِندَ الطَّهَارَةِ استِبَاحَةَ الصَّلَاةِ وَلَا يَنوِي رَفعَ الحَدَثِ.
لا يصلى بوضوء أو غسل واحد أكثر من فرض واحد
مِن أَحكَامِهِ أَنَّهُ لَا يُصَلِّي بِوُضُوءٍ أَو غُسلٍ -إِذَا كَانَ مُصَابًا بِسَلَسِ المَنِيِّ- وَاحِدٍ أَكثَرَ مِن فَرضٍ وَاحِدٍ، وَيُصَلِّي مِنَ النَّوَافِلِ مَا شَاءَ، وَذَلِكَ لِأَنَّ طَهَارَتَهُ لَا تَرفَعُ حَدَثَهُ، فَلَا يَستَبِيحُ بِطَهَارَتِهِ إِلَّا فَرضًا وَاحِدًا، وَلَهُ أَنْ يُصَلِّيَ مَعَهُ مَا شَاءَ مِنْ النَّوَافِلِ قَبْلَهُ وَبَعْدَهُ، بَلْ وَبَعْدَ خُرُوجِ وَقْتِهِ.
فَمَثَلًا إِذَا دَخَلَ وَقتُ الظُّهرِ يَستَنجِي وَيَحشُو وَيَعصِبُ وَيَتَطَهَّرُ وَيُصَلِّي الظُّهرَ، وَلَهُ أَن يُصَلِّيَ رَاتِبَةَ الظُّهرِ، وَأَن يَمَسَّ المُصحَفَ وَيَحمِلَهُ بِنَفسِ الوُضُوءِ، لَكِن لَيسَ لَهُ أَن يُصَلِّيَ العَصرَ بِهَذَا الوُضُوءِ، بَل يُعِيدُ كُلَّ مَا يَحتَاجُهُ مِنَ الاستِنجَاءِ وَالحَشوِ العَصبِ وَالوُضُوءِ إِذَا دَخَلَ العَصرُ.
الموالاة بين طهارته والصلاة وماذا يغفر بينهما
مِن أَحكَامِهِ أَنَّهُ يُشتَرَطُ فِي وُضُوئِهِ المُوَالَاةُ، وَهُوَ أَن يَغسِلَ العُضوَ الثَّانِيَ قَبلَ أَن يَجِفَّ الأَوَّلُ مَعَ اعتِبَارِ اعتِدَالِ الهَوَاءِ وَالمِزَاجِ وَالطَّبعِ.
وَالمُوَالَاةُ بَينَ طَهَارَتِهِ وَالصَّلَاةِ بِأَن لَا يَفصِلَ بَينَهُمَا فَاصِلٌ طَوِيلٌ، فَيُبَادِرُ بِالصَّلَاةِ بَعْدَ التَّطَهُّرِ تَقْلِيلًا لِلْحَدَثِ، وَلَا يَضُرُّ تَأْخِيرُهُ الْفَرْضَ لِمَصْلَحَةٍ كَسَتْرٍ وَانْتِظَارِ جَمَاعَةٍ وَإِجَابَةِ مُؤَذِّنٍ وَاجْتِهَادٍ فِي قِبْلَةٍ، لِأَنَّهُ غَيْرُ مُقَصِّرٍ بِذَلِكَ، وَإِن أَخَّرَ لَا لِمَصْلَحَةِ الصَّلَاةِ كَأَكْلٍ وَشُرْبٍ وَحَدِيثٍ استَأنَفَ أَي أَعَادَ طَهَارَتَهُ، وَتَجِبُ الطَّهَارَةُ وَتَجدِيدُ التَّعْصِيبِ لِكُلِّ فَرضٍ.
مسألة
لَوْ كَانَ سَلِسَ الْبَوْلِ بِحَيْثُ لَوْ صَلَّى قَائِمًا سَالَ بَوْلُهُ وَلَوْ صَلَّى قَاعِدًا اسْتَمْسَكَ فَكَيْفَ يُصَلِّي؟
فِيهِ وَجْهَانِ: أَصَحُّهُمَا قَاعِدًا حِفْظًا لِلطَّهَارَةِ وَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِ عَلَى الْوَجْهَيْنِ.
الخاتمة
وَفِي الخِتَامِ، يَتَجَلَّى لَنَا سُمُوُّ الشَّرِيعَةِ الإِسلَامِيَّةِ فِي جَمعِهَا بَينَ حِفظِ الأَحكَامِ وَمُرَاعَاةِ أَحوَالِ المُكَلَّفِينَ، فَلَم تُكَلِّفِ العَبدَ مَا لَا يُطِيقُ، وَلَم تَترُكهُ فِي حَيرَةٍ مِن أَمرِهِ، بَل بَيَّنَت لَهُ أَبوَابَ التَّيسِيرِ عِندَ وُجُودِ المَشَقَّةِ.
فَالمُبتَلَى بِالسَّلَسِ لَيسَ مَعذُورًا فِي تَركِ العِبَادَةِ، بَل هُوَ مَأمُورٌ بِهَا عَلَى حَسَبِ استِطَاعَتِهِ، يُقِيمُ الصَّلَاةَ وَيَتَطَهَّرُ عَلَى الوَجهِ الَّذِي بَيَّنَهُ الفُقَهَاءُ، فَيَجمَعُ بِذَلِكَ بَينَ الامتِثَالِ لِأَمرِ اللهِ، وَالأَخذِ بِرُخصَتِهِ الَّتِي شَرَعَهَا رَحمَةً بِهِ.
وِإِنَّ إِدرَاكَ هَذِهِ الأَحكَامِ يُورِثُ الطُّمَأنِينَةَ فِي قَلبِ المُسلِمِ، وَيُزِيلُ عَنهُ الوَسوَسَةَ وَالحَرَجَ، فَيَعلَمُ أَنَّ هَذَا الدِّينَ قَائِمٌ عَلَى اليُسرِ وَالرَّحمَةِ، لَا عَلَى المَشَقَّةِ.
نَسأَلُ اللهَ تَعَالَى أَن يُفَقِّهَنَا فِي دِينِنَا، وَأَن يَجعَلَنَا مِمَّن يَعمَلُونَ بِعِلمِهِم، وَيَهتَدُونَ بِهَديِ نَبِيِّهِ ﷺ، إِنَّهُ وَلِيُّ ذَلِكَ وَالقَادِرُ عَلَيهِ.
وَاللهُ تَعَالَى أَعلَمُ وَأَحكَمُ، وَالحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ.
المصادر
هَذِهِ المَسَائِلُ مَجمُوعَةٌ وَمُلَخَّصَةٌ مِنَ:
• القُرءَانِ الكَرِيمِ.
• السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ.
• رَوضَةِ الطَّالِبِينَ وَعُمدَةِ المُفتِينَ لِلإِمَامِ النَّوَوِيِّ.
• فَتحِ الوَهَّابِ بِشَرحِ مَنهَجِ الطُّلَّابِ لِلشَّيخِ زَكَرِيَّا الأَنصَارِيِّ.
• المِصبَاحِ المُنِيرِ لِلفَيُّومِيِّ.
• المَجمُوعِ لِلنَّوَوِيِّ.
• فُتُوحَاتِ الوَهَّابِ بِتَوضِيحِ شَرحِ مَنهَجِ الطُّلَّابِ.
• أَسنَى المَطَالِبِ فِي شَرحِ رَوضِ الطَّالِبِ.
• كِفَايَةِ النَّبِيهِ فِي شَرحِ التَّنبِيهِ لِابنِ الرِّفعَةِ.
