إِنَّ الحَمدَ لِلَّهِ نَحمَدُهُ وَنَستَعِينُهُ وَنَستَغفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللهِ مِن شُرُورِ أَنفُسِنَا وَمِن سَيِّئَاتِ أَعمَالِنَا، مَن يَهدِهِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَن يُضلِل فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَلَا مَثِيلَ وَلَا شَبِيهَ لَهُ، وَأَشهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا مُحَمَّدًا عَبدُهُ وَرَسُولُهُ، اللهم صَلِّ وَسَلِّم عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحبِهِ الطَّيِّبِينَ الطَّاهِرِينَ. عِبَادَ اللهِ، أُوصِيكُم وَنَفسِيَ بِتَقوَى اللهِ العَظِيمِ، اتَّقُوا اللهَ تَعَالَى فِي السِّرِّ وَالعَلَنِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُسلِمُونَ﴾ [سورة آلِ عِمرَانَ:١٠٢].

أَمَّا بَعدُ، فَيَا عِبَادَ اللَّهِ، اتَّقُوا اللَّهَ تَعَالَى، وَاعلَمُوا أَنَّ مِن أَعظَمِ مَا يَنبَغِي أَن يَعتَنِيَ بِهِ المُؤمِنُ فِي حَيَاتِهِ قَلبَهُ؛ فَإِنَّ القَلبَ هُوَ أَمِيرُ الجَوَارِحِ، فِيهِ تَكُونُ العَقَائِدُ وَالنِّيَّاتُ، وَمِنهُ تَنبَعِثُ الأَخلَاقُ وَالأَعمَالُ، وَبِصَلَاحِهِ يَصلُحُ الإِنسَانُ، وَبِفَسَادِهِ يَفسُدُ سَائِرُ أَمرِهِ.

إِذَا صَلَحَ هَذَا القَلبُ بِالإِيمَانِ وَالعِلمِ وَالمَعرِفَةِ استَنَارَ، فَأَثمَرَ ذَلِكَ صَلَاحًا لِسَائِرِ الجَسَدِ بِالطَّاعَةِ وَتَحصِيلِ الأُجُورِ وَالثَّوَابِ. وَإِذَا فَسَدَ هَذَا القَلبُ بِالكُفرِ وَالفُجُورِ وَالجَهلِ أَظلَمَ، وَفَسَدَ الجَسَدُ كُلُّهُ بِالمَعَاصِي وَالآثَامِ وَالخُرُوجِ عَمَّا يُرضِي اللَّهَ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى.

وَحَسبُنَا شَاهِدًا عَلَى مَا قَدَّمنَا قَولُهُ تَعَالَى: ﴿يَومَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ إِلَّا مَن أَتَى اللَّهَ بِقَلبٍ سَلِيمٍ﴾ [سورة الشعراء، 88-89].

وَقَد أَرشَدَنَا مُعَلِّمُ البَشَرِيَّةِ إِلَى عَظِيمِ شَأنِ هَذَا القَلبِ، حَيثُ قَالَ ﷺ: «أَلَا وَإِنَّ فِي الجَسَدِ مُضغَةً، إِذَا صَلَحَت صَلَحَ الجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَت فَسَدَ الجَسَدُ كُلُّهُ، أَلَا وَهِيَ القَلبُ»، رَوَاهُ البُخَارِيُّ وَمُسلِمٌ.

عِبَادَ اللَّهِ، إِنَّ العِبرَةَ عِندَ اللَّهِ تَعَالَى بِالتَّقوَى لَا بِالصُّوَرِ وَالأَجسَامِ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ لَا يَنظُرُ إِلَى صُوَرِكُم وَأَموَالِكُم، وَلَكِن يَنظُرُ إِلَى قُلُوبِكُم وَأَعمَالِكُم»، رَوَاهُ مُسلِمٌ؛ أَي: لَا يُثِيبُكُم عَلَى أَجسَامِكُم وَصُوَرِكُم، وَإِنَّمَا الإِثَابَةُ وَالمُجَازَاةُ بِاعتِبَارِ مَا فِي القَلبِ، وَبِاعتِبَارِ الأَعمَالِ. وَقَد قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ أَكرَمَكُم عِندَ اللَّهِ أَتقَاكُم﴾ [سورة الحجرات، 13]، وَقَالَ سُبحَانَهُ: ﴿قَد أَفلَحَ مَن زَكَّاهَا وَقَد خَابَ مَن دَسَّاهَا﴾ [سورة الشمس، 9-10].

إِخوَةَ الإِيمَانِ، القُلُوبُ تَتَفَاوَتُ: فَإِمَّا أَن يَكُونَ القَلبُ حَيًّا بِالإِيمَانِ، عَامِرًا بِالتَّقوَى، مَملُوءًا بِالإِخلَاصِ وَالمَحَبَّةِ وَالخَشيَةِ، وَإِمَّا أَن يَكُونَ مَرِيضًا بِالشَّكِّ وَالكِبرِ وَالحَسَدِ وَالرِّيَاءِ وَالحِقدِ، وَكَم مَن مَاتَ قَلبُهُ وَهُوَ مِنَ الأَحيَاءِ.

فَمَن كَانَ قَلبُهُ حَيًّا تَنفُذُ إِلَيهِ المَوعِظَةُ بِمُجَرَّدِ أَن يَسمَعَهَا، وَمِنَ النَّاسِ مَن قَد يَسمَعُ المَوَاعِظَ لَيلًا وَنَهَارًا وَلَا يَرِقُّ قَلبُهُ لَهَا؛ لِأَنَّ هَذَا القَلبَ غَلُظَ، وَصَارَ عَلَيهِ غِشَاوَةٌ حَجَبَت هَذِهِ المَوَاعِظَ مِنَ النُّفُوذِ إِلَى قَلبِهِ.

أَيُّهَا المُؤمِنُونَ، إِنَّ الصِّفَاتِ المَذمُومَةَ فِي القَلبِ أَمرَاضٌ خَطِيرَةٌ، قَد تُودِي بِالإِنسَانِ إِلَى الهَلَاكِ فِي الدُّنيَا وَالآخِرَةِ؛ وَلِذَلِكَ لَا يَنبَغِي لِلمُؤمِنِ أَن يَنشَغِلَ بِإِصلَاحِ ظَاهِرِهِ وَيَنسَى بَاطِنَهُ، وَلَا أَن يَحرِصَ عَلَى جَمَالِ صُورَتِهِ وَيَترُكَ قَلبَهُ أَسِيرًا لِلآفَاتِ وَالرَّذَائِلِ.

فَيَا عِبَادَ اللَّهِ، أَيُّ قَلبٍ سَنَلقَى اللَّهَ بِهِ؟ أَهُوَ قَلبٌ سَلِيمٌ مِنَ الشِّركِ وَالشَّكِّ وَالرِّيَاءِ وَالحِقدِ وَالحَسَدِ؟ أَم قَلبٌ أَثقَلَتهُ الذُّنُوبُ، وَأَفسَدَتهُ الشَّهَوَاتُ، وَأَمرَضَتهُ آفَاتُ النُّفُوسِ؟

وَاعلَمُوا، رَحِمَكُمُ اللَّهُ، أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الإِنسَانِ الثُّبُوتُ عَلَى الإِيمَانِ بِاللَّهِ تَعَالَى، وَأَن يُزَكِّيَ قَلبَهُ وَيُطَهِّرَهُ مِن رَذِيلَةِ الشَّكِّ فِي اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاليَومِ الآخِرِ؛ فَإِنَّ الإِيمَانَ أَصلُ النَّجَاةِ، وَلَا يَستَقِيمُ القَلبُ إِلَّا بِعَقِيدَةٍ صَحِيحَةٍ وَيَقِينٍ ثَابِتٍ. ثُمَّ يُجَاهِدُ المُؤمِنُ نَفسَهُ فِي تَطهِيرِ قَلبِهِ مِن سَائِرِ الأَمرَاضِ؛ مِنَ الكِبرِ وَالعُجبِ وَالرِّيَاءِ وَالسُّمعَةِ وَالحِقدِ وَالحَسَدِ وَالبُغضِ؛ فَإِنَّ هَذِهِ الآفَاتِ -فَضلًا عَنِ الإِثمِ وَالعَارِ الَّذِي تَجلِبُهُ لِلمُسلِمِ- قَد تَحرِمُهُ حَلَاوَةَ الإِيمَانِ وَسَلَامَةَ الصَّدرِ.

وَاعلَمُوا، إِخوَةَ الإِيمَانِ، أَنَّ دَوَاءَ القَلبِ يَكُونُ بِأَشيَاءَ كَثِيرَةٍ، مِنهَا: مُجَالَسَةُ الصَّالِحِينَ، وَقِيَامُ اللَّيلِ، وَالصَّومُ فِي النَّهَارِ، وَأَكلُ الحَلَالِ، وَحُضُورُ مَجَالِسِ العِلمِ، وَالِابتِعَادُ عَنِ الشُّبُهَاتِ، وَكَثرَةُ الصَّلَاةِ، وَكَثرَةُ ذِكرِ اللَّهِ؛ فَإِنَّ القَلبَ يَصدَأُ كَمَا يَصدَأُ الحَدِيدُ، وَجَلَاؤُهُ ذِكرُ اللَّهِ تَعَالَى، ﴿أَلَا بِذِكرِ اللَّهِ تَطمَئِنُّ القُلُوبُ﴾ [سورة الرعد، 28].

وَجَمِّلُوا هَذِهِ القُلُوبَ بِالشُّكرِ وَالرِّضَا، وَالعِفَّةِ وَالقَنَاعَةِ، وَالزُّهدِ فِي الدُّنيَا، وَحُسنِ الظَّنِّ بِاللَّهِ، وَالتَّوَكُّلِ عَلَيهِ، وَالإِخلَاصِ لَهُ فِي السِّرِّ وَالعَلَانِيَةِ.

وَلَا تَغفُلُوا، عِبَادَ اللَّهِ، عَنِ استِحضَارِ التَّوبَةِ مِنَ الذُّنُوبِ دَائِمًا؛ فَإِنَّ المُؤمِنَ مَهمَا قَصَّرَ فَلَا يَيأَسُ مِن رَحمَةِ اللَّهِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ﴾ [سورة البقرة، 222].

فَاتَّقُوا اللَّهَ، عِبَادَ اللَّهِ، وَفَتِّشُوا عَن قُلُوبِكُم، وَعَالِجُوهَا قَبلَ أَن يَأتِيَ يَومٌ لَا يَنفَعُ فِيهِ مَالٌ وَلَا بَنُونَ، وَتُوبُوا إِلَى رَبِّكُم، وَطَهِّرُوا صُدُورَكُم مِنَ الأَمرَاضِ الَّتِي تَضُرُّهَا يَومَ القِيَامَةِ، وَاملَؤُوهَا بِالإِيمَانِ وَمَحَبَّةِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَالذِّكرِ وَالشُّكرِ وَالإِخلَاصِ.

اللَّهُمَّ أَصلِح قُلُوبَنَا، وَطَهِّرهَا مِنَ الشِّركِ وَالشَّكِّ وَالرِّيَاءِ وَالحَسَدِ وَالكِبرِ، وَحَلِّهَا بِالإِيمَانِ وَالتَّقوَى وَالإِخلَاصِ وَالرِّضَا وَالشُّكرِ، وَاجعَلنَا مِمَّن يَلقَونَكَ بِقُلُوبٍ سَلِيمَةٍ، يَا أَرحَمَ الرَّاحِمِينَ. أَقُولُ قَولِي هَذَا، وَأَستَغفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُم، فَاستَغفِرُوهُ، إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ.

الخُطبَةُ الثَّانِيَةُ

الحَمدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحبِهِ الطَّيِّبِينَ الطَّاهِرِينَ. عِبَادَ اللَّهِ، اتَّقُوا اللَّهَ، وَأَصلِحُوا ظَوَاهِرَكُم وَبَوَاطِنَكُم، يَقُولُ بَعضُ الشُّعَرَاءِ وَاصِفًا حَالَ القَلبِ:

مَا سُمِّيَ القَلبُ إِلَّا مِن تَقَلُّبِهِ *** فَاحذَر عَلَى القَلبِ مِن قَلبٍ وَتَحوِيلِ

احذَر -أَخِي- أَن يَتَقَلَّبَ قَلبُكَ مِنَ الإِيمَانِ إِلَى الضَّلَالِ، احذَر أَن يَتَقَلَّبَ قَلبُكَ مِنَ الطَّاعَةِ إِلَى المَعصِيَةِ؛ فَإِذَا انقَلَبَ القَلبُ إِلَى السُّوءِ يَصِيرُ صَاحِبُ هَذَا القَلبِ مَنكُوسًا مَعكُوسًا، فَيَصدُرُ مِنهُ عِندَئِذٍ مَفَاسِدُ وَشُرُورٌ وَمَهَالِكُ وَفِتَنٌ، فَتَجِدُهُ صَارَ يَتَخَبَّطُ فِي ظُلُمَاتِ الجَهلِ، وَالعِيَاذُ بِاللَّهِ تَعَالَى.

نَسأَلُ اللَّهَ تَعَالَى أَن يَحفَظَ عَلَينَا جَوَارِحَنَا، وَأَن يُنَوِّرَ قُلُوبَنَا بِالتَّقوَى، إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ، وَبِعِبَادِهِ لَطِيفٌ خَبِيرٌ.

عِبَادَ اللَّهِ، إِنَّ اللَّهَ قَد أَمَرَكُم بِأَمرٍ عَظِيمٍ، أَمَرَكُم بِالصَّلَاةِ عَلَى نَبِيِّهِ الكَرِيمِ، فَقَالَ: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيهِ وَسَلِّمُوا تَسلِيمًا﴾ [سورة الأحزاب:56].

لَبَّيكَ، اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيتَ عَلَى سَيِّدِنَا إِبرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ سَيِّدِنَا إِبرَاهِيمَ، وَبَارِك عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، كَمَا بَارَكتَ عَلَى سَيِّدِنَا إِبرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ سَيِّدِنَا إِبرَاهِيمَ فِي العَالَمِينَ، إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ.

اللَّهُمَّ اغفِر لِلمُسلِمِينَ وَالمُسلِمَاتِ، وَالمُؤمِنِينَ وَالمُؤمِنَاتِ، الأَحيَاءِ مِنهُم وَالأَموَاتِ. اللَّهُمَّ فَرِّجِ الكَربَ عَنِ المَسجِدِ الأَقصَى يَا رَبَّ العَالَمِينَ، وَاحفَظهُ مِن أَيدِي المُعتَدِينَ الظَّالِمِينَ، يَا قَوِيُّ يَا مَتِينُ انصُرِ المُسلِمِينَ فِي غَزَّةَ وَفِلَسطِينَ. اللَّهُمَّ فَرِّج كُرُوبَنَا، وَاستُر عُيُوبَنَا، وَأَذهِب هُمُومَنَا يَا رَبَّ العَالَمِينَ. اللَّهُمَّ اجعَل هَذَا البَلَدَ آمِنًا مُطمَئِنًّا سَخَاءً رَخَاءً وَسَائِرَ بِلَادِ المُسلِمِينَ، اللَّهُمَّ وَفِّق مَلِكَ البِلَادِ لِمَا فِيهِ خَيرُ البِلَادِ وَالعِبَادِ يَا رَبَّ العَالَمِينَ، وَارزُقهُ البِطَانَةَ الصَّالِحَةَ الَّتِي تَأمُرُهُ بِالمَعرُوفِ وَتَنهَاهُ عَنِ المُنكَرِ.

عِبَادَ اللهِ، ﴿إِنَّ اللهَ يَأمُرُ بِالعَدلِ وَالإِحسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي القُربَى وَيَنهَى عَنِ الفَحشَاءِ وَالمُنكَرِ وَالبَغيِ يَعِظُكُم لَعَلَّكُم تَذَكَّرُونَ﴾ [سورة النَّحلِ:90]، فَاذكُرُوا اللهَ العَظِيمَ يَذكُركُم، وَاشكُرُوهُ عَلَى نِعَمِهِ يَزِدكُم، وَلَذِكرُ اللهِ أَكبَرُ، وَأَقِمِ الصَّلَاةَ.