بِسمِ اللهِ الرَّحمَنِ الرَّحِيمِ
الحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللهِ، أَمَّا بَعدُ:
﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾
(سورة الإسراء: 36)
كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ لَا يَكَادُونَ يَعرِفُونَ مِنَ المَعَاصِي وَالذُّنُوبِ إِلَّا مَا يُدرِكُهُ الحِسُّ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِالجَوَارِحِ الظَّاهِرَةِ مِن مَعَاصِي اليَدَينِ وَالرِّجلِ وَالعَينِ وَالأُذُنِ وَاللِّسَانِ وَنَحوِهَا مِمَّا يَتَّصِلُ بِشَهوَتَي البَطنِ وَالفَرجِ وَغَرَائِزِ الإِنسَانِ.
وَلَا يَكَادُ يَخطُرُ بِبَالِ هَؤُلَاءِ الذُّنُوبُ وَالمَعَاصِي الأُخرَى الَّتِي تَتَعَلَّقُ بِالقُلُوبِ وَالأَفئِدَةِ، وَالَّتِي لَا تَدخُلُ فِيمَا تَرَاهُ الأَبصَارُ أَو تَسمَعُهُ الآذَانُ أَو تَمَسُّهُ الأَيدِي أَو تَتَذَوَّقُهُ الأَلسِنَةُ.
أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، أَلَا وَهِيَ القَلبُ
(رواه البخاري ومسلم)
وَمِن مَعَاصِي القَلبِ:
التكذيب بالقدر
التَّكْذِيبُ بِالْقَدرِ كُفْرٌ، وَهُوَ أَنْ يَعْتَقِدَ الْعَبْدُ أَنَّ شَيْئًا مِنَ الأَشيَاءِ يَحْصُلُ بِغَيْرِ تَقْدِيرِ اللهِ تعالى.
وَالقَدَرُ هُوَ إِيْجَادُ اللهِ الأَشْيَاءَ عَلَى حَسَبِ مَا سَبَقَ فِي عِلمِهِ الأَزَلِيِّ وَإِبرَازُهَا فِي الْوُجُودِ عَلَى حَسَبِ مَشِيئَتِهِ الأَزَلِيَّةِ.
﴿إِنَّا كُلَّ شَىْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾
(سورة القمر: 49)
الفرح بالمعصية منه أو من غيره
مِنْ مَعَاصِي الْقَلْبِ الْفَرَحُ بِالْمَعْصِيَةِ الصَّادِرَةِ مِنْهُ أَوْ مِنْ غَيْرِهِ فَمَنْ عَلِمَ بِمَعْصِيَةٍ حَصَلَتْ مِنْ غَيْرِهِ وَلَوْ لَمْ يَكُن مَوجُودًا حِينَ حَصَلَت تِلكَ المَعصِيَةُ وَلَوْ حَصَلَت فِي مَكَانٍ بَعِيدٍ فَفَرِحَ بِذَلِكَ فَقَدْ عَصَى اللَّهَ، وَأَمَّا الْفَرَحُ بِكُفْرِ الْغَيْرِ فَهُوَ كُفْرٌ.
الغدر
الْغَدْرُ مِنَ الْمَعَاصِي الْكَبَائِرِ، وَذَلِكَ كَأَنْ يَقُولَ لِشَخْصٍ أَنْتَ فِي حِمَايَتِي ثُمَّ يُؤذِيَهُ هُوَ أَوْ يَدُلَّ عَلَيْهِ مَنْ يُؤذِيهِ.
وَمِنَ الْغَدْرِ الْمُحَرَّمِ الَّذِي هُوَ مِنَ الْكَبَائِرِ أَنْ يَغْدِرَ بِالإِمَامِ بَعْدَ أَنْ يُبَايِعَهُ بِأَنْ يَعُودَ مُحَارِبًا لَهُ أَوْ يُعْلِنَ تَمَرُّدَهُ عَلَى طَاعَتِهِ أَيْ بَعْدَ حُصُولِ الإِمَامَةِ لَهُ شَرْعًا أَيْ بَعْدَ أَنْ يَصِيرَ خَلِيفَةً وَذَلِكَ مُتَّفَقٌ عَلَى حُرْمَتِهِ إِنْ كَانَ ذَلِكَ الإِمَامُ رَاشِدًا.
وَأَمَّا الْغَدْرُ بِالْكَافِرِ فَهُوَ حَرَامٌ أَيضًا، وَهُوَ أَنَّهُ إِذَا أَمَّنَ الإِمَامُ أَوْ غَيْرُهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ شَخصًا كَافِرًا، بِأَنْ قِيلَ لَهُ لا بَأْسَ عَلَيْكَ أَوْ أَنْتَ ءَامِنٌ، فَيَحْرُمُ الْغَدْرُ بِهِ بِالْقَتْلِ أَوْ نَحْوِهِ.
﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ﴾
(سورة التوبة: 6)
مَنْ أَمَّنَ رَجُلًا عَلَى دَمِهِ ثُمَّ قَتَلَهُ فَأَنَا بَرِيءٌ مِنْهُ وَلَوْ كَانَ الْمَقْتُولُ كَافِرًا
(رواه ابن حبان)
وَمِنَ الْغَدْرِ الْمُحَرَّمِ أَنْ يُعَامِلَ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ بِالْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ فَيَخُونَهُ فِي الْوَزْنِ أَوِ الْكَيْلِ وَأَنْ يُضَيِّعَ وَدِيعَةً اسْتَوْدَعَهُ إِيَّاهَا الْكَافِرُ فَيُتْلِفَهَا أَوْ يَجْحَدَهَا وَأَنْ يَشْتَرِيَ مِنْهُ شَيْئًا بِثَمَنٍ مُؤَجَّلٍ ثُمَّ يَجْحَدَهُ.
المكر
الْمَكْرُ وَالْخَدِيعَةُ بِمَعْنًى وَاحِدٍ، وَهُوَ إِيقَاعُ الضَّرَرِ بِالْمُسْلِمِ بِطَرِيقَةٍ خَفِيَّةٍ.
الْمَكْرُ وَالْخَدِيعَةُ فِي النَّارِ
(رواه الحاكم في المستدرك)
فَمَنْ مَكَرَ بِأَحَدٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَقَدْ وَقَعَ فِي كَبِيرَةٍ.
بغض الصحابة وءال رسول الله ﷺ والصالحين
مِنْ مَعَاصِي الْقَلْبِ بُغْضُ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَالَّذِي يُبْغِضُ كُلَّ الصَّحَابَةِ يَكْفُرُ.
وَالصَّحَابِيُّ هُوَ مَنْ لَقِيَ النَّبِيَّ ﷺ فِي حَيَاتِهِ ﷺ مَعَ الإِيْمَانِ بِهِ سَوَاءٌ طَالَتْ صُحْبَتُهُ لَهُ ﷺ أَوْ لَمْ تَطُلْ بِشَرطِ أَن يَكُونَ مَاتَ عَلَى الإِيمَانِ وَلَوْ تَخَلَّلَتْ بَيْنَ صُحْبَتِهِ لِلنَّبِيِّ ﷺ وَبَيْنَ مَوْتِهِ عَلَى الإِسْلامِ رِدَّةٌ.
وَأَمَّا الآلُ فَالْمُرَادُ بِهِمْ هُنَا أَقْرِبَاؤُهُ ﷺ الْمُؤْمِنُونَ وَأَزْوَاجُهُ.
وَأَمَّا الصَّالِحُونَ فَالْمُرَادُ بِهِمُ الأَتْقِيَاءُ الَّذِينَ أَدَّوُا الْوَاجِبَاتِ وَاجْتَنَبُوا الْمُحَرَّمَاتِ.
البخل والشح والحرص
مِنْ مَعَاصِي الْقَلْبِ الْبُخْلُ بِمَا أَوْجَبَ اللَّهُ تَعَالَى، كَالْبُخْلِ عَنْ أَدَاءِ الزَّكَاةِ لِلْمُسْتَحِقِّينَ وَالْبُخْلِ عَنْ دَفْعِ نَفَقَةِ الزَّوْجَةِ الْوَاجِبَةِ وَالأَطْفَالِ وَالْبُخْلِ عَنْ نَفَقَةِ الأَبَوَيْنِ الْمُحْتَاجَيْنِ وَالْبُخْلِ عَنْ مُوَاسَاةِ الْقَرِيبِ مَعَ حَاجَتِهِ.
هَذَا هُوَ البُخلُ فِي الشَّرعِ، أَمَّا مَن لَا يُنفِقُ فِي المُبَاحَاتِ كَأَن كَانَ لَا يَشتَرِي ثِيَابًا فَاخِرَةً مَعَ أَنَّهُ عِندَهُ مَالٌ أَو لَا يَأكُلُ الطَّعَامَ الفَاخِرَ أَو نَحوَ ذَلِكَ فَلَا يَدخُلُ فِي البَخِيلِ هُنَا.
وَبِمَعْنَاهُ الشُّحُّ إِلَّا أَنَّ الشُّحَّ يُخَصُّ بِالْبُخْلِ الشَّدِيدِ.
وَقَرِيبٌ مِنْ ذَلِكَ الْحِرْصُ لِأَنَّ الْحِرْصَ هُوَ شِدَّةُ تَعَلُّقِ النَّفْسِ لِاحْتِوَاءِ الْمَالِ وَجَمْعِهِ عَلَى الْوَجِهِ الْمَذْمُومِ كَالتَّوَصُّلِ بِهِ إِلَى التَّرَفُّعِ عَلَى النَّاسِ وَالتَّفَاخُرِ وَعَدَمِ بَذْلِهِ إِلَّا فِي هَوَى النَّفْسِ.
الاستهانة والتصغير لما عظم الله
مِنْ مَعَاصِي الْقَلْبِ قِلَّةُ الْمُبَالاةِ بِمَا عَظَّمَ اللهُ تَعَالَى مِنَ الأُمُورِ، كَأَنْ يَحْتَقِرَ الْجَنَّةَ كَقَوْلِ بَعْضِ الكَذَّابِينَ المُنتَسِبِينَ إِلَى الصُّوفِيَّةِ: «الْجَنَّةُ لُعْبَةُ الصِّبْيَانِ» وَقَوْلِ بَعْضِهِمْ «الْجَنَّةُ خَشْخَاشَةُ الصِّبْيَانِ»، يُرِيدُونَ بِذَلِكَ تَصغِيرَ شَأنِ الجَنَّةِ وَالعِيَاذُ بِاللهِ تَعَالَى، وَهَذَا حُكْمُهُ الرِدَّةُ.
وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ بَعْضِهِمْ «جَهَنَّمُ مُسْتَشْفَى» أَيْ مَحَلُّ طَبَابَةٍ وَعِلاجٍ وَتَنْظِيفٍ لَيْسَتْ مَحَلَّ عِقَابٍ وَتَعْذِيبٍ وَذَلِكَ إِلْحَادٌ وَكُفْرٌ.
وَمِنْ جُمْلَةِ الْمَعَاصِي الْقَلْبِيَّةِ تَصْغِيرُ مَا عَظَّمَ اللهُ مِنَ الْقُرْءَانِ أَوْ عِلْمِ الشَّرْعِ أَيْ عِلْمِ الدِّينِ أَوِ الْجَنَّةِ أَوِ النَّارِ.
وَقَدْ تَكُونُ الِاسْتِهَانَةُ بِالإِخْلالِ بِالتَّعْظِيمِ الْوَاجِبِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَصِلَ الإِخْلالُ إِلَى حَدِّ الْكُفْرِ كَمَسِّ الْمُصْحَفِ وَحَمْلِهِ عَلَى غَيْرِ طَهَارَةٍ.
تنبيه مهم
لا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ عَنْ مَعْصِيَةٍ مِنَ الْمَعَاصِي كَبِيرَةً أَوْ صَغِيرَةً «مَعْلِيش» وَهِيَ فِي اللُّغَةِ الْعَامِيَّةِ مَعْنَاهَا لا بَأْسَ بِذَلِكَ، فَمَنْ قَالَ عَنْ مَعْصِيَةٍ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهَا مَعْصِيَةٌ هَذِهِ الْكَلِمَةَ بِمَعْنَى لا بَأْسَ فَهُوَ مُكَذِّبٌ لِلدِّينِ فَيَكُونُ مُرْتَدًّا.
وَاللهُ تَعَالَى أَعلَمُ وَأَحكَمُ، وَالحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ.
المصادر
هَذِهِ المَسَائِلُ مَجمُوعَةٌ وَمُختَصَرَةٌ مِن:
1. كتاب المجموع للنووي.
2. كتاب عجالة المحتاج لابن الملقن.
3. كتاب النجم الوهاج للدميري.
4. كتاب أسنى المطالب للشيخ زكريا.
5. كتاب مغني المحتاج للشربيني.
6. كتاب نهاية المحتاج للرملي.
7. حاشية الجمل على شرح المنهاج.
