بِسمِ اللهِ الرَّحمَنِ الرَّحِيمِ
الحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللهِ، أَمَّا بَعدُ:
المقدمة
إِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ قَد جَعَلَ الزِّوَاجَ قَائِمًا عَلَى المَوَدَّةِ وَالعَطفِ وَالسَّكِينَةِ وَالرَّحمَةِ بَينَ كِلَا الزَّوجَينِ، لِيَسكُنَ كُلٌّ مِنهُمَا لِلآخَرِ، وَلِتَتَوَطَّدَ أَوَاصِرُ المَحَبَّةِ وَالرَّحمَةِ وَالعَطفِ بَينَهُمَا، وَلِيَتَعَاوَنَ الزَّوجَانِ فِي الحَيَاةِ الزَّوجِيَّةِ فِيمَا يُرضِي اللهَ تَعَالَى وَرَسُولَهُ، يَقُولُ اللهُ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: ﴿وَمِن ءاياتِه أنْ خَلَقَ لَكُم مِن أَنفُسِكُم أَزوَاجًا لِتَسكُنُوا إِلَيهَا وَجَعَلَ بَينَكُم مَوَدَّةً وَرَحمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَومٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾، [سورة الروم: 21].
وَهُنَاكَ آدابٌ وَأَخلَاقٌ حَضَّت عَلَيهَا الشَرِيعَةُ الإِسلَامِيَّةُ فِي مُعَامَلَةِ الأَزوَاجِ حَتَّى تَدُومَ المُعَاشَرَةُ الحَسَنَةُ بَينَ الزَّوجَينِ، وَيَبقَى بَيتُهُم سَعِيدًا، ثَابِتَ الدَّعَائِمِ قَوِيَّ البُنيَانِ، غَيرَ مُهَدَّدٍ بِالسُّقُوطِ وَالانهِيَارِ وَالفَشَلِ وَالضَّيَاعِ وَمَا يَتَرَتَّبُ عَلَى ذَلِكَ مِن نَتَائِجَ عَلَى كُلٍّ مِنَ الزَّوجَينِ وَالأَولَادِ.
وَفِي هَذَا المَقَالِ نَتَنَاوَلُ الكَلَامَ عَلَى آدَابِ مُعَامَلَةِ الزَّوجِ لِزَوجَتِهِ وَمَا لَهَا مِن حُقُوقٍ عَلَيهِ.
آداب معاملة الزوج لزوجته
أَوصَى النَّبِيُّ ﷺ الرِّجَالَ فَقَالَ:
فَإِنَّ هَذَا مِن آدَابِ العِشرَةِ النَّبَوِيَّةِ لِأَزوَاجِهِ، فَلَقَد تَزَوَّجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَكثَرَ مِنِ امرَأَةٍ مَعَ فَارِقِ السِّنِّ وَاختِلَافِ أَحوَالِهِنَّ، لَم تَشكُ مِنهُ وَاحِدَةٌ سُوءَ العِشرَةِ أَوِ الخُلُقِ، حَاشَاهُ مِن ذَلِكَ، بَل قَد ذَكَرَت نِسَاؤُهُ فِي كَثِيرٍ مِنَ المَوَاضِعِ بَعضَ خِصَالِهِ الشَّرِيفَةِ الجَمِيلَةِ الَّتِي يُعَلِّمُ بِهَا أُمَّتَهُ كَيفَ تَكُونُ صُحبَةُ الرَّجُلِ لِزَوجَتِهِ، وَمِن ذَلِكَ قَولُهُ ﷺ لِلصَّحَابِيِّ نَاصِحًا: «فَهَلَّا بِكرًا تُلَاعِبُهَا وَتُلَاعِبُكَ».
وَثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يَتَسَابَقُ مَع بَعضِ نِسَائِهِ وَيَتَوَدَّدُ إِلَيهَا، فَقَد قَالَت السَّيِّدَةُ عَائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عَنهَا: سَابَقَنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ فَسَبَقتُهُ، وَذَلِكَ قَبلَ أَن أَحمِلَ اللَّحمَ، ثُمَّ لَمَّا حَمِلتُ اللَّحمَ (أَي سَمِنتُ وَزَادَ وَزنِي) سَابَقتُهُ فَسَبَقَنِي فَقَالَ: «هَذِهِ بِتِلكَ».
وَرُوِيَ عَنهُ أَيضًا أَنَّ بَعضَ نِسَائِهِ سُئِلَت كَيفَ كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي بَيتِهِ؟ فَقَالَت: مَا رُؤِيَ يَومًا عَبُوسًا.
فَهَذَا رَسُولُ اللهِ ﷺ مَعَ قَدرِهِ العَالِي وَمَقَامِهِ السَّامِي وَكَثرَةِ هُمُومِهِ وَتَسَلُّطِ الأَعدَاءِ عَلَيهِ وَعَلَى أَصحَابِهِ، مَعَ ذَلِكَ كَانَ يُلَاطِفُ نِسَاءَهُ وَيُعَاشِرُهُنَّ بِالَمعرُوفِ، لِيَضرِبَ لَنَا مَثَلًا بِنَفسِهِ عَلَيهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ.
وَرُوِيَ فِي تَفسِيرِ قَولِ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالمَعرُوفِ﴾ أَي طَيِّبُوا أَقوَالَكُم لَهُنَّ وَحَسِّنُوا أَفعَالَكُم مَعَهُنَّ. وَقَد بَيَّنَ عَلَيهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ بَعضَ هَذِهِ الحُقُوقَ لَـمَّا سَأَلَهُ صَحَابِيٌّ: يَا رَسُولَ اللهِ مَا حَقُ زَوجَةِ أَحَدِنَا عَلَيهِ؟ قَالَ ﷺ: «أَنْ تُطْعِمَهَا إِذَا طَعِمْتَ، وَتَكْسُوَهَا إِذَا اكْتَسَيْتَ» أَوِ «اكْتَسَبْتَ، وَلَا تَضْرِبِ الْوَجْهَ، وَلَا تُقَبِّحْ، وَلَا تَهْجُرْ إِلَّا فِي الْبَيْتِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. وَهَذَا الحَدِيثُ فِيهِ قَوَاعِدُ أَسَاسِيَّةٌ فِي حُسنِ العِشرَةِ وَالإِحسَانِ بِحَيثُ نَهَى ﷺ عَن الضَّربِ بِغَيرِ حَقٍّ وَلَا سِيَّمَا عَلَى الوَجهِ، وَكَذَلِكَ نَهَى عَنِ التَّقبِيحِ وَهُوَ أَن يُسمِعَهَا كَلَامًا قَبِيحًا مُحَرَّمًا كَالشَّتمِ وَاللَّعنِ أَو لَعنِ الوَالِدَينِ وَالأَهلِ وَلَا يَقُل لَهَا قَبَّحَكِ اللهُ أَو غَيرَ ذَلِكَ مِن أَلفَاظِ الإِيذَاءِ وَالسَّبِّ، وَكَذَلِكَ فِيهِ بَيَانُ أَنَّهُ إِذَا غَضِبَ عَلَيهَا وَهَجَرَهَا لِأَمرٍ مَا فَيَنبَغِي أَن يَكُونَ الهَجرُ دَاخِلَ البَيتِ وَلَا يَتَعَدَّى حُدُودَهُ، حَتَّى لَا يَتَحَدَّثِ النَّاسُ عَمَّا يُسِيء لِسُمعَتِهَا، وَحَتَّى لَا يَزدَادَ النُّفُورَ إِن عَلِمَ الأَهلُ وَالجِيرَانُ بِهَجرِهَا وَمَشَاكِلِهَا مَعَهُ.
احترام الزوج لزوجته
يَنبَغِي عَلَى الرَّجُلِ أَن يَحتَرِمَ زَوجَتَهُ وَيُكرِمَهَا وَيُحسِنَ إِلَيهَا، فَهِي سَيِّدَةُ بَيتِهِ وَأُمَّ أَولَادِهِ وَمَوضِعَ سِرِّهِ وَنَجوَاهُ وَهِي سَكَنُهُ الَّذِي يَسكُنُ إِلَيهِ وَمَحَلُّ رَاحَتِهِ وَرَاحَتِهَا.
وَقَد أَنعَمَ اللهُ تَعَالَى عَلَى الرِّجَالِ بِأَن جَعَلَ لَهُمُ المَرأَةَ رَفِيقَةَ حَيَاتِهِم وَالوَالِدَةَ لِأَولَادِهِم، وَذَلِكَ فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَمِنْ ءَايَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِى ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾، [سورة الروم:21]، فَلَا استِعبَادٌ وَلَا استِبدَادٌ وَلَا قَهرٌ وَلَا قَمعٌ، بَل مَحَبَّةٌ وَوِدَادٌ وَتَفَاهُمٌ وَاحتِرَامٌ مُتَبَادَلٌ.
فَهَل رَأَيتُم أَو سَمِعتُم تَوجِيهًا أَجمَلَ مِن تَوجِيهِ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَهُوَ يُخَوِّفُ الرِّجَالَ بِأَن لَا يَتَسَاهَلُوا فِي الحَقِّ الَّذِي عَلَيهِم لِأَزوَاجِهِم وَعِيَالِهِم بِقَولِهِ ﷺ: «كَفَى بِالمَرءِ إِثمًا أَن يُضَيِّعَ نَفَقَةَ مَن يَقُوتُ»، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، أَي إِنّ لَم يَكُن لَه ذَنبٌ غَيرَ أَنَّهُ أَضَاعَ عَمدًا نَفَقَةَ أَهلِهِ لَكَفَاهُ هَذَا الِإثمُ خِزيًا يَومَ القِيَامَةِ، فَمَا أَعظَمَهُ مِن تَوجِيهٍ نَبَوِيٍّ كَرِيمٍ فَبِهِ تُحفَظُ الأُسَرُ وَالمُجتَمَعَاتُ مِنَ الضَّيَاعِ وَالفَوضَى.
ثُمَّ إِنَّ الرَّسُولَ ﷺ أَوصَى بِمُدَارَاةِ المَرأَةِ وَتَحَمُّلِ مَا يَقُعُ مِنهَا، وَالإِغضَاءُ عَن بَعضِ التَّقصِيرِ الَّذِي قَد يَحصُلُ مِن كَثِيرٍ مِنَ النِّسَاءِ، فَعَلَّمَنَا ﷺ آدَابَ العِشرَةِ الزَّوجِيَةِ مِن مُلَاطَفَةٍ وَمُزَاحٍ وَاستِشَارَةٍ فِي بَعضِ الأُمُورِ وَالأَحيَانِ، وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا بِنَفسِهِ حَيثُ
مَعنَاهُ أَحسَنُ الرِّجَالِ مَن كَانَ مَع زَوجَتِهِ أَحَسَنُ، يُحسِنُ إِلَيهَا وَيَصبِرُ عَلَيهَا وَلَا يُؤذِيهَا.
نفقة الزوجة من طعام وشراب
أَوجَبَ اللهُ عَلَى الزَّوجِ الإِنفَاقَ عَلَى زَوجَتِهِ وَعَلَى أَولَادِهِ الَّذِينَ هُم دُونَ البُلُوغِ نَفَقَةً مِن حَلَالٍ، لَا إِسرَافٌ وَلَا تَقتِيرٌ، لِقَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا﴾، [سورة البقرة: 232].
فيَجِبُ عَلَى الزَّوْجِ نَفَقَةُ زَوْجَتِهِ الْمُمَكِّنَةِ نَفْسَهَا لَهُ وَلَوْ كَانَتْ مَرِيضَةً، وَهِىَ فِي مَذْهَبِ الإِمَامِ الشَّافِعِيِّ مُدَّا طَعَامٍ، وَهُوَ القُوتُ مِن قَمحٍ وَنَحوِهِ لِكُلِّ يَوْمٍ عَلَى مُوسِرٍ -أَي مَن وَصَلَ إِلَى حَدٍّ مُعَيَّنٍ مِنَ الغِنَى-، وَمُدٌّ عَلَى مُعْسِرٍ -أَي فَقِيرٍ-، وَمُدٌّ وَنِصْفٌ عَلَى مُتَوَسِّطٍ -أَي مَن كَانَ بَينَ المُوسِرِ وَالمُعسِرِ-، وَالمُدُّ حَفنَةٌ تَملَأُ الكَفَّينِ المُعتَدِلَتَينِ.
وَعَلَيْهِ طَحْنُهُ وَعَجْنُهُ وَخَبْزُهُ، وَأُدْمُ غَالِبِ الْبَلَدِ، وَهُوَ مَا يُؤكَلُ مَعَ القُوتِ مِن نَحوِ الحِمَّصِ، وَيَخْتَلِفُ بِالْفُصُولِ، يَجِبُ فِي كُلِّ فَصلٍ مَا جَرَتْ بِهِ عَادَةُ الْمُوسِرِينَ فِيهِ، وَمِنَ اللَّحمِ مَا يَلِيقُ بِحَالِ زَوجِهِا جِنسًا وَقَدرًا وَوَقتًا، وَيَجِبُ لَهَا أَيضًا الفَاكِهَةُ الَّتِي تَغلِبُ فِي أَوقَاتِها كَخَوخٍ وتِينٍ ومِشمِشٍ وَنَحوُ ذَلِكَ مِمَّا جرَتْ بِهِ العَادَةُ منَ الكَعكِ والسَّمَكِ.
وَلَو جَلَبَ الزَّوجُ طَعَامًا وَأَكَلَت مَعَه الزَّوجَةُ عَلَى العَادَةِ كَمَا يَفعَلُ النَّاسُ اليَومَ سَقَطَت نَفَقَتُهَا، لِإِطبَاقِ النّاسِ عَلَيهِ فِي عَصرِ رَسُولِ اللهِ ﷺ والمهاجِرينَ وَالأَنصَارِ وَسَائِرِ الأَعصَارِ بَعدَهُ، وَلَم يُنقَل أَنَّ امرَأَةً طَالَبَت بِنَفَقَتِهَا بَعدَهُ، وَلَو كَانَت لَا تَسقُطُ لأعْلَمَهُم بهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَلَقَضَاهُ مِن تَرِكَاتِهِم كَمَا صَحَّحَهُ النَّوَوِيُّ وَالرَّافِعِيُّ.
نفقة الزوجة من الكسوة والمسكن
وَيَجِبُ لَهَا كِسْوَةٌ تَكْفِيهَا، وَءَالَةُ تَنْظِيفٍ أَىْ مَا تُنَظِّفُ بِهِ الْمَرْأَةُ نَفْسَهَا، فَيَلْزَمُهُ أَنْ يَجْلِبَ لَهَا الصَّابُونَ مَثَلًا أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَهُ.
وَيَلْزَمُ الزَّوْجَ لِزَوْجَتِهِ بَيْتٌ وَلَوْ حُجْرَةً وَاحِدَةً، مَعَ مَطْبَخٍ أَي مَوْضِعٍ لِلطَّبْخِ، وَخَلاءٍ أَي مَوْضِعِ قَضَاءِ الْحَاجَةِ، وَيَلْزَمُهُ فِرَاشٌ وَمِخَدَّةٌ، وَجَوْرَبٌ فِى الْبِلادِ الَّتِى تَحْتَاجُ إِلَيْهِ فِيهَا، وَالْبِسَاطُ الَّذِى يَقِي مِنْ ضَرَرِ الْبَرْدِ وَالْحَرِّ، وَاللِّحَافُ إِذَا كَانَ يَصْلُحُ لِلْحَرِّ وَالْبَرْدِ، أَمَّا الإِنَارَةُ فَيَكْفِى السِّرَاجُ أَوْ مَا يَحْصُلُ بِهِ الْكِفَايَةُ، وَيَلْزَمُهُ أَيْضًا أَنْ يَجْلِبَ لَهَا أَدَوَاتِ تَنْظِيفٍ أَىْ مَا تُنَظِّفُ بِهِ ثِيَابَهَا وَتَغْسِلُهَا كَالصَّابُونِ، وَيَلْزَمُهُ لَهَا ثَوْبٌ لِلشِّتَاءِ وَءَاخَرُ لِلصَّيْفِ وَلَوْ لَمْ يَبْلَ الأَوَّلُ، وَالنَّعْلُ أَوِ الْخُفُّ.
أَمَّا النَّاشِزَةُ فَتَسْقُطُ نَفَقَتُهَا بِالإِجْمَاعِ، وَالنَّاشِزَةُ هِي كَالَّتِي تَخْرُجُ مِنْ بَيْتِ زَوْجِهَا بِدُونِ إِذْنِهِ بِلا ضَرُورَةٍ، أَوْ تَمْنَعُهُ حَقَّهُ مِنَ الِاسْتِمْتَاعِ بِهَا، أَوْ تُخَشِّنُ لَهُ الْكَلامَ.
حق الزوجة في التملك
الإِسلَامُ كَرَّمَ المَرأةَ وَحَفِظَ لَهَا حُقُوقَهَا وَجَعَلَ لَهَا حَقَّ التَّمَلُّكِ، فَالمَرأَةُ تَملِكُ فِي الإِسلَامِ فَلَا يَمنَعُهَا زَوجُهَا مَالَهَا الَّذِي تَمتَلِكُهُ، فَإِنَّ لَهَا الحَقَّ الكَامِلَ فِي التَّصَرُّفِ بِأَموَالِهَا الَّتِي اكتَسَبَتهَا، سَوَاءٌ بِجُهدِهَا أَو وَرِثَتهَا عَن قَرِيبٍ لَهَا أَو كَانَ زَوجُهَا مَلَّكَهَا إِيَّاهُ كَالمَهرِ الشَّرعِيِّ الَّذِي هُوَ حَقٌّ لَهَا، وَلَا يَجُوزُ أَن يَتَعَرَّضَ الزَّوجُ لِمَالِ زَوجَتِهِ الخَاصِّ إِلَّا عَن طِيبِ نَفسٍ مِنهَا. قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَءَاتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا (20) وَكَيْفَ تَأْخُذُونَه﴿ۥ﴾ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيثَاقًا غَلِيظًا﴾، [سورة النساء:20-21]، وَالإِفضَاءُ فِي هَذِهِ الآيَةِ الجِمَاعُ وَالمِيثَاقُ الغَلِيظُ هُوَ العَقدُ الشَّرعِيُّ الَّذِي بِهِ حَلَّت هَذِهِ المَرأَةُ لِهَذَا الرَّجُلِ.
المهر حق للزوجة
يَجِبُ لِلمَرأَةِ بِالنِّكَاحِ مَهرٌ، وَهُوَ حَقٌّ لِلمَرأَةِ، لَا لِزَوجِهَا وَلَا لِأَبِيهَا وَلَا لِأَحَدٍ مِن أَهلِهَا، إِنَّمَا هُوَ حَقٌّ لَهَا، وَيُقَالُ لِلمَهرِ أَيضًا الصَّدَاقُ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْءٍ مِّنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَّرِيئًا﴾، [سورة النساء:4].
وَلَا يُشتَرَطُ أَن يَكُونَ المَهرُ ذَهَبًا أَو فِضَّةً، فَمَا كَانَ لَهُ قِيمَةٌ مَالِيَّةٌ يَصِحُّ أَن يَكُونَ مَهرًا، فَقَد يَكُونُ ذَهَبًا أَو فِضَّةً أَو عُملَةً وَرَقِيَّةً أَو كِتَابًا أَو بَيتًا أَو سَيَّارَةً، وَقَد يَكُونُ مَنفَعَةً، مَثَلًا أَن يُوصِلَ المَرأَةَ إِلَى مَكَّةَ لِتَحُجَّ، أَو يُعَلِّمَ الزَّوجُ زَوجَتَهُ عِلمًا أَو سُورَةً مِنَ القُرءانِ، وَقَد يَكُونُ حَالًّا أَو مُؤَجَّلًا إِلَى أَجَلٍ مَعلُومٍ، فَإِن كَانَ حَالًّا فَمَتَى طَلَبَت، وَإِن كَانَ مُؤَجَّلًا لَيسَ لَهَا أَن تُطَالِبَهُ بِالمَهرِ إِلَّا عِندَ حُلُولِ الأَجَلِ لَا قَبلَهُ.
وَلَيسَ لِلمَهرِ حَدٌّ، فَقَد يَكُونُ كَبِيرًا وَقَد لَا يَكُونُ، لَكِنَّ الأَحسَنَ أَيسَرُهُ عَلَى الزَّوجِ.
خاتمة
إنَّ الحَيَاةَ الزَّوجِيَّةَ فِي الإِسلَامِ لَيسَت مُجرَّدَ عَقدٍ يُوثَّقُ، بَل هِيَ مِيثَاقٌ غَلِيظٌ قَامَ عَلَى المَوَدَّةِ وَالرَّحمَةِ، وَبُنِيَ عَلَى التَّكَرُّمِ وَالعَطفِ وَالإِكرَامِ، فَحِينَ يُؤدِّي الزَّوجُ حُقُوقَ زَوجَتِهِ وَيَتَّقِي اللهَ فِيهَا يَجِدُ ثَمَرَةَ ذَلِكَ سَكِينَةً فِي قَلبِهِ، وَبَرَكَةً فِي عُمرِهِ، وَنَمَاءً فِي رِزقِهِ، وَحُسنَ عَاقِبَةٍ عِندَ اللهِ.
وَإِنَّ أَجمَلَ مَا يَترُكُهُ الرَّجُلُ بَعدَ رَحِيلِهِ لَيسَ مَالًا وَلَا جَاهًا، بَل ذِكرَى طَيِّبَةً وَزَوجَةً كَرِيمَةً تَدعُو لَهُ بِالخَيرِ وَتَذكُرُهُ بِالمَغفِرَةِ.
فَلنَجعَل بُيُوتَنَا مَسَاكِنَ سَكِينَةٍ وَمَوَدَّةٍ، وَلنَجعَل مِنهَا مَفَاتِيحَ خَيرٍ تُشرِقُ عَلَى الأَولَادِ وَالأُمَمِ، لِنَلقَى اللهَ وَقَد أَديْنَا الأَمانَةَ وَحفِظنَا الحَقَّ، ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾، [سورة آل عمران:134].
وَاللهُ تَعَالَى أَعلَمُ وَأَحكَمُ، وَالحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ.
المصادر
هَذِهِ المَسَائِلُ مَجمُوعَةٌ وَمُلَخَّصَةٌ مِنَ:
• القُرءَانِ الكَرِيمِ.
• السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ.
• صَحِيحِ البُخَارِيِّ.
• صَحِيحِ مُسلِمٍ.
• سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ.
• صَحِيحِ ابنِ حِبَّانَ.
• شَرحِ صَحِيحِ مُسلِمٍ لِلنَّوَوِيِّ.
• فَتحِ البَارِي لِابنِ حَجَرٍ العَسقَلَانِيِّ.
• إِحيَاءِ عُلُومِ الدِّينِ لِلغَزَالِيِّ.
