بِسمِ اللهِ الرَّحمَنِ الرَّحِيمِ
الحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللهِ، أَمَّا بَعدُ:
مُقَدِّمَةٌ
التَّشَبُّهُ لَيْسَ أَمْرًا يَقِفُ عِنْدَ حُدُودِ اللِّبَاسِ وَالزِّينَةِ فَقَطْ، بَلْ قَدْ يَدْخُلُ فِي الْعَادَاتِ وَالْهَيْئَاتِ وَطَرِيقَةِ الْمَشْيِ وَالْكَلَامِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِحَيَاةِ الْمُسْلِمِ وَسُلُوكِهِ. وَلِذَلِكَ جَاءَ الْبَيَانُ فِي أَحْكَامِ التَّشَبُّهِ؛ لِيَتَبَيَّنَ لِلْمُسْلِمِ مَا يَجُوزُ وَمَا لَا يَجُوزُ، وَمَا يَدْخُلُ فِي التَّشَبُّهِ وَمَا لَا يَدْخُلُ فِيهِ.
وَتَتَنَوَّعُ صُوَرُ التَّشَبُّهِ، فَمِنْهَا تَشَبُّهُ الرِّجَالِ بِالنِّسَاءِ وَالنِّسَاءِ بِالرِّجَالِ، وَمِنْهَا التَّشَبُّهُ بِالْكُفَّارِ فِي شَعَائِرِهِمْ وَعَادَاتِهِمْ وَمَا يَخْتَصُّونَ بِهِ. وَقَدْ تَتَعَلَّقُ هَذِهِ الْمَسَائِلُ بِأُمُورٍ يَفْعَلُهَا النَّاسُ فِي حَيَاتِهِمْ الْيَوْمِيَّةِ، فَيَحْتَاجُ الْمُسْلِمُ إِلَى مَعْرِفَةِ حُكْمِهَا وَالضَّابِطِ الَّذِي يُمَيِّزُ بَيْنَ مَا هُوَ تَشَبُّهٌ وَمَا لَيْسَ كَذَلِكَ.
وَفِي هَذَا الْمَقَالِ نَقِفُ عَلَى جُمْلَةٍ مِنْ أَهَمِّ صُوَرِ التَّشَبُّهِ وَأَحْكَامِهِ، فِي اللِّبَاسِ وَالزِّينَةِ وَالْعَادَاتِ، لِنَتَبَيَّنَ مَا وَرَدَ فِي ذَلِكَ مِنْ أَحْكَامٍ، وَنَعْرِفَ الضَّابِطَ الَّذِي يُرْجَعُ إِلَيْهِ فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ
التَّشَبُّهُ بَيْنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ
وَرَدَ النَّهْيُ عَنِ التَّشَبُّهِ فِي أَحَادِيثَ عِدَّةٍ، فَقَدْ رَوَى الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ «لَعَنَ الْمُتَشَبِّهِينَ مِنَ الرِّجَالِ بِالنِّسَاءِ، وَالْمُتَشَبِّهَاتِ مِنَ النِّسَاءِ بِالرِّجَالِ». وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ «لَعَنَ الرَّجُلَ يَلْبَسُ لِبْسَةَ الْمَرْأَةِ، وَالْمَرْأَةَ تَلْبَسُ لِبْسَةَ الرَّجُلِ».
فالتَّشَبُّهُ بَيْنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ الَّذِي يَكُونُ فِيمَا هُوَ خَاصٌّ بِأَحَدِ الْجِنْسَيْنِ حَرَامٌ؛ فَمَا كَانَ خَاصًّا بِالنِّسَاءِ مِنَ الزِّيِّ حَرُمَ عَلَى الرِّجَالِ لُبْسُهُ، وَمَا كَانَ خَاصًّا بِالرِّجَالِ حَرُمَ عَلَى النِّسَاءِ لُبْسُهُ.
وَيَدْخُلُ فِي ذَلِكَ مَا يَكُونُ مِنَ اللِّبَاسِ، وَالْمَشْيِ، وَالْكَلَامِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَخْتَصُّ بِأَحَدِ الصِّنْفَيْنِ. وَالْمِعْيَارُ فِي ذَلِكَ أَنْ يُنْظَرَ إِلَى مَا يَخْتَصُّ بِهِ أَحَدُ الْفَرِيقَيْنِ فِي تِلْكَ النَّاحِيَةِ، فَمَا اخْتَصَّ بِهِ الرِّجَالُ حَرُمَ عَلَى النِّسَاءِ، وَالْعَكْسُ كَذَلِكَ.
وَمِنْ ذَلِكَ أَنْ يُمْنَعَ الصَّبِيُّ مِنْ لُبْسِ ثِيَابِ الْبَنَاتِ، كَمَا تُمنَعُ الْبِنْتُ مِنْ لُبْسِ ثِيَابِ الصِّبْيَانِ، وَلَا يَجُوزُ لِلْأَهْلِ أَنْ يُلْبِسُوا الصَّبِيَّ ثِيَابَ الْبَنَاتِ، وَلَا الْعَكْسَ.
الْعِبْرَةُ بِمَا هُوَ خَاصٌّ بِكُلِّ فَرِيقٍ
لَيْسَ كُلُّ مَا لَبِسَهُ الرَّجُلُ وَتَشَابَهَ فِي صُورَتِهِ مَعَ لِبَاسِ النِّسَاءِ يَكُونُ تَشَبُّهًا، وَلَا كُلُّ مَا لَبِسَتْهُ الْمَرْأَةُ وَشَابَهَ لِبَاسَ الرِّجَالِ يَكُونُ كَذَلِكَ؛ بَلِ الْمُعْتَبَرُ مَا كَانَ خَاصًّا بِأَحَدِ الْجِنْسَيْنِ. وَلَا يُشتَََرَطُ لِكَونِ ذَلِكَ حَرَامًا أَن تَقصِدَ المَرأَةُ التّشَبُّهَ بِالرِّجَالِ أَو أَن يَقصِدَ الرَّجُلُ التّشَبُّهَ بِالنِّسَاءِ فَمُجَرَّدُ الفِعلِ حَرَامٌ.
وَقَدْ ذُكِرَ أَنَّ بَعْضَ الشَّافِعِيَّةِ قَالُوا: تُعْتَبَرُ عَادَةُ الْبَلَدِ، وَلَيْسَ لِلْعُرْفِ دَخْلٌ فِي ذَلِكَ؛ فَالْجِهَةُ الَّتِي يَخْتَصُّ النِّسَاءُ فِيهَا بِزِيٍّ مُعَيَّنٍ يَحْرُمُ عَلَى الرِّجَالِ لُبْسُهُ، وَكَذَلِكَ الْعَكْسُ.
التَّشَبُّهُ فِي الْمَشْيِ وَالصَّوْتِ
لَا يَقْتَصِرُ التَّشَبُّهُ عَلَى اللِّبَاسِ، بَلْ يَدْخُلُ فِيهِ الْمَشْيُ وَالْكَلَامُ وَالصَّوْتُ إِذَا كَانَ ذَلِكَ عَلَى وَجْهِ التَّشَبُّهِ بِالْجِنْسِ الْآخَرِ.
وَعِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ أَنَّ امْرَأَةً مَرَّتْ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ مُتَقَلِّدَةً قَوْسًا، أَيْ عَلَّقَتهُ فِي عُنُقِهَا، وَفِي رِوَايَةٍ: وَهِيَ تَمْشِي مِشْيَةَ الرِّجَالِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «لَعَنَ اللهُ الْمُتَشَبِّهَاتِ مِنَ النِّسَاءِ بِالرِّجَالِ، وَالْمُتَشَبِّهِينَ مِنَ الرِّجَالِ بِالنِّسَاءِ».
وَيَدخُلُ فِي التَّشَبُّهِ المُحَرَّمِ تَقلِيدُ الرَّجُلِ صَوتَ المَرأَةِ لِإِضحَاكِ الحَاضِرِينَ وَكَذَلِكَ العَكسُ كَأَن طُرِقَ البَابُ فَقِيلَ: مَن؟ أَو أجَابَ عَلَى الهَاتِفِ فَقِيلَ: مَن؟ فَغَيَّرَ الرَّجُلُ صَوتَهُ مُقَلِّدًا صَوتَ امرَأَةٍ.
الْحُلِيُّ وَمَا يَخْتَصُّ بِالنِّسَاءِ وَالرِّجَالِ
مِمَّا يَكُونُ خَاصًّا بِالنِّسَاءِ: الْقِلَادَةُ وَالسِّلْسِلَةُ الَّتِي تَكُونُ فِي الْعُنُقِ، فَيَحْرُمُ عَلَى الرَّجُلِ لُبْسُ مَا هُوَ خَاصٌّ بِالنِّسَاءِ.
أَمَّا الْأَسَاوِرُ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ فَلَا يَكُونُ الْحُكْمُ فِيهَا مِنْ بَابِ التَّشَبُّهِ فَقَطْ، بَلْ يُنْظَرُ فِي نَوْعِهَا وَمَا يَخْتَصُّ بِهِ كُلُّ جِنْسٍ. وَالوَلَدُ الصَّغِيرُ الَّذِي دُونَ البُلُوغِ يَجُوزُ إِلبَاسُهُ سِوَارَ الذَّهَبِ وَالفِضَّةِ لِأَنَّهُ لَيسَ عِندَهُ شَهَامَةُ الرِّجَالِ.
وَأَمَّا الْحَلَقُ لِلنّسَاءِ فَيَجُوزُ معَ الثَّقبِ، وَأَمَّا وَضعُ حَلقَتَينِ في نَفسِ الأُذُنِ لِلنِّسَاءِ فَإِن لَم يَكُن خَاصًّا بِالكَافِرَاتِ يَجُوزُ.
وَأَمَّا وََضعُ الحَلَقِ فِي الأَنفِ لِلنِّسَاءِ فَهَذَا فِي نِسَاءِ الهِندِ المُسلِمَاتِ مَعرُوفٌ.
وَيَجُوزُ لِلمَرأَةِ أَن تَلبَسَ الخَلخَالَ بِمَا لَا يُعَدُّ إسْرَافًا فِي الْعُرْفِ لِأَنَّ النَّفسَ تَنفِرُ مِنهُ حِينَئِدٍ بِخِلَافِ السِّوَارِ وَالخَوَاتِمِ وَالقِلَادَةِ وَإِن كَثُرَ وَزنُهَا بَلْ هِيَ فِي نِهَايَةِ الزِّينَةِ إِلَّا إِن قَصَدَت التَّعَرُّضَ لِلرِّجَالِ فَيَحرُمُ، وَلَا يَجُوزُ لِلرَّجُلِ لِمَا فِيهِ مِنَ التَّشَبُّهِ بِالنِّسَاءِ.
قَصُّ الشَّعْرِ وَتَسْرِيحُهُ
أَمَّا حَلْقُ الْمَرْأَةِ شَعْرَهَا بِالْمُوسَى فَحَرَامٌ لِمَا فِيهِ مِنَ التَّشَبُّهِ بِالرِّجَالِ، وَأَمَّا تَقْصِيرُهُ عَلَى هَيْئَةٍ لَا تَشَبُّهَ فِيهَا بِالرِّجَالِ فَيَجُوزُ.
التَّشَبُّهُ بَيْنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ فِي اللِّبَاسِ
لُبْسُ أَحْذِيَةِ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ
لَا يَجُوزُ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَتَشَبَّهَ بِالرِّجَالِ، وَلَوْ فِي لُبْسِ أَحْذِيَتِهِمُ الْخَاصَّةِ بِهِمْ، وَكَذَا الرَّجُلُ لَا يَجُوزُ لَهُ لُبْسُ أَحْذِيَةِ النِّسَاءِ الْخَاصَّةِ بِهِنَّ.
مَا يَخْتَصُّ بِهِ الرِّجَالُ مِنَ اللِّبَاسِ
وَمِمَّا هُوَ خَاصٌّ بِالرِّجَالِ: الْقَلَنْسُوَةُ، وَالْعِمَامَةُ، وَالطَّرْبُوشُ الْمَعْرُوفُ فِي بَعْضِ الْبِلَادِ، وَمَا يُسَمَّى فِي بَعْضِ الْبِلَادِ بِالْكَاسْكِيتِ، فَلَا يَحْرُمُ ذَلِكَ عَلَى الرِّجَالِ، أَمَّا لِلنِّسَاءِ فَلَا يَجُوزُ لَهَا أَن تَلبَسَ الْكَاسْكِيتِ،؛ لِأَنَّهَا تَشَبُّهٌ بِالرِّجَالِ، إِلَّا إِنْ كَانَتْ مَقْطُوعَةَ الْأَعْلَى مِنْ جِهَةِ الرَّأْسِ، فَلَا يَكُونُ لَهَا حُكْمُ الْقَلَنْسُوَةِ.
وَأَمَّا الْقَلَنْسُوَةُ الَّتِي تُعْمَلُ لِلْبَنَاتِ بِلَوْنٍ خَاصٍّ، وَتُزَيَّنُ بِطَرِيقَةٍ خَاصَّةٍ لِتُمَيَّزَ عَنِ الَّتِي لِلرِّجَالِ، فَلَا خَيْرَ فِيهَا لِلنِّسَاءِ.
وَضْعُ الرَّجُلِ كَبُّوتَهُ -الجَاكِيت الشَّتَوِيّ- عَلَى زَوْجَتِهِ
أَمَّا أَنْ يَضَعَ الرَّجُلُ كَبُّوتَهُ الْخَاصَّ بِهِ عَلَى كَتِفَيْ زَوْجَتِهِ لِيُدَفِّئَهَا، مِنْ غَيْرِ أَنْ تُدْخِلَ يَدَيْهَا فِي الْأَكْمَامِ كَالْعَبَاءَةِ، فَيَجُوزُ، وَهَذَا لَا يُعَدُّ تَشَبُّهًا.
لُبْسُ الْبَنْطَلُونِ
أَمَّا الْبَنْطَلُونُ الْخَاصُّ بِالرِّجَالِ، فَحَرَامٌ عَلَى الْمَرْأَةِ أَنْ تَلْبَسَهُ؛ لِأَنَّ فِيهِ تَشَبُّهًا بِالرِّجَالِ.
وَالْبَنْطَلُونُ الْخَاصُّ بِالنِّسَاءِ لِلرَّجُلِ حَرَامٌ؛ لِأَنَّهُ تَشَبُّهٌ بِالنِّسَاءِ.
وَإِذَا كَانَ فِيهِ تَشَبُّهٌ بِالْكُفَّارِ فَيَحْرُمُ، لِأَنَّهُ تَشَبُّهٌ بِالْكُفَّار.
التَّشَبُّهُ بِالْكُفَّارِ
قَالَ الرَّسُولُُ ﷺ: “لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ مَن كانَ قَبلَكُم شِبرًا بشِبرٍ وذِرَاعًا بِذِرَاعٍ حَتَّى لَو دَخَلُوا جُحرَ ضَبٍّ خَرِبٍ لَتَبِعتُمُوهُم“، قِيلَ لَهُ مَن هُم؟ اليَهُودُ وَالنَّصَارَى؟، قَالَ “فَمَن”. رَوَاهُُ البُخَارِيُّ وَمُسلِمٌ. مَعنَاهُ يَتَتَبَّعُونَ عَادَاتِ اليَهُودِ وَالنَّصَارَى فِي الأُمُورِ الَّتِي يَستَحدِثُونَهَا، يَتَتبَّعُونَهَا فِي الأَثَاثِ وَاللِّبَاسِ وَغَيرِ ذَلِكَ.
التَّشَبُّهُ فِي الْعَادَاتِ وَالزِّيِّ
إِذَا كَانَ الزِّيُّ خَاصًّا بِالْكُفَّارِ، فَالتَّشَبُّهُ بِهِمْ فِيهِ حَرَامٌ، أَمَّا إِذَا كَانَ مِمَّا اسْتَعْمَلَهُ الْكُفَّارُ وَالْمُسْلِمُونَ، وَلَمْ يَكُنْ خَاصًّا بِهِمْ، فَلَا يَكُونُ مِنَ التَّشَبُّهِ بِالْكُفَّارِ.
فَإِذَا ظَهَرَ زِيٌّ جَدِيدٌ عَمِلَهُ الْكُفَّارُ، ثُمَّ انْتَشَرَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْمُسْلِمِينَ دَفْعَةً وَاحِدَةً، فَلَا يُعَدُّ ذَلِكَ تَشَبُّهًا بِالْكُفَّارِ إِذَا لَمْ يَكُنْ خَاصًّا بِهِمْ.
بَعْضُ صُوَرِ التَّشَبُّهِ فِي الزِّينَةِ وَالْعَادَاتِ
يُقَاسُ عَلَى مَا ذُكِرَ مِنْ أَحْكَامِ التَّشَبُّهِ بَعْضُ مَا أَحْدَثَهُ الْكُفَّارُ مِنْ أَشْكَالِ الزِّينَةِ:
وَمِنْ ذَلِكَ مَا يَكُونُ فِي الْجِسْمِ، كَثَقْبِ اللِّسَانِ وَالسُّرَّةِ وَالْجُفُونِ، وَوَضْعِ الْخَرَزِ فِي الأَسْنَانِ، وَوَضْعِ الْحَلَقِ لِلرِّجَالِ مَع ثَقْبِ الأُذُنَيْنِ.
وَمِنْ صُوَرِ التَّشَبُّهِ أَيْضًا الِاحْتِفَالُ بِأَعْيَادِ الْكُفَّارِ، وَمُعَايَدَتُهُمْ فِي أَعْيَادِهِمْ، وَقَرْعُ الْكَأْسِ بِالْكَأْسِ عَلَى هَيْئَةِ شَرَبَةِ الْخُمُورِ، وَلُبْسُ الأَقْنِعَةِ الَّتِي تُلْبَسُ فِي بَعْضِ مُنَاسَبَاتِ النَّصَارَى وَأَعْيَادِهِمْ، وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الأُمُورِ.
فَمَا أَحدَثَهُ الكُفَّارُ مِنَ الزِّينَةِ وَاللِّبَاسِ وعُرِفُوا بِهِ دُونَ المُسلِمِينَ يَحرُمُ عَلَى المُسلِمِينَ، وَمَا أَحدَثَهُ الكُفَّارُ وَعُرِفَ بَينَهُم وَبَينَ المُسلِمِينَ مِن بَدئِ الأَمرِ وَلَيسَ مِمَّا هُوَ خَاصٌّ بِالكُفَّارِ لَا يَحرُمُ عَلَى المُسلِمِينَ.
النَّّمصُ
النِّمَاصُ إِزَالَةُ شَعَرِ الوَجهِ بِالمِنقَاشِ، وَالمُتَنَمِّصَةُ هِيَ الَّتِي تَطلُبُ النِّمَاصَ وَالنَّامِصَةُ هِيَ الَّتِي تَفعَلُهُ، وَيُسَمَّى المِنقَاشُ مِنمَاصًا لِذَلِكَ – مَا يُسَمَّى فِي أَيَّامِنَا المِلقَطَ-، وَيُقَالُ إنّ النِّمَاصَ يَختَصُّ بِإِزَالَةِ شَعَرِ الحَاجِبَينِ لِتَرفِيعِهِمَا أَو تَسوِيَتِهِمَا. قَالَ أَبُو دَاوُدَ فِي السُّنَن: النَّامِصَةُ الَّتِي تَنقُشُ الحَاجِبَ حَتَّى تُرِقَّهُ” اهـ.
وَرَجَّحَ بَعضُ الشَّافِعِيَّةِ فِي النَّمصِ وَنَحوِهِ الحِلَّ بِإِذنِ الزَّوجِ، فَإِن مَاتَ زَوجُهَا حَرُمَ عَلَيهَا فِعلُهُ بَعدَ ذَلِكَ. وَقَالَ بَعضُهُم إِنَّمَا يَحرُمُ النَّمصُ إِذَا كَانَ عَلَى وَجهٍ فِيهِ تَشَبُّهٌ بِالفَاجِرَاتِ، وَذَلِكَ كَالَّتِي تَنتِفُ شَعَرَ الحَاجِبِ كُلَّهُ تَرسُمُهُ رَسمًا بِنَوعٍ مِنَ الأَلوَانِ فَهَذَا حَرَامٌ عِندَ الجَمِيعِ.
وَأَمَّا قَصُّ شَعَرَاتِ الحَاجِبِ الطَّوِيلَةِ الَّتِي مَنظَرُهَا مُزعِجٌ أَوِ الَّتِي تُؤذِي العَينَ فَيَجُوزُ وَلَا يُعَدُّ ذَلِكَ مِنَ النَّمصِ المُحَرَّمِ.
الْأَقْنِعَةُ وَصُوَرُ الْمُهَرِّجِ
أَمَّا لُبْسُ الأَقْنِعَةِ الَّتِي يَلْبَسُهَا بَعْضُ النَّاسِ فِي الْمُنَاسَبَاتِ وَالأَعْيَادِ عِنْدَ النَّصَارَى، كَالْبَرْبَارَةِ أَوِ الهَالُوِين، فَهُوَ مِمَّا يُعَدُّ تَشَبُّهًا بِالْكُفَّارِ، وَلَوْ لُبِسَتْ فِي غَيْرِ عِيدِهِمْ.
وَأَمَّا مَنْ لَبِسَ لِبَاسًا بِصُورَةٍ يُضْحِكُ بِهَا النَّاسَ وَيَضَعُ عَلَى وَجْهِهِ وَرَأْسِهِ شَيْئًا، وَيُسَمُّونَهُ الْمُهَرِّجَ، فَهُوَ جَائِزٌ مَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ تَشَبُّهٌ بِالْكُفَّارِ، وَلَكِنْ لَا خَيْرَ فِيهِ.
إِلْبَاسُ الأَطْفَالِ وَبَعْضُ أَشْكَالِ الزِّينَةِ
أَمَّا إِلْبَاسُ الطِّفْلِ صُورَةَ حَيَوَانٍ، فَقَدْ ذُكِرَ أَنَّ التَّصْوِيرَ لَا خَيْرَ فِيهِ إِلَّا لِضَرُورَةٍ، وَكَذَلِكَ إِذَا أُرِيدَ عَمَلُ مَسْرَحِيَّةٍ يَضَعُ فِيهَا الطِّفْلُ لِحْيَةً وَشَارِبًا كَالْكَبِيرِ، فَهَذَا أَيْضًا مِمَّا يُتْرَكُ.
الرُّمُوشُ وَالأَظفَارُ المُستَعَارَةُ وَالعَدَسَاتُ المُلَوَّنَةُ
وَأَمَّا وَضْعُ الرُّمُوشِ الْمُسْتَعَارَةِ مِنَ الْبِلَاسْتِيكِ وَنَحْوِهِ لِلنِّسَاءِ، فَقَدْ ذُكِرَ أَنَّهُ لِلْمُتَزَوِّجَاتِ بِإِذْنِ الزَّوْجِ يَجُوزُ، إِلَّا إِذَا كَانَ فِيهِ تَشَبُّهٌ بِالْكَافِرَاتِ، فَإِنَّهُ يَحْرُمُ، وَمِنْ ذَلِكَ أَيْضًا وَضْعُ الأَظْفَارِ الْمُسْتَعَارَةِ وَالعَدَسَاتِ المُلَوَّنَةِ.
الْمِعْيَارُ فِي الْعَادَاتِ الْمُسْتَحْدَثَةِ
مِنَ الْأُمُورِ الَّتِي ذُكِرَتْ أَنَّ بَعْضَ الْعَادَاتِ وَالأَشْيَاءِ الْمُسْتَحْدَثَةِ يُرْجَعُ فِي حُكْمِهَا إِلَى الْقَاعِدَةِ الَّتِي ذُكِرَتْ؛ فَمَا كَانَ خَاصًّا بِالْكُفَّارِ وَمِنْ عَادَاتِهِمْ الَّتِي يَخْتَصُّونَ بِهَا دَخَلَ فِي التَّشَبُّهِ، وَمَا لَمْ يَكُنْ خَاصًّا بِهِمْ فَلَا يُحْكَمُ عَلَيْهِ بِذَلِكَ مِنْ هَذَا الْبَابِ.
خَاتِمَةٌ
وَبَعْدَ هَذَا الْبَيَانِ يَتَّضِحُ أَنَّ مَسْأَلَةَ التَّشَبُّهِ تَتَعَلَّقُ بِأُمُورٍ مُتَعَدِّدَةٍ، مِنَ اللِّبَاسِ وَالزِّينَةِ وَالْمَشْيِ وَالْكَلَامِ وَالْعَادَاتِ وَغَيْرِهَا، وَأَنَّ الْعِبْرَةَ فِي تَشَبُّهِ الرِّجَالِ بِالنِّسَاءِ وَالنِّسَاءِ بِالرِّجَالِ بِمَا كَانَ خَاصًّا بِأَحَدِ الْجِنْسَيْنِ، كَمَا أَنَّ التَّشَبُّهَ بِالْكُفَّارِ يُنْظَرُ فِيهِ إِلَى مَا كَانَ مِنْ شَعَائِرِهِمْ وَمَا كَانَ خَاصًّا بِهِمْ.
وَالْمَطْلُوبُ أَنْ يَكُونَ الاقْتِدَاءُ بِالْأَنْبِيَاءِ وَالْأَوْلِيَاءِ، فَهُمْ سَادَةُ الْخَلْقِ، وَعَادَاتُهُمْ خَيْرُ الْعَادَاتِ، وَكَمَا قِيلَ: «عَادَاتُ السَّادَاتِ سَادَاتُ الْعَادَاتِ».
هَذِهِ المَسَائِلُ مَجمُوعَةٌ وَمُلَخَّصَةٌ مِنَ:
السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ.
صَحِيحِ البُخَارِيِّ لِلبُخَارِيِّ.
المُعجَمِ الأَوسَطِ لِلطَّبَرَانِيِّ.
الغُرَرُ البَهِيَّةُ فِي شَرحِ البَهجَةِ الوَردِيَّةِ لِلشَّيخِ زَكَرِيَّا الأَنصَارِيِّ الشَّافِعِيِّ.
رَوضَةُ الطَّالِبِينَ وَعُمدَةُ المُفتِينَ لِلحَافِظِ النَّوَوِيِّ.
أَسنَى المَطَالِبِ بِشَرحِ رَوضِ الطَّالِبِ لِلشَّيخِ زَكَرِيَّا الأَنصَارِيِّ.
فَتحُ الوَهَّابِ بِشَرحِ مَنهَجِ الطُّلَّابِ لِلشَّيخِ زَكَرِيَّا الأَنصَارِيِّ.
