بسم الله الرحمن الرحيم
[شرح المختصر العقيدة -1-]
الحمد لله رب العالمين له النعمة وله الفضل وله الثناء الحسن صلوات الله البر الرحيم والملائكة المقربين على سيدنا محمدٍ أشرف المرسلين وحبيب رب العالمين وعلى آله وأصحابه الطيبين الطاهرين، ننوي التقرب إلى الله تبارك وتعالى في الاشتغال بعلم الدين، إن شاء الله ستكون هذه الدروس في شرح مختصر الشيخ عبد الله الهرري رحمه الله، قال رحمه الله تعالى:
بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة
(الحمدُ للهِ ربِّ العالمينَ الحيِّ القيُّومِ المدبِّرِ لجميعِ المخلوقينَ) الحمدُ: معناه الثناء على الله، يعني حين نقول الحمد لله فنحن نثني على الله نشكر الله تعالى، الذي هو رب العالمين مالكُ كلِّ شيء، العالمون هم الخلق، هذا الخلق يقال له عالم وعالمون، الإنس والجن وسوى ذلك يُسمَّون العالمين، فالله تعالى هو مالك كل شيء، وهذا الحمد الذي نتلفَّظ به بقولنا الحمد لله أو الشكر لله هذا حمدٌ مستحب، شكر مستحب،
أما الشكر الواجب فهو أن لا نستعمِلَ نِعَمَ الله تعالى في معصيته، هذا يقال عنه شكر واجب، الشكر الواجب أن لا تَستعمِلَ النِّعم في المعصية، أما الشكر المستحب هو أن تثني على الله باللسان كأن تقول الحمد لله رب العالمين، أما الحيّ معناه الذي هو موصوف بالحياة، وهي صفةٌ لله تعالى أزلية أبدية، ليست كحياة الخلق، نحن حياتنا بالروح والجسد،
أما حياة الله صفته، وصفات الله أزلية، ذاته أزلية وصفاته أزلية، يعني ليس لها بداية، وليس لها نهاية، ليست شيئًا حادثًا حَدَثَ بعد أن لم يكن، الله تعالى ذاته أزلي وصفاته أزلية، أما نحن فذاتنا جسمنا حادث وصفاتنا حادثة، كل شيء تحدُث فيه صفة فمعناه أنه حادث، لأنه متغير، القاعدة العقلية أن كل متغير حادث، الشيء الذي تطرأ عليه صفة تحدث فيه صفة متغيِّرُ فإذًا هو حادث، والحادث لا يجوز أن يكون إلهًا، لذلك الله سبحانه وتعالى لا بد أن يكون أزليًا وصفاتُه أزليَّة، يعني هو لا ابتداء لوجوده، وصفاتُه لا بداية لها ولا نهاية لها، وحين نقول عن الله القيوم فمعناه مدبّر الخلق، الله تعالى له تدبير شامل، أزلي، ليس بحادث،
ليس معنى القيوم أنه قائم في شيء، الذي يقوم في شيء يكون حادثًا، الروح يقوم بهذا الجسد حين نكون أحياء هذا الروح يكون قائمًا في أجسادنا، الله تعالى لا يجوز أن يكون كشيء من خلقه، فلما نقول عن الله القيوم معناه المدبِّر مدبِّرُ الخلق، وتدبيره أزلي شامل وأزلي، ليس شيئًا حادثًا، المدبِّر لجميع المخلوقين، (والصلاة والسلام على رسول الله محمد) حين نصلي على الرسول صلى الله عليه وسلم حين نقول اللهم صلِّ على محمد معناه يا رب زِد محمدًا شرفًا وتعظيمًا هذا معناه،
أما الصلاة التي هي هذه الأفعال المعهودة التي يُبتدأ فيها بالنِّية أثناء التكبيرة وتُختتَم بالسلام، فهذه من أفعال المخلوقين، الإنس يصلون، الجن يصلون، هذه الصلاة، الملائكة يصلُّون، أما الله تبارك وتعالى حين نقول: اللهمَّ صلِّ على محمَّد يعني يا ربِّ زده شَرَفًا وتعظيمًا، يعني زد محمدًا شرفًا وتعظيمًا، ولما نقول سلِّم يعني: يا رب سلِّم أمَّةَ محمد مما يكره محمد عليه الصلاة والسلام مما يخاف منه على أمته صلى الله عليه وسلم، (وبعدُ فهذا مختصَر جامِع لأغلب الضروريات)، أي هذا الكتاب اختُصر من كتابٍ آخر، شيخنا الشيخ عبد الله رحمه الله اختصر هذا الكتاب وجعل فيه أغلب الضروريات، يعني الأمور التي لا يجوز للمكلف أن يجهلها،
يجب عليه أن يتعلمها، التي لا يجوز لكل مكلف جهلها، يعني لا يجوز للمكلف أن يجهل هذه الضروريات، يجب عليه أن يتعلم هذه الضروريات، التي هي متعلِّقة بالمعتَقَد ومتعلِّقة بالأحكام العملية بالعبادات، الأحكام التي يجب على هذا المكلف أن يقوم بها من نحو الصلاة مثلًا، فأحكام الصلاة الضرورية هنا موجودة، الصوم، الأحكام الضرورية للصوم هنا موجودة، هذه تسمى ضروريات، تسمى أمور ضرورية، يعني هي مفروضة على كل إنسان مكلف بعينه، هذا يسمى من الفرض العيني، يعني يجب على كل مكلف بعينه، لا يجوز له أن يجهل ذلك، وإن كان هذا المكلف تعلَّمَ هذه الضروريات ثم طرأ له عليه نسيان شيءٍ منها يجب عليه أن يعود إلى هذه الضروريات حتى يكون على ذُكرٍ منها،
حتى يكونَ مستحضِرًا لها، يعني لا يجوز للمكلَّف الذي تعلَّم الضروريات ثم نسي شيئًا منها أن يترك نفسه على هذا الحال، لا بد أن يرجعَ إلى أن يكون على ذُكرٍ منها كيف ذلك، يراجعها، لأنه سبق وتلقَّاها، هذا العلم إنما يؤخذ بالتلقي من أهل المعرفة، لا يؤخذ بمجرد المطالعة، الإنسان إذا أراد أن يحصِّل عِلْمَ الدِّين لا بد أن يتلقى ذلك بالمشافهة، من أهل المعرفة، يعني لا يكتفى في طلب علم الدين أن يطالع الشخص لنفسه، وإلا لكان قال العلماء للطلاب لطلبة العلم، خذوا هذه النسخ، خذوا هذه الكتب طالعوها ويكتفى بذلك، أليس الطالب كان يقعد عند المعلم ويتردَّد عليه حتى يأخذ منه هذا العلم، حتى يتلقى منه هذا العلم، هذا الطريق الذي تعلَّمه العلماء من رسول الله صلى الله عليه وسلم،
فالرسول عليه الصلاة والسلام قال: "أيُّها النَّاس تعلَّموا، وإنَّما العِلْمُ بالتعلُّم"، يعني ليس هناك سبيلٌ آخر لتحصيل هذا العلم على الطريق الصحيح إلا أن يتعلَّمه الشخص من أهل المعرفة الثقات، قال الله تعالى: ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَىٰ (٥)﴾ سورة النجم، آية 5، أي علَّمَ الرسولَ جبريلُ الذي هو شديد القوى، الرسول نفْسُهُ تعلَّمَ عليه الصلاة والسلام وهو أفضل خلق الله، فمَن بعده كيف يُحصِّلُ العلم؟ يتعلَّم مِن أهل المعرفة الثقات، إن نسي شيئًا من هذا الضروري ليس له أن يبقى على هذا الحال، لأنه سبق وتعلَّمه فيذاكر فيما تلقَّاه، لذلك قال أهل العلم كما قال سيدنا عمر رضي الله عنه:
"قيِّدوا العِلم بالكتاب"، لأن الناس من شأنهم غالبًا إذا سمعوا شيئًا ينسونه، غالبًا الإنسان إذا سمع شيئًا ينساه، إلا أن يكتُبَ ذلك، فإذا نسي وكان كتبه يعود إلى ما كتبه فيحافظ على هذا العِلم الذي هو أخذه، لذلك قال سيدنا عمر ما سبق، وهو في زمانه النَّاس ما كان عندهم ما يُلهي كما في زماننا، فكيف في زماننا!! في ذلك الزمان في الصدر الأول ما كانت هذه الآلات التي تلهي كالزمان الذي نحن فيه، ومع ذلك قال للناس: "قيِّدوا العِلْمَ بالكتاب"، لماذا؟ لأن الإنسان من شأنه غالبًا إذا سمع شيئًا ينساه، فإذا كتبه يعود إليه إن نسيه فيكون حافظَ عليه، حافظ على هذا العلم، (من الاعتقادِ) يعني توجد أمور ضرورية مذكورة في هذا المختصر تتعلق بالمعتقد،
(ومسائل فقهية من الطهارة إلى الحج، وشيءٍ من أحكام المعاملات على مذهب الإمام الشافعي) لأنَّ المعاملات لا يجب على كل إنسان مكلف بعينه أن يتعلم أحكامها، لكن يجب على مَن يريد الدُّخول في المعاملات أن يتعلَّم أحكامها لماذا؟ حتى يعمل هذه المعاملات على حسب ما هو مشروعٌ له، المعاملات منها ما هو فاسد، ومنها ما هو صحيح، فإذا دخل في البيوعات دون أن يتعلم أحكام البيع، هل يضمن أن معاملاته التي يعملها توافق الشريعة؟ لا يضمن، إذا دخل في عقد الإجارة دون أن يتعلم، كيف يكون عقد الإجارة موافقٌ للشرع، دون أن يتعلم، هل يضمن أن يكون فعله موافقًا للشريعة؟
وإذا دخل في العاريَّة إن لم يتعلم أحكام الشريعة كيف يقوم بما هو لازمٌ؟ كيف يتجنَّب أن يقع في معصية الله؟ العارية يعني إذا أراد أن يعير شيئًا إذا أراد أن يستعير شيئًا، وكذلك الرَّهن، إذا لم يتعلَّم أحكامه وأراد الدخول فيه، كيف يضمن أن هذه المعاملة التي دخل فيها باسم الرهن هي موافقة للشرع؟ كثيرٌ من الناس يدخلون في معاملة الرهن ولجهلهم يقعون في معصية الله، وفي دين الله الجهل ليس عذرًا، تذكروا هذه القضية المهمة، في دين الله الجهل ليس عذرًا، لأنه لو كان يُعذر الجاهل لَتَرَكَ الشَّخصُ أن يتعلَّم لأنه يكون معذورًا، كثيرٌ من الجهال إذا أُنكر عليهم في شيءٍ عملوه يخالف الشريعة، يقولون ما كنا نعرف، ما كنا نعرف،
وكأنهم يظنون أنَّ جهلهم بهذه القضية يُعفيهم من المؤاخذة، لو كان يُعفيهم من المؤاخذة لمَ يتعلم الشخص؟ حتى يصير مؤاخذًا؟ لا، لا بدَّ أن يتعلَّم ما فرض الله عليه، إنسان أقرضَ إنسانًا شيئًا فقال له ذاك أنا أقترض منك هذا المال، وأجعل مثلًا سيارتي هذه رَهنًا بهذا الدين الذي أنا اقترضته منك، ما معنى جعلتُ السيارة رهنًا بهذا الدين؟ معناه هذه السيارة لا يجوز له لهذا الشخص الذي هو مالكها أن يبيعها أو أن يهبها حتى يفي الدين، فإذا حلَّ وقت هذا الدَّين وذاك الشخص لا يستطيع أن يدفع هذا الذي رَهَنَ سيارته لا يستطيع أن يدفع، ما عنده عُمْلة لِئَن يدفع، ماذا يفعل الحاكم؟
يبيع عليه هذه السيارة التي هي رهنٌ بهذا الدين ثم يُعطي صاحب المال مالَه والبقية تُردُّ لمن؟ لصاحب السيارة، لأنَّ السيارة له، وهذه السيارة التي جعلها رهنًا بهذا الدين يعني هي لا تُباع لا توهب، حتى يفي الدين، لمن حقُّ استعمالها؟ لمن؟ لصاحبها ليس للذي أقرض، الجهال ماذا يفعلون؟ يقولون هذه السيارة طالما أنت مقترض مني هذا المال أنا أستعملها، وكلُّ قَرْضٍ جرَّ منفعةً فهو ربا، كثير من الناس لا يعرفون هذا يقعون في معصية الربا وهم لا يشعرون، لا يشعر أنه وقع في معصية الربا، التصرف في هذه السيارة في نحو إعارتها، في نحو إجارها، في نحو ذلك دون أن يبيع ودون أن يهبَ، هذا لصاحب السيارة، يعرف الناس الذين يدخلون في معاملة الرهن مِثْلَ هذه الأحكام؟
أكثرهم لا يعرفون، (على مذهب الإمام الشافعي رضي الله عنه ثم بيانِ معاصي القلب والجوارح كاللسان وغيره) لأن الله تعالى قال: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ۚ﴾ سورة الإسراء، آية 36، يعني لا يجوز أن تخوض في ما لا تعلم، ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ۚ﴾ ،) يعني لا يجوز أن تخوض فيما لا تعلم، ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا (٣٦)﴾ سورة الإسراء، آية 36، الإنسان المكلَّف عليه مسؤولية في لسانه في سمعه، في بصره، في بطنه، في فَرجه، في رجله، في يده، عليه مسؤولية، طالما عليه مسؤولية، عليه أن يتعلم، ماذا يحِلُّ له بهذه اليد؟
ماذا يحرم عليه؟ ماذا يحل له برجله؟ وماذا يحرم عليه؟ ماذا يحلُّ له بفَرْجه وماذا يحرم عليه؟ ماذا يحل له من القول ماذا يحرم عليه؟ حتى لا يقع في معصية الله، فإذًا الحق ليس كما يقول جهلة العوام، كأنهم يريدون لا مؤاخذة علينا في ما يجري على ألسنتنا طالما نياتنا طيبة، فيقولون "الحكي ما عليه جمرك"، لا يقال هذا، هو من حيث الجمرك المعهود، ليس عليه جمرك معهود، لكن هم يريدون طالما نياتنا طيبة لا نؤاخذ بما نقول والله تعالى يقول: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ۚ﴾ سورة الإسراء، آية 36، ﴿مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ (١٨)﴾ سورة ق، آية 18، (الأصل) أي الأصل الذي اختُصر منه هذا الكتاب (لبعض الفقهاء الحضرميين وهو عبدُ اللهِ بنُ حُسينِ بنِ طاهرٍ ثم ضُمِّنَ زياداتٍ كثيرةً من نفائس المسائل) المسائل التي هي رفيعة الشأن،
نفيسة ونفائس، (معَ حَذْفِ ما ذَكَرَهُ أي الأصل (في التَّصوُّفِ وتَغيِيرٍ لبعض العبارات) لأن المقصود هنا ليس التصوف، التصوف الإسلامي حقٌ لكن ليس هو المقصودَ بهذا المؤَلَّف، بهذا المختصَر، لـمَّا وجَّهني الشيخ عبد الله رحمه الله في السبعينيات للدراسة في مِصر في بعض السنين هو سمَّى لي الكتاب الذي هو اختصر منه هذا، قال لي تبحث عن هذا الكتاب تشتريه، تشتري نسخة منه، فاشتريتُ نسخة من ذاك الكتاب، ثم صار رضي الله عنه يُقرئني فيه، الذي هو منه هذه العبارات التي هنا موجودة في هذا الكتاب، وأحيانًا يقول لي اقرأ ويشرح، وأحيانًا هو يقرأ ويشرح، جزاه الله عنا خيرًا، آمين، (ممَّا لا يؤدي إلى خلاف الموضوع) يعني:
تغييرٌ لبعض العبارات لا يؤدي إلى خلاف الموضوع المقصود، (وقد نذكُرُ ما رجَّحه بعضٌ من الفقهاءِ الشَّافِعيِّين كالبلقيني لِتضعيفِ ما في الأصل) يعني يذكر أقوى ممَّا ذكره المؤلِّف الذي في أصل الكتاب، ممَّا رجَّحه هذا الإمام البلقيني وهو من أكابر الفقهاء الشافعيين، وكان يسمَّى علَّامةَ الدُّنيا، هو من مصر، البلقيني من مصر، (لتضعيفِ ما في الأصل) لأن في الأصل كان بعض الأقوال التي هي ضعيفة (فينبغي عنايتُه) أي أن يعتنيَ المكلَّفُ (به) أي بهذا الكتاب، (لِيُقْبَلَ عَمَلُهُ) أي ليكونَ عَمَلُهُ موافقًا لشرع الله، لأن العمل الذي لا يوافق شرع الله لا يكون مقبولًا، في الشرع في دين الله لا يُكتفى بمجرد صور الأعمال،
كما هو حال أكثر الناس في هذه الأيام، إنما الذي يكون مقبولًا عند الله هو العمل الذي يُوافق شَرْعَ الله، ولا يَعْرف العمل الذي يوافق شرع الله من غيره إلا بتعلم علم الدين حتى يعرفَ الشخص أنَّ عَمَلَهُ موافقٌ للشرع، أن صلاته موافقة للشرع، أن صومه موافقٌ للشرع، أن حجَّه موافقٌ للشرع، لا يَعرف ذلك إلا أن يتعلم علم الدين من أهل المعرفة الثقات، (أسميناه مختصرَ عبدِ الله الهرري) وهذا نسبة إلى شيخنا الشيخ عبد الله الهرري رحمه الله ورضي عنه (الكافلَ بِعِلْمِ الدِّينِ الضَّروريِّ) وشيخُنا من أكابر العلماء كان فقيهًا محدِّثُا لغويًا، وكان الله تبارك وتعالى أكرمه مِن صغره أنه كان من أهل العِناية،
هؤلاء الذين هم مِن أهل العناية الله تعالى يسهِّل لهم سبيلَ تحصيل علمِ الدِّين ويُسهِّلُ لهم طريقَ الوصول إلى الولاية، يوجد عند الأولياء مصطلح في الشخص الذي هو يصل للولاية ويكون هذا الإنسان سهَّلَ الله تعالى هذا الطريق فيسمونه مُرادًا، يقول الأولياء العلماء الأولياء يقولون: "هذا الـمُراد الولاية تطلبه"، يعني أن الله سبحانه وتعالى يُسهِّلُ له هذا الأمر لِيصلَ للولاية، كأنَّ الولاية هي التي تطلُبه، فيُيَسِّرُ له الله تعالى الطريقَ للوصول إلى الولاية، الشيخ عبد الله رحمه الله من صغره كان من أهل العناية، وكان والدُه رحمه الله كما سمعتُ من شيخنا رضي الله عنه قال:
"والدي كان شيخًا خفيًّا" أي مِن الأولياء الصالحين الأخفياء، يوجد أُناس ليسوا من أهل الظهور من الأخفياء، مِن صغره مِن تمييزه قرأَ عليه أَقرأه في الفقه الشَّافعي، ومِن صغره اللهُ تعالى يسَّرَ له أن يكون تحت الولي الصالح الشيخ محمد عبد السلام الذي كان يُسمَّى رُكْنَ البلد في هرر، يقول الشيخ عبد الله رحمه الله: قرأت عليه في الفقه الشافعي والنحو، سمعته يقول: الشيخ محمد عبد السلام بعدَ أن رجع من السِّياحة -هم هؤلاء الأولياء بعضهم يكون له خروج ابتعاد من الناس يسمونها سياحة ليس السياحة المتعارَف عليها اليوم، لا، يذهبون لخيرٍ يقصدونه لعمل خير يقصدونه بالابتعاد عن الناس- أيضًا شيخنا الشيخ عبد الله رضي الله عنه يقول:
غِبت عن البلد إلى مكانٍ بعيد من صغري، نحو خمس سنوات، لـمَّا رَجَعْتُ كان الشيخ محمد عبد السلام رضي الله عنه، قال كان يعرف والدي ويعرف إخوتي فكان يأتي إليهم ويسأل عني، يقول بلغتهم: "أين عَبْدُوش الملائكة؟" "عبدوش" في لغتهم معناه عبد الله، قال يسأل أخي عليًا، هو أخوه عليًا رحمه الله التقيت به وقلت له أن يحكي لي القصة فحكاه لي كما حكاها أيضًا الشيخ عبد الله رضي الله عنه، فهذا الشيخ محمد عبد السلام كان له شيخ يسمى الشيخ يوسف عبد الوهاب رضي الله عنه أيضًا كان من أكابر الأولياء، هذا الشيخ يوسف عبد الوهاب كان يؤذِّن في المسجد الكبير في هرر محتَسبًا لله تعالى، قلبُه متعلِّقٌ بالأذان، فمرَّة كان لـمَّا يؤذن يسمع الناس أذانه إلى مسافة خمسين كيلو متر،
ما كان عندهم هذه الآلات القويَّة التي تُوصل الصوت إلى المكان البعيد، بل مِن طريق الكرامة اللهُ تعالى يُسمع الناس آذانه كان مخلِصًا وليًا صالحًا، هذا الشيخ يوسف عبد الوهاب مرة ذهب إلى ناحية تسمى دَيْرْدَوَى، فطلب من الذي يؤذن في المسجد هناك قال له: "أستأذنك أن أُؤَذِّنَ أنا"، فأذَّنَ هو في المسجد في دَيْرْدَوَى وكان في الناحية امرأةٌ جاءها الطَّلْقُ ولم يخرج الولد، فلمَّا أذَّنَ الشيخ يوسف عبد الوهاب رضي الله عنه خَرَجَ الولد، اللهُ سهَّلَ لها وَوَلَدَتْ بسهولة، هذا الشيخ يوسف عبد الوهاب انظروا إلى هذه السلسلة الذهبية، قال للشيخ محمد عبد السلام لما كان عمره نحو خمس وعشرين سنة:
"لقد جاءتك القُطْبانيَّة"، يعني وصلت إلى درجة القُطُب، وهي درجةٌ عالية في الولاية وكان عمره نحو خمسٍ وعشرين سنة، هذا شيخُ شيخنا المباشِر هو الشيخ محمد عبد السلام، الذي قرأ عليه شيخنا رضي الله عنه في الفقه الشافعي وقرأ عليه في النحو، قال: "بلغني أنه قرأ على الشيخ يوسف عبد الوهاب المتمِّمة الآجرومية خمسَ عشرة مرة"، هكذا العلماء يقرؤون الكتاب إن تيسَّر لهم على المشايخ كثيرًا ولا يملُّون من ذلك، أَحكي لكم هذا للفائدة الكبيرة: مرة كنت مع شيخنا رحمه الله في طرابلس، وكان ولده عبد الرحمن هنا في بيروت، فلما استأذنْتُهُ بالرجوع إلى بيروت قال لي:
سلِّم على ولدي وقل له: يقول لك الشيخ: هذا الكتاب الذي أعطيتك لِتقرَأه لا تَمَلَّ منه، اقرأه ولا تملَّ منه ولو مائةَ مرة، كان أعطاه كتابًا في النحو ليقرأ فيه قال لي قل له: "الشخص أحيانًا إذا طلب بابًا من العلم يجده كأنه بابٌ مقفل، فإذا صَبَرَ يُفتح له الباب"، هذه حتى نستفيد منها لكل حياتنا ونحن وأولادنا ومَن يأتي بعدنا كذلك، أحيانًا الشخص نفسه تقول له هذا صعبٌ عليك من أين تتقن هذا؟ من أين تعرف هذا؟ يقول الشيخ عبد الله في نصيحته، في توجيهه: "فإذا صَبَرَ يُفتحُ له الباب" معناه نحتاج أن نصبر في عملنا لله تعالى في طلبنا لأبواب العلم التي نطلبها حتى يُفتحَ لنا الباب بإذن الله تبارك وتعالى ومرة الشيخ عبد الله رحمه الله يعرفه الذي يعرفه والذي جالسه وسمع منه،
مِن شأنه لا يتكلم عن نفسه في العادة لكن يكون مرَّ شيء عارض لمصلحة فيذكر شيئًا فقال: الشيخ محمد عبد السلام رضي الله عنه كان يَسْتَتْبِعُني خَلْفَه ويحمِّلُني كتابين -أنا صِرْتُ أسأل حتى نستفيد مما حصل في ذلك الوقت الذي يتحدث عنه الشيخ عبد الله رحمه الله- فقُلْت له: ماذا فَعلْتَ بالكتابين؟ أنا ظننت أنه يحمل كتابين للشيخ حتى يُطالع الشيخ في الكتابين، قال لي: أقرأني الكتابين، فقلت له: ما الكتابان؟ قال: كتاب كبير في الفقه الشافعي وكتاب شرح ملحة الإعراب، فقلت له:
كم كان عمرك يومئذٍ قال كان عمري نحو ثمانِ سنوات. يعني في ذلك العمر الله تعالى يسَّرَ له هذا الشيخَ القُطُب الذي هو الشيخ محمد عبد السلام أقرأه في كتاب المتمِّمة في شرح ملحة الإعراب، وكتابًا كبيرًا في الفقه الشافعي رضي الله عنه، فالشيخ عبد الله مِن صغره أخذَ عِلْمَ أهل السنة والجماعة من الأكابر إن كان في الحديث إن كان في القراءات إن كان في الفقه إن كان في النحو، إن كان في غير ذلك، في شتى العلوم، الله أكرمه من صغره، فمن صغره هذا الرجل الصالح كان سالكًا في الطريق الصحيح أكرمه الله تعالى بذلك، والله تعالى أعلم متى وصل للولاية، لكن كان في حياته كما تعرفون عنه يشتغل بتعليم الناس العقيدة وتعليم الناس الفقه، وتعليم الناس ما هو نافع، ويكافح الضلال وأهله، قضى عمره في ذلك رضي الله عنه.
(ضروريات الاعتقاد)
(فصل)
(يجب على كافة المكلفين) المكلَّف هو الإنسان البالغ العاقل الذي بلغته دعوة الإسلام معنى بلغته دعوة الإسلام: أي بلغه أنه لا إله إلا الله محمدٌ رسول الله، فإذا كان الشخص بالغًا عاقلًا ليس مجنونًا، وسمع باللغة التي يفهمها لا إله إلا الله محمدٌ رسول الله، ماذا يسمَّى؟ يسمى مكلفًا، لا يقال هذا يحتاج للتكليف أن يقرأ القرآن وأن يسمع القرآن أو يسمع كلام الرسول عليه الصلاة والسلام، لا، بل إن كان بالغًا عاقلًا وسمع لا إله إلا الله محمدٌ رسول الله، ماذا نقول عن هذا الإنسان؟
مكلف، يجب عليه فورًا هذا الإنسان إن لم يكن مسلمًا أن يدخل في دين الإسلام، وذلك أن ينطق بالشهادتين، (يجبُ على كافَّةِ المكلفين الدخولُ في دين الإسلام) يعني إن لم يكن مسلمًا أن يدخل فيه، (والثبوتُ فيه على الدَّوام) ليس للإنسان أن يقول أريد أن أترك الإسلام ولا لحظة من اللحظات، إذا إنسان قال أريد أن أترك الإنسان، يكفر، والعياذ بالله، (والتزامُ ما لَزِمَ عليه من الأحكام) يعني يجب على المكلف أن يلتزم الأحكام التي تُلزِمُهُ بها الشريعة الإسلامية، اليوم بعض الناس ونحن في زمن صعب، يعترضون على الله تبارك وتعالى يعترضون على الرسول، يعترضون على القرآن، يجادلون في قضايا موجودة في القرآن وهم ينتسبون للإسلام،
الإنسان المسلم يُسَلِّم لله، الذي يعترض على الله ليس مسلمًا، الذي يعترض على الرسول ليس مسلمًا، الذي يعترض على القرآن ليس مسلمًا، الذي يعترض على الشريعة ليس مسلمًا، لأن بعض الناس صاروا ينادون بما يسمى حرية الفكر، يقول لك حرية فكر يا أخي فكر كما تشاء، وقل ما تشاء، وأدّ رأيك كما تشاء، هذا خلاف دين الله، الله تعالى يقول ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥)﴾ سورة النساء، آية 65، الله قال ﴿لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ سورة النساء، آية 65،
الذي لا يُسلِّمُ لله ولرسوله لا يكون مؤمنًا، اليوم الناس الجهَّال يذهبون إلى الدُّول الخارجية فيقولُ بعضهم لبعض انتبه تعلَّمْ قوانين البلد حتى لا تُعاقب، حتى لا تُسجن، حتى لا تُغرَّم بالمال، قوانين البلد هذه في أي دولة من هذه الدول، هذه القوانين من وضعها أليس الناس؟ هم مَن وضعوها، هؤلاء الناس هم وضعوا هذه القوانين ورتَّبوا على مخالفتها غرامات ورتَّبوا على مخالفتها السجن، ورتَّبوا كذا وكذا وهم عادة مِن شأنهم يستحسنون ذلك، يستحسنون وَضْعَها ويستحسنون معاقبةَ مَن يخالفها، ومن وضع هذه القوانين؟
بشر، هؤلاء بشر، أما الذي جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم من الدين من أين أتى به الرسول؟ بوحيٍ من الله، ﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ (٤)﴾ سورة النجم، آية 3، 4، بوحي من الله، الذي هو بوحيٍ من الله أحقُّ أن يُتَّبع، هذا الذي يُتبع، وهذا الذي حقٌ أن يعاقب الشخص بما جاء في الشريعة إذا خالفه، الله أنزله، أنزل هذا الحكم ليُعمل به، وأنزل حكم العقوبة التي تترتَّب على الشخص إذا ترك الالتزام بهذا الذي أنزله الله، هذا بوحيٍ من الله، لكن أكثر الناس عقولهم معكوسة، أفهامهم منكوسة، ما عندهم فهم صحيح، تتكلَّمُ في شرع الله، يقول لك رأيي، ما رأيك أمام شرع الله، ما رأيك؟!!!
كيف تعتبر رأيَك الذي يخالف كلام الله وكلام الرسول صلى الله عليه وسلم فتقول رأيي، رأيي!!! رأيُك لا يُلتفت إليه إذا خالف شرع الله، مَنْ سلَّمَ لله سَلِم، من لم يُسلِّمْ لله هَلَكَ، ألا تسمعون النَّاس الذين يَنزلون بعض في الطُّرقات فيسبُّون الخالق سبحانه وتعالى، يسبُّون الله، أليس عرفتم عن بعض مَن يضع على رأسه اللَّفَّة يعني يسمى شيخًا، يقول "هَلَكُوا ربنا" والعياذ بالله، الذي يقول "هَلَكُوا ربنا" ليس مسلمًا بل ويضع على رأسه لفة!!! الجاهل الذي يسمعه ماذا يقول؟
يقول: الشيخ الذي على رأسه لفة يقول "هَلَكُوا ربنا"، لو كان كفرًا يقوله؟!! فهذا يجرُّ أناسًا إلى الكفر، يعني هو كَفَرَ خرج من الإسلام إن كان مسلمًا قَبْلُ، ثم الذي يتبعه على مثل هذا يخرج من الإسلام، الذي لا يعتبر هذا كفرًا أيضًا هو يكفر، (فمِمَّا يجبُ عِلْمُهُ واعتقادُه مُطلقًا) يعني في كلِّ الأحوال، إن كان الشخص في غير حالِ الإكراه وإن كان مُكرهًا عليه أن يبقى معتقِدًا للاعتقاد الصحيح، لا يتخلَّى عن اعتقاد الشهادتين، (والنُّطْقُ به في الحال إن كان كافرًا) يعني إذا كان الشخص غيرَ مسلمٍ وأراد أن يدخل في الإسلام يلزمه أن ينطق بالشهادتين للدخول بالإسلام، كثير من جهلة العوام إذا حصل منهم كفر وراجعهم إنسان يبادرون إلى قول أستغفر الله،
أستغفر الله، "أستغفر الله" لا تنفع إلا المسلم، لا تنفع الكافر، بل تزيد الكافر كفرًا، لأنَّ معنى قول الكافر "أستغفر الله" يا رب اغفر لي وأنا كافر، معنى قول الكافر أستغفر الله يا رب كذِّبْ نفسك بأن تغفر لي وأنا كافر، لأن الله أخبر أنه لا يغفر للكافر، طالما هو على كفره، فيكون بذلك قول الكافر أستغفر الله زيادةً في الكفر والعياذ بالله، (وإلا) إذا كان هذا الشخص مسلمًا (ففي الصَّلاة الشهادتان) لأن الشهادتين يجب أن ينطق بهما في الصلاة، (وهما أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعنى أشهد أن لا إله إلا الله أعلم وأعتقد بقلبي وأعترف بلساني أن لا معبود بحقٍ إلا الله) هذا معنى كلمة لا إله إلا الله،
لا معبود بحقٍ إلا الله، يعني لا أحد عُبِدَ وهو يستحقُّ العبادة إلا الله، كلُّ ما عُبِدَ مِن دون الله لا يستحقُّ العبادة، ما هي العبادة؟ نهاية التذلل والخضوع، هذا معنى العبادة، نحن لا نَصْرِف هذا إلا لله تبارك وتعالى، نحن المسلمون إذا توسَّلنا برسول الله أو بالعمل الصالح أو بنبي من الأنبياء سوى الرسول أو بولي من الأولياء، نحن لا نعتقد أنَّ النبي أو الولي أو العملَ الصالح يخلق لنا نفعًا، أو يدفع عنا الضَّرر بذاته من دون مشيئة الله، نحن نعتقد أنَّ الذي يستحقُّ العبادة هو الله، وأنَّ الله سبحانه وتعالى جعلَ أسبابًا مِن جملة هذه الأسباب أنَّنا نتوسَّل إلى الله تبارك وتعالى بالطَّلَب من الله بِذِكْرِ اسم الولي أو النبي أو العمل الصالح،
لتحقُّقِ مطلوبٍ لنا، هذا معنى التوسل، هذا معنى أن يتوسل المسلم، فإذا قال شخص لكن الرسول يقول: "إذا سَأَلْتَ فاسْأَلِ الله" حين تقول: اللهم إني أسألك وأتوجَّه إليك بنبيِّك محمَّد نبيِّ الرَّحمة يا محمَّد إني أتوجَّه بك إلى ربي في حاجتي لِتُقضى لي، مَنْ سألْتَ أنت؟ الله، فلا تكون خالفت الرسول صلى الله عليه وسلم إذا سألت فاسأل الله، حين تقول اللهم إني أسألك بجاه محمد، أو بجاه الرفاعي، أو بجاه الجيلاني، أنت من سألت؟ سألت الله، يعني لا تكون خالَفْتَ حديث الرسول صلى الله عليه وسلم، ثم لو إنسان قال:
يا محمد، في هذا الحديث الذي علَّمه الرسول للصحابي حتى يقوله، لِيستجاب دعاؤه ماذا فيه؟ يا محمد إني أتوجه بك إلى ربي في حاجتي لتقضى لي، مَن الذي علَّمه أن يقول هذا؟ الرسول صلى الله عليه وسلم، وما علَّمه الرسول فهو خيرٌ، لأنَّ المشبهة المجسِّمة نفاةَ التوسل يقولون للناس: إنْ توسلتم بغير الله كالتَّوسُّل بالنبي أو الولي، يقولون لهم: فقد عبدتم النبيَّ عبدتم الولي، ما فهموا معنى العبادة، العبادة ما هي؟ غاية الخضوع، غاية الخضوع والخشوع، هذا نحن لمن نصرفه؟
لله تبارك وتعالى نحن لا نعبد إلا الله، لكن نحب رسول الله، ونحب الأنبياء والصالحين والعمل الصالح، ونتوسَّل إلى الله كما علَّمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنَّ بعضهم يقول لك يا أخي أن تجعل بينك وبين الله واسطة، قل له: الله تعالى غني عن العالمين الله لا يحتاج لكل العالمين، لا يحتاج للنبيين ولا للصالحين، ولا لطاعاتهم، ولا لطاعاتنا، الله لا يحتاج لشيء، لكن هذا أمرٌ مشروع الرسول علمه صلى الله عليه وسلم لذلك نحن نعمله، فيه ذكر سبب، هذا التوسل الذي أنت تتوسله حين تذكر النبي أو الولي أو العمل الصالح هو من أسباب استجابة الدعاء بإذن الله، ليس شيئًا مخالفًا للشرع، بل هو شيءٌ موافقٌ للشرع، (أن لا معبود بحقٍ إلا الله، الواحد) الذي لا شريك له،
نحن نقول لا إله إلا الله معناه الله واحد لا شريك له، (الأحد) قال بعض العلماء هو بمعنى الواحد، وقال بعضهم معناه الذي ليس جسمًا الذي لا يقبل الانقسام، لأنَّ الجسم هو الذي يقبل الانقسام، ما هو الجسم؟ ما تركَّب من جوهرين فأكثر، الجوهر ما له قيامٌ بذاته، الجوهر الحجم يعني، الجسم ما تركَّب من جوهرين فأكثر، ما دام الجسمُ هو ما تركَّب من جوهرين فأكثر فمستحيلٌ أن يكون الله جسمًا، لأن الجسم مركَّب تَرَكَّبَه، ركَّبَه غيرُه، غيرُه جعلَه على ما هو عليه، الله سبحانه وتعالى هو الذي له المشيئة العامَّة، الشاملة، هو سبحانه وتعالى ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، ليس غيرُه يؤثِّر فيه سبحانه وتعالى، لا، فالجسم ما تركَّب من جوهرين فأكثر،
فهو مركَّب يحتاج إلى مَن ركَّبه فهو حجم فهو مخلوق، الخالق لا يجوز أن يكون كشيء مِن خَلْقِهِ، فلا يقال عن الله إنَّه جسم ولا يقال عن الله أيُّ كلام يؤدي إلى القول بأنَّه جسم، يعني إذا واحد قال الله جالس معنى كلامه أن الله جسم، إذا واحد قال الله قاعد معنى كلامه أن الله جسم، إذا واحد قال الله يسكن السماء، معنى كلامه أن الله جسم، إذا واحد قال الله يحاذي العرش هكذا يحاذيه فوقه بمسافة بعيدة أو قريبة، معنى كلامه أنَّ الله جسم، كلُّ ما يؤدِّي إلى القول بأنَّ الله جسم فهو باطل، لأنَّ الجسم مركَّب من جوهرين فأكثر، الله تعالى خالقُ الأجسام فلا يجوز أن يكون جسمًا، أبو الفضل التميمي الذي هو رئيس الحنابلة ببغداد وابن رئيسها قال:
"أنكر أحمد على مَن قال بالجسم" يعني أنكر الإمام أحمد على مَن وَصَفَ الله بأنَّه جسم، "وقال: إن الأسماءَ مأخوذةٌ من الشريعة واللغة"، الأسماء أليس نقول هذا بيتٌ هذا مسجد، هذا إنسانٌ، مأخوذة من الشريعة واللغة، هذا اللفظ الذي هو الجسم "أهلُ اللغة وضعوه للشيء الذي له طول وعرض، وصورة وتأليف وتركيب، والله تعالى خارجٌ عن ذلك، ولم يجئ في الشرع أن الله جسم فبطل ذلك"، الله سبحانه وتعالى لا يجوز أن يقال عنه إنَّه جسم، ولا يجوز أن يقال لفظٌ يؤدي إلى القول بأنه جسم، لأنَّ الجسم مركَّب، والمركَّب مخلوق، والمخلوق لا يكون إلهًا، "ومَن وصف الله بمعنًى من معاني البشر فقد كفر"، أخبرني شخص مدرِّس قال لي:
أدرس بعض الناس في الجزائر، فبعض الدارسين شخص من الدارسين، لـمَّا سمع منه التنزيه، وأنَّ الله لا يشبه شيئًا، لا يشبه الإنسان ولا الملك ولا الجن، ولا يشبه شيئًا من خلقه، قال له أنا كنت سألت بعض أصحابي عن الله، فقالوا لي: صفاتُه صفاتُ الإنسان، قال له: كلُّ صفات الإنسان هي صفات الله والعياذ بالله، ثم قال له بعد ذلك: هل يُسامحني ربي، لأنني قلت ذلك؟ فعلَّمه وأخرجه من هذه العقيدة الفاسدة، الشخص الذي هو على الكفر كيف يخْلُصُ مِن كفره، إذا كان على اعتقاد فاسد يترك الاعتقاد الفاسد، يعتقد الصَّحيح ثم ينطِقُ بالشهادتين، هذا في بلد يقال عنه بلد إسلامي، قال له أصحابه:
كلُّ صفاتِ الإنسان هي صفات الله، الإمام أبو جعفر الطحاوي يقول: "ومَن وصف الله بمعنًى من معاني البشر فقد كفر"، الذي يصف الله بصفة من صفات البشر فقد كفر، فكيف الذي يقول كلُّ صفات البشر هي صفات الله، هذا يقال عنه مسلم؟ لا، ليس مسلمًا، أين يعيش هذا الشخص؟ في البلاد التي يقال عنها إسلامية، وآخر أيضًا للعبرة والاعتبار، ولتردوا على الناس الذين يقولون لكم لما في كل الدروس توحيد وعقيدة وتنزيه الله والتحذير من الكفر والتحذير من الكفريات والتحذير من أهل الضلال، اسمعوا ماذا يحصل في البلاد التي يقال عنها إسلامية، شخصٌ آخر يعلِّمه هذا الداعي قال له:
مَن سبَّ الله كَفَرَ، مَن سبَّ النبيَّ كفر، مَن سبَّ الـمَلَكَ كفر، قال له أنا أسبُّ الله، وأبي يسبُّ الله وأمي تسبُّ الله، وإخوتي يسبون الله، وأخواتي يسبون الله، قال له كلُّ بيتنا يسبون الله، وجيراننا يسبون الله، قال له نحن تعوَّدْنا على هذا، هذا شيء تعوَّدنا عليه، وهم ماذا يظنون بأنفسهم؟ أنهم من المسلمين، فهل يُسكت عن هذا يا أحبابنا؟ لا، لا يُسكت عن هذا، ما دُمنا نعرف هذه الحقيقة نعرف هذا أنه انتشر فيما بين الناس هذه الكفريات، وهذه العقائد الفاسدة، ماذا نفعل؟
نعلِّم الناس العقيدة الصحيحة، رجل علَّم في بعض القرى عكار ثم أخذني هناك اجتمعتُ ببعض من علَّمهم فقالوا لي: قَبْلَ أن يأتي هذا الأستاذ الذي علَّمنا، كلُّ ضيعتنا كلُّها بلا استثناء الصغار والكبار، الرجال والنساء، يعتقدون أنَّ الله ساكنٌ في السماء، قالوا لي: كلُّنا كنا نعتقد هذا، حتى جاء هذا الأستاذ وخلَّصنا من هذه العقيدة الفاسدة، أليس يقولون: خزَّانُ السنة هناك؟! هكذا يقولون، هؤلاء الذين نشؤوا على العقيدة الفاسدة ليسوا مسلمين، حتى يصيروا مسلمين لا بدَّ أن يتركوا العقيدة الفاسدة ويعتقدوا الصَّواب الحقَّ، ثم ينطقوا بالشهادتين.
(الأولُ القديم) يعني لا ابتداء لوجوده، مِن هذا يُعرف مِن إثبات هذا يُعرف أن الله موجودٌ بلا جهةٍ ولا مكان، الله تعالى قال: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ ﴾ سورة الحديد، آية 3، أي هو الموجود الذي لا ابتداء لوجوده، وكلُّ ما سواه لوجوده ابتداء، لـمَّا نقول: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ ﴾ سورة الحديد، آية 3، أي هو الموجود الذي لا ابتداء لوجوده، معناه" كان الله في الأزل ولم يكن شيءٌ غيره"، كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم يعني في الأزل لم يكن عرش ولم يكن سماء ولا خَلاء ولا مَلاء ولا أرض ولا إنس ولا جن ولا ملائكة، ولا ظلام ولا نور، لم يكن شيءٌ من الخلق في الأزل، كان الله وحده في الأزل، ماذا يقال عن وجوده في الأزل قبل وجود الأماكن والجهات؟
كان موجودًا بلا مكان ولا جهة، وكلُّ المسلمين يقولون لا يتغير، بعد أن خلق الجهات والأماكن العرش والسموات، والفضاء والخلاء والملاء والأرضين، لم يزل كما كان موجودًا بلا مكان، إذا واحد قال -والعياذ بالله- كما تقول المشبهة: الله جلس على العرش، جعلوا الله حادثًا لأنهم وصفوا الله تعالى بصفات المخلوقين ووصفوه بالتغير لأن العرش حادث مخلوق معنى كلامهم أن الله تغير، وأن الله صار متصفًا بصفة من صفات الخلق، حين تقول جلس معناه التصق جسم بجسم، هذا معنى جلس، التصق جسمٌ له قسمان:
نصف أعلى ونصف أسفل، بجسم، حتى يكون قاعدًا جالسًا، هذا لا يجوز على الله تبارك وتعالى، سمعتم بالمسلمين أن شخصًا سمِّي بعبد الجالس؟ وعبد القاعد على العرش؟ لا، أما في المسلمين مَن يُسمَّى بعبد القاهر، عبد القهار، هذا معنى ﴿الرَّحْمَٰنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَىٰ (٥)﴾ سورة طه، آية 5، قهر، ليس معناه أنه حَدَثَ فيه صفة، لا، خلق الله العرش وهذا العرش مقهورٌ لله، هذا معناه، ليس معناه أن الله تعالى استحق الوصف بأنه قاهر بإحداثه للعرش، لا، الله تعالى أزلي وصفاته أزلية، خلق الله العرش وهو قاهره، مسيطر عليه، هذا معنى ﴿الرَّحْمَٰنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَىٰ (٥)﴾ سورة طه، آية 5، ليس معناه أن الله تعالى جلس أو قعد أو استقر كما تقول المشبهة.
(الحيُّ) الموصوف بالحياة التي هي صفة لله أزلية أبدية، ليست بروح ودم وعصب وجسم، (القيُّومُ) الذي هو مدبِّرُ جميعِ المخلوقين، وليس معناه أنَّه قائمٌ في شيء مِن خَلْقِهِ، هذا لا يجوز على الله، (الدَّائم) يعني الذي هو موجود لا نهاية لوجوده، لأن الله تعالى لا يجوز عليه الموت، لا يجوز عليه التَّغيُّر، (الخالقُ) يعني الذي أبرز المخلوقات من العدم إلى الوجود، ولا أحد يوصف بأنه الخالق إلا الله، يعني هذا الاسم خاصٌ بالله تبارك وتعالى، كما نقول مثلًا الله، لا يسمى غير الخالق بهذا اللفظ، الرحمن لا يسمى غير الله بهذا اللفظ، الخالق كذلك، الرزاق الرازق كذلك، المحيي المميت، ذو الجلال والإكرام،
مالك الملك، القدُّوس، هذا لا يسمى به إلا الله سبحانه وتعالى، (الرَّازق) الذي هو يوصل الأرزاق إلى خلقه، والرزق: هو الشيء الذي ينفع ولو كان حرامًا يعني يوجد رِزْقٌ مباح ورزق محرَّم، (العالمُ) الذي هو متَّصفٌ بصفة العِلم، وعلمُه أزليٌّ أبديٌّ ليس بحادثٍ وليس بمتطوِّر، لا يزيد ولا ينقص، الله تعالى عالم بعلم واحدٍ أزليٍّ أبديٍّ لا يزيد ولا ينقص، الإنسان عِلْمُهُ يزيد وينقص، أنا قبلَ أن آتي إلى هنا هل أعرف مَن يكون هنا؟ لا، لما رأيتكم عرفت أنكم هنا، عِلْمُ الإنسان يزيد وينقص، عِلْمُ الإنسان محصور، عِلْمُ الإنسان حادث، الله تعالى عَلِمَ ما كان قبل هذا، عَلِمَهُ بعلمِهِ الأزلي، وعَلِمَ بعلمه الأزلي ما يكون،
وعَلِمَ بعلمه الأزلي ما سيكون ممَّا لا نهاية له، وعِلْمُهُ ليس محصورًا، عِلْمُهُ ليس له بداية، عِلْمُهُ واحدٌ، ليس متطوِّرًا، ليس متغيِّرًا، لا يقال الله يعلم الشيء بعد أن لم يكن عالـمًا به، لا يجوز هذا على الله ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا ۚ ﴾ سورة الأنفال، آية 66، ، ليس معناه أن الله الآن عَلِمَ أن فيكم ضعفا، بل الآن أنزل بالوحي على الرسول عليه الصلاة والسلام حكم التخفيف عن المسلمين في لقاء العدو من أنه كان يجب على المسلم أن يقف في وجه عشرة من الكفار في القتال، إلى أنه الآن يجب على المسلم أن يقف في وجه اثنين من الكفار، لأنه علم بعلمه الأزلي أنه يكون فيكم ضعف،
ليس لأنَّه الآن طرأ عليه عِلْمُ ذلك، لا، طروء العلم معناه حدوث، هذا يصلح في المخلوق، أنت تعلم شيئًا بعد أن لم تكن عالـمًا به، أنت تنسى شيئًا كنتَ علمته أما الله سبحانه وتعالى لا يجوز عليه النسيان، لا نقول الله ينسى كذا، لا، الله تعالى متصفٌ بعلم واحد أزليّ أبديّ ليس بمتغيِّر، لا يزيد ولا ينقص، أحاط بكل شيءٍ علمًا، (القديرُ) له صفة القدرة الله سبحانه وتعالى أزلية أبدية، الله سبحانه وتعالى قادر على كلِّ شيء لا يُعجزه شيء، لا يقال الله لا يقدر على كذا، لا، لا يقال هذا، إذا إنسان قال:
الله لا يقدر على كذا، كَفَرَ، والعياذ بالله، الله قادر على كلِّ شيء، القدرة صفةٌ لله، تتعلَّق بالممكنات، لأن الله سبحانه وتعالى هو يوجد الشيءَ الذي أرادَ في الأزل أن يكون موجودًا ويُعدِمُ ما أراد أن يصيرَ معدومًا فصفةُ الله القدرةُ صفةٌ أزلية لله بها يُوجِدُ الممكن ويُعدم، لماذا قلنا بها يوجد الممكن ويعدم لماذا خصصنا الممكن؟ لأنَّ الممكن هو الذي يقبل الدخول في الوجود أن يكون موجودًا بعد أن لم يكن موجودًا وهو الذي يقبل العدم، مفهوم، لذلك نقول قدرة الله صفة لله أزلية أبدية بها يوجد الممكن ويعدم، فإذا إنسان فَهِمَ ذلك عَرَفَ ذلك فجاءه ملحدٌ وقال له هل يقدر الله أن يخلق مثله، لا يقول له لا يقدر، ولا يقول له يقدر،
يقول له القدرة صفةٌ لله بها يوجد الممكن ويُعدم، الله سبحانه وتعالى لا يجوز أن يكون له مثيل، لا يجوز أن يكون له نظير، هو واحدٌ لا شريك له، وجود إلهٍ ثانٍ محالٌ عقلًا، وهذا لا يدخل تحت القدرة، ليس لعجز، العجز في القدرة في المخلوق لا في الخالق سبحانه وتعالى، يعني أنا أقول: لا أستطيع لا أقدِر أن أحمل هذا المسجد، لماذا؟ لِعجزٍ في قدرتي،
أما الله تعالى فقدرته لا توصف بالعجز لا يقال: الله لا يقدر أن يُوجد مثله، بل يقال وجود مثيلٍ لله محالٌ عقلًا فلا يدخل تحت القدرة، فإذًا هذا الشيء الذي أنا أوصف به قصورٌ في القدرة، يعني أنا لا أستطيع أن أحمل هذا المسجد لقصورٍ في قدرتي، أما ذاك الأمر ماذا يقال عنه؟ لأنه لا يقبل الوجود عقلًا، مثيلٌ لله لا يقبل الوجود عقلًا، فلا يقال هل الله يقدر أن يخلق مثله؟ هل الله يقدر أن يُوجد مثله؟ كُفْرٌ هذا، وجوابه إذا إنسان قال يقدر يكفر، وإذا قال لا يقدر يكفر، كيف يجيب؟
قدرة الله لا تتعلق بالمحال العقلي، لأن الذي يقبل الوجود والعدم هو الممكن العقلي فهذا ليس قصورًا في قدرة الله سبحانه وتعالى، قال العلماء: يجب أن يكون في المسلمين مَن يعرف الرَّدَّ على الملاحدة حتى يُدافعَ عن دينِ الله، لو ابنك دَرَسَ رياضيات، دريس البزنس، درس الهندسة، درس الطب، قل له يا ولدي بارك الله فيك توجَّهْ لدراسة عِلْمِ الدين حتى تدافع عن دين الله، لأنَّ الدفاع عن دين الله لا يختص بمن يقال شيخ أو أزهري، أو درس في المعهد أو الكلية، الدفاع عن دين الله هو وظيفة كل إنسان من المكلفين يستطيع ذلك، مثل إذا واحد منا كان في الطريق وسمع إنسانًا يسبُّ الله، هل له أن يقول إذا سمحت انتظر حتى نأتي بالداعية أو بالشيخ أو بالذي دَرَسَ بالكلية الشرعية حتى يراجعك؟
أم وظيفة هذا المكلَّف أن يراجعه إن استطاع، إن ظنه أنه يقبل؟ وظيفته، ليس فقط الذي يصعد على المنبر عليه هذا، كل إنسان مكلف إن استطاع أن يغير المنكر وجب عليه أن يغير ذلك، (الفعَّال لما يريد) معناه الله سبحانه وتعالى قادرٌ على كلِّ شيء، معناه أن الله سبحانه وتعالى إذا شاء في الأزل وجود شيء فهذا الشيء يدخل في الوجود بتخليق الله سبحانه وتعالى، الله تعالى أزلي وصفاته أزلية، لما نقول بتخليق الله معنى ذلك أن تخليق الله أزلي والمخلوق هو الحادث، لذلك قال الإمام البخاري وأبو حنيفة رضي الله عنهما:
"فِعْلُ الله صفتُهُ في الأزل والمفعولُ حادث"، تخليقُ الله صفته في الأزل والمفعول المخلوق حادث، لأن الله لا يتَّصف بصفة حادثة، الله أزليٌّ وصفاته أزلية، (ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن) ما أراد الله في الأزل أن يكون لا بدَّ أن يكون وما لم يُرِدْ لا يكون، هذا كلام الرسول صلى الله عليه وسلم: "ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن" هذا ينبغي أن يحفظه الصغار والكبار، لأن الرسول علَّم بعض بناته أن تقول ذلك وهذا فيه توحيد، الآن نحن في هذا المجلس بِفَضْلِ الله تكلَّمنا عن أهمِّ مسألة في العقيدة، وهي تنزيه الله عن مشابهة المخلوقين، وتكلمنا عن المسألة التي تليها في الأهمية وهي توحيد الله في الفعل أي اعتقاد أن كلَّ ما يدخل في الوجود من الأجسام من الأعيان من الأجرام من الأعمال،
إن كانت خيرًا أو شرًا، كل ذلك بخلق الله وحده، لا أحد يبرز شيئًا من العدم إلى الوجود إلا الله تبارك وتعالى، انظروا تكلَّمنا بفضل الله في أهمِّ مسألتين في العقيدة في هذا المجلس بفضل الله تبارك وتعالى، (الذي لا حول ولا قوة إلا به) الله تعالى لا حول ولا قوة إلا به، الرسول صلى الله عليه وسلم قال: "لا حول ولا قوة بالله تنفعُ مِن تسعينَ داءً أيسرُها الهمُّ"، وفي رواية "أقلُّها الهمُّ والفقر"، يعني هذه الكلمة تنفع من تسعين داءً إذا إنسان صار يحافظ عليها يكرِّرها وهذه الكلمة فيها توحيد، لا حول ولا قوة إلا بالله، أكثروا منها كثيرًا تنفع لنفي الفقر بإذن الله تنفع لإبعاد الهمِّ، لتسعين داءً ما ذكرها الرسول عليه الصلاة والسلام في هذا الحديث لكن يكفي أن نعرف أن الرسول قال ذلك،
قال: "إنها تنفع لتسعين داءً"، وكان شيخنا رضي الله عنه يصف الإكثار منها لمن لزمه الوسواس، الذي صار به وسواس، يقول له: أكثِرْ من هذه الكلمة يعني ثلاثمائة مرة، ستمائة مرة ألف مرة، يقول لا حول ولا قوة إلا بالله، كان عبد الله بن مسعود مع الرسول صلى الله عليه وسلم لا حول ولا قوة إلا بالله، والرسول دأبه العمل للآخرة عليه الصلاة والسلام فيريد أن يفيده قال له: "أتدري ما تفسيرها؟" قال: قلت: "الله ورسوله أعلم"، قال: "لا حول عن معصية الله إلا بعصمة الله"، توحيد هذا، يعني لا يستطيع الشخص أن يكون مبتعدًا من المعصية إلا إذا حفظه الله، "ولا قوَّةَ على طاعة الله إلا بعون الله"، ولا يستطيع الشخص أن يكون عامِلًا بالطاعة قائمًا بعمل الطاعة إلا إذا أقدره الله على ذلك،
توحيد، هذا كلام الرسول عليه الصلاة والسلام وشَرْحُ الرسول لهذه الكلمة فيه توحيد فاحفظوها وحفِّظوها أولادكم وحفِّظوهم تفسيرها، هذا من الأحاديث التي كتبها لنا شيخنا في صغرنا على اللوح بخطِّ يده حتى نحفظها، كان اتخذ لوحًا في بيته يكتب عليه حتى نستفيد، يكتب عليه أحاديث آيات أدلة، أحيانًا يكتب تعريفًا ما هي المشيئة؟ يكتب لنا حتى نحفظ، هكذا افعلوا مع أولادكم اتخذوا لوحًا في البيت بدل أن يكون النَّظر كلَّ الوقت إلى التلفون فليكن بعضُ نظرهم إلى هذا اللوح، حتى يحفظوا ما فيه، حتى يكون معهم لأن هذا العِلْمَ به يدفع الشخص العقائد الفاسدة، هذا فيه العقيدة السُّنية، أن الإنسان إذا كان تجنَّب المعصية الذي حفظه من المعصية ربُّ العالمين،
الإنسان إذا عَمِلَ الطاعة الذي وفَّقه للطاعة هو رب العالمين، فللَّه الفَضْلُ والـمِنَّة، (الموصوفُ بكلِّ كمال يليق به) لأنَّ الكمال منه ما يليق بالله ومنه ما يليق بالمخلوق ولا يليق بالخالق، إذا قلنا: الشافعي عقله راجحٌ هذا يليق بالشافعي، يليق بالإنسان، الله لا يقال له عقل، لا يقال عن الله عقل مدبر، كما يقول سيد قطب، يقول مهندس الكون الأكبر يستعمل ألفاظًا لا تليق بالله، نحن لا نستعمل ألفاظًا لا تليق بالله نطلقها على الله هذا لا يجوز، لا نقول عن الله له عقل،
لا نقول عن الله مهندس، الهندسة تكون بالتفكير، هذا لا يجوز على الله تبارك وتعالى، (الموصوف بكل كمال يليق به المنزه عن كل نقصٍ في حقه، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ۖ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ سورة الشورى، آية 11، هذه أعظم وأصرح وأوضح آية في تنزيه الله عن مشابهة الخلق، آية الشورى ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ۖ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ سورة الشورى، آية 11، فهذه الآية: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ۖ﴾ سورة الشورى، آية 11، تنزيه لله عن مشابهة الخلق، تفيدُ أنَّ الله لا يشبه شيئًا ولا يشبهه شيء، هذه الكاف ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ۖ﴾ سورة الشورى، آية 11، لتأكيد التَّنزيه ليس معناه أنه يوجد شبيه لله وليس لشبيهه شبيه، لا، ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ سورة الشورى، آية 11، ، انظروا في الآية قُدِّمَ ذِكْرُ التنزيه ثم صُرِّحَ بأن الله سميع بصير ليُعلمَ أن سمع الله ليس كسمع الخلق وبصرَ الله ليس كبصر الخلق، حين نقول هذا سميعٌ هذا يسمع بسمع حادث، أنت حين تسمع كلامي، كلامي حادث ويحدث فيك سمع، الله تعالى يسمع كل مسموعٍ بسمعه الأزلي لا يقال يحدث في ذاته سمع، بل يسمع كل مسموع بسمعه الأزلي أنت تسمع بسمعٍ حادثٍ فيك يعني إذا سمعت حَدَثَ فيك سمع، أنت حين تُبصر يحْدُثُ فيك بصر، الله يرى ببصره الأزليِّ كلَّ المبصرات،
كلَّ المرئيات، لا يحدُث فيه بصر، الله ليس كمثله الشيء وهو السميع البصير، فهو بصير لا كالمبصِرين، سميعٌ لا كالسامعين، متكلِّمٌ لا كالمتكلِّمين، نحن كلامنا بحرفٍ وصوتٍ ولغة، كلامُه ليس بحرفٍ ولا صوتٍ ولا لغة، كلامنا مبتدَأٌ مختَتَمٌ، يدخله اللَّحن، كلام الله ليس بمبتَدَأ ولا بمختتم، ولا يدخله اللحن فانظروا إلى هذا ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ۖ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ سورة الشورى، آية 11، ، بينما ابن تيمية الحراني قال نزّه وشبه، والعياذ بالله، الله تعالى لا يُشبِّهُ نفسَه بالخلق، الله تعالى نزَّه نفسَه عن مشابهة الخلق معَ إثبات -هنا في هذه الآية- صفتي السمع والبصر، لا يقال:
نَزَّهَ وشبَّهَ، قال ابن تيمية: قال ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ۖ﴾ ، قال نزَّهَ ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ شبَّهَ، يوجد كُفْرٌ يقول العلماء كُفْرٌ يسمَّى كُفْرَ التشبيه، كُفرَ التعطيل، كفرَ التكذيب الجَحود هذا باب من أبواب الكفر تشبيهٌ الله بخلقه، (فهو القديم) أي الله سبحانه وتعالى هو الموجود الذي لا ابتداء لوجوده، (وما سواه حادثٌ) أي مخلوقٌ، (وهو الخالق وما سواه مخلوق، فكل حادثٍ دخل في الوجود من الأعيان) لا نقول عن الله دخل في الوجود، نقول عن الله موجود، لما نقول دخل في الوجود ما معناه، معناه حادث، لذلك قال (فكل حادثٍ دخل في الوجود من الأعيان) يعني الأجرام الأحجام،
(والأعمال) إن كانت خيرًا أو شرًا، (مِن الذَّرَّة) أصغر ما يمكن للإنسان أن يراه بعينه، هذه الذَّرة شيء صغير يطلق على هذا الذي يراه الشخص حين يكون ضوء الشمس نافذًا من الشباك يراه الشخص هذا شيء صغير، يقال له ذرٌّ، وذرَّة، (إلى العرش) الذي هو أكبر جسم خلقه الله، وهذا العرش فوق السموات السبع فوق الجنة، الجنة بالنسبة للعرش من حيث الحجم شيءٌ صغير، العرش أكبر جسم خلقه الله، لكنه جسم له حدٌّ، له نهايات، لكن لا يعلم حدَّه لا يَعلم قَدْرَ حجمِه إلا الله، حتى الملائكة الحافُّون حوله لا يعرفون قَدْرَ حجمِهِ، الذي يعرِفُ قَدْرَ حجم العرش هو الله، سبحانه وتعالى، (ومن كلِّ حركةٍ للعباد) الحركة إذا إنسان تحرَّك إذا إنسان سَكَنَ،
هذا شيء حادث، يكون في الحادث، يكون في المخلوق، انتقالُ الجرم من مكانٍ إلى آخر يسمى حركة، ثبوتُ الجرم في مكان يسمى سكونًا، فالله لا يوصف بالحركة ولا بالسكون لأن الذي يوصف بالحركة حادث، والذي يوصف بالسكون حادث، الآن العرش ساكن السموات ساكنات، الأرضون ساكنات، الإنسان يسكن أحيانًا يتحرك أحيانًا، النُّجوم متحركات دائمًا، الملائكة يتحركون أحيانًا يسكنون أحيانًا، الجن يتحركون أحيانًا يسكنون أحيانًا، الله لا يوصف بالحركة ولا يوصف بالسكون، سبحانه وتعالى، (والنوايا) هذه القصود التي تكون في القلوب، أيضًا هذه بخلق الله سبحانه وتعالى، (والخواطر) هذه الأمور التي تطرأ على القلب، تطرأ على قلب الإنسان بدون إرادة منه،
أليس يأتينا خاطر يرد على قلبنا، خاطر، طالما لم نعمل به إذا كان شيئًا قبيحًا، لا يُكتب علينا هذا الخاطر، لا يُؤثِّر علينا، مهما طرأ على قلوبنا من الخواطر طالما لم نعمل بها، إذا كانت هذه الخواطر قبيحة لا يؤثر علينا، (فهو بخلق الله لم يخلُقْه أحدٌ سوى الله) يعني لا يقال عن إنسان لا يقال عن مَلَكٍ لا يقال عن بهيمة: خَلَقَتْ عملَها كما تقول المعتزلة، المعتزلة يقولون الله خلق هؤلاء الناس -والعياذ بالله يقولون- ثم جعل فيهم قدرة على خلق أفعالهم فصاروا خالقين لأفعالهم دون خالقهم، جعلوا الله عاجزًا، الذي يقول كلامًا يُكذِّب به القرآن ليس بمسلم، أليس هكذا كذَّبوا القرآن قال الله تعالى:
﴿قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ سورة الرعد، آية 16، ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ (٩٦)﴾ سورة الصافات، آية 96،﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ﴾ سورة فاطر، آية 3، ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ ۖ﴾ سورة الأنعام، آية 101، كلمة شيء يدخل تحتها ما ذكره الآن، الأعيان الأجرام الأشخاص الأعمال الحركات الخواطر النيات، كلُّ هذا يسمى شيئًا، ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ ۖ﴾ سورة الأنعام، آية 101، هكذا قال الله تعالى، الآن في بعض المعاهد التي يدرسون -شيء محزن باسم الشريعة باسم العقيدة على زعمهم يدرسون- حين يتكلمون عن المعتزلة القائلين بخلق أفعال العبد، أن العبد يخلق أفعاله، يقولون وهؤلاء لا نكفِّرهم -والعياذ بالله-،
يقولون: لأنهم قالوا بالأصل أن الله خلق هذا الإنسان وخلق هو القدرة فيه، الذي كذَّبَ آيةً كمن كذَّب كلَّ القرآن، هؤلاء المعتزلة بقولهم هذا كذَّبوا آيات، وكذَّبوا العقل وكذَّبوا الرسول صلى الله عليه وسلم، قال الإمام النسفي في عقيدته المشهورة: "وردُّ النصوص كفرٌ"، احفظوا هذه الجملة، المعتزلة ردُّوا نصوصًا ردُّوا آيات وأحاديثَ، فهم كفار، لا يجوز أن يقال بخلاف ذلك، لا يجوز أن يقالَ اختُلف في كفرِهم لا يجوز أن يقال لا نكفِّرهم لأنهم قالوا بالأصل وهو أنَّ الله خلق الإنسان أو البهيمة ثم هو خلق القدرة فيه، أعوذ بالله من الضلال والفساد، (لا طبيعةٌ ولا عِلَّةٌ) الطبيعة مخلوقة كيف تخلق!!
الطبيعة لا إرادة لها، كيف تكون خالقة!! الطبيعة شيءٌ لا إرادة له، الطبيعة شيءٌ مخلوق، المخلوق لا يجوز أن يكون خالقًا، الخالق لا بد أن يكون مريدًا، لا بد أن يكون عالـمًا كيف يوجد هذا الشيء على ما هو عليه إن لم يكن عالـمًا، كيف سيكون كيف يوجده على ما هو عليه، فالله لا بد أن يكون عالـمًا، لا يجوز أن يكون جاهلًا، لا بد أن يكون مريدًا، فهؤلاء الذين يقولون الطبيعة تخلق هؤلاء كفارٌ والعياذ بالله، جعلوا المخلوق خالقًا، ما هي الطبيعة؟ الصفة التي جعل الله الأجرام عليها، ما هي الأجرام؟
الأشياء المخلوقة، الأحجام، هذه الأحجام المخلوقة ما هي عليه من الصفات ما هو هذا؟ مخلوق، فكيف تكون هذه خالقة لا يجوز، عند من أعطاه الله تعالى الفهم الصحيح والعقل السليم، يفهم ما نقوله، (ولا علة) العلة تأتي في اللغة بمعنى المرض، تطلق على المرض، وتُستعمل لمعنى السبب، يقال هذا علةُ هذا، هذا سببُ هذا، ويقال هذا مسبَّبٌ عن هذا، يعني مثلًا نقول: النَّار سببٌ للإحراق، النَّار سببٌ للدِّفْء، لماذا نشعل الحطب بالبرد؟ حتى نتدفأ، هي سببٌ لذلك ليست خالقة للدفْء، ليست خالقة للحرارة، الحرارة مسبَّبٌ عن السبب الذي هو النار، الدفء مسببٌ عن السبب الذي هو النار، هذا السبب مخلوق، فكيف يكون خالقًا لا يجوز، السَّبب هو نفسه مخلوق،
هذه النار هي مخلوقة فلا يقال عنها خالقة، لا يقال عنها تخلق، هذا الطعام الذي نأكله مخلوقٌ فإذا حصل المسبَّب منه عندما حصل تناوُلُه الشِّبَعُ يعني، إذا حصل ذلك، مَن خلق الشبع؟ الذي خلق السبب وهو الله، سبحانه وتعالى، ليس الطعام خالقًا للشبع، وليس الماء خالقًا للرِّي، الذي خلق الماء هو خلق المسبب عنه، ما هو الماء؟ سبب للرِّي، وما هو الرِّي؟ مسببٌ عن الماء، هذا سببٌ لهذا، وهذا مسببٌ من هذا، لكن إن شاء الله أن يوجد السبب ولا يوجد المسبب، يوجد السبب ولا يوجد المسبب، أليس ألقى الذين خالفوا إبراهيم عليه السلام ألقوه في النار العظيمة، النار سبب للإحراق، هل أحرقته؟
لا، ﴿كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ (٦٩)﴾ سورة الأنبياء، آية 69، ما أزعجته ولا أقلقته، من حيث إنها عادةً إذا كانت موجودة ماذا يحصل؟ حرارة وانزعاج وإحراق، ولكن لا أحرقته ولا أحرقت ثيابه، معناه: النار لا تخلق الإحراق، مَن الذي يخلق الإحراق إن شاء عند وجود النار؟ الله سبحانه وتعالى، الملائكة الذين يتولَّون تعذيب الكفار في جهنم من الذي يتعذب في جهنم عند ذاك الكفار، الملائكة أين هم الذين يعذبونهم؟ في جهنم ولا يتعذَّبون، ولا يَقْلَقون ولا ينزعجون مع أنهم في نفس المكان، لأن الله هو خالق هذا السبب وخالق المسبب، إن شاء أن يوجد وجد، وإن لم يشأ لا يوجد، النعامة بهيمة لها ريشٌ وعصبٌ وجلد وعروق وفيها روح ودم،
تأكل الجمر الأحمر تَسْتَمْرِئ به يعني تستلذُّ به، نحن إن أمسكناه تحترق يدنا، إن أكلناه يحترق فمنا، هي تأكله مستمرئة معناه الله هو خالق السبب وخالق المسبب هذا السبب لا يجوز أن يكون خالقًا، لماذا؟ لأنه هو مخلوق فكيف يكون خالقًا، لا يقال عن شيء من المخلوقات إنه خالق كذا، بمعنى أنه أبرزه من العدم إلى الوجود، لا يقال ذلك، (بل دخوله في الوجود بمشيئة الله وقدرته بتقديره وعلمه الأزلي لقول الله تعالى ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ سورة الفرقان، آية 2، فكلمة شيء هنا شملت كلَّ ما دخل في الوجود إن كان جسمًا حجمًا عينًا جرمًا، وإن كان صفةً إن كان حركةً إن كان سكونًا، إن كان نيةً إن كان تصميمًا إن كان عزمًا، إن كان همًا، إن كان غير ذلك، (بتقديره وعلمه الأزلي لقول الله تعالى ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾أي أحدثه من العدم إلى الوجود فلا خلق بهذا المعنى لغير الله قال الله تعالى ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ﴾ سورة فاطر،
آية 3، هذا الاستفهام للنفي، ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ﴾ معناه لا خالق إلا الله، (قال النسفي: فإذا ضَرَبَ إنسانٌ زجاجًا بحَجَرٍ فَكَسَرَهُ) ظاهرًا الإنسان أمسك الحجر ورماه على الزجاج فكسر الزجاج (فالضَّرب) الذي حصل هذا، (والكَسْرُ) الذي حصل بسبب وصول هذا الحجر إلى الزجاج (والانكسار) ما حصل في الزُّجاج من التَّشقُّق، (بخلق الله تعالى) معناه كلُّ هذا بخلق الله، الفعل الذي حصل من الإنسان ذهاب الحجر، إصابة الحجر لهذا الزجاج، التشقُّق الذي حصل في هذا الزجاج بخلق الله تعالى (فليس للعبد إلا الكسب) هذا من أغمض مسائل التوحيد، ينبغي أن يُتعلم على الوجه الذي يكون به حِفْظ العقيدة،
حتى يحفظ الإنسان عقيدته إلى هذا القدر يتعلم من هذا، هذا شيءٌ مهم، الإنسان حظُّه مِن عملِه الكَسْبُ فقط ليس هو يبرز عمله من العدم إلى الوجود، الذي يبرز العمل من العدم إلى الوجود هو الله، الإنسان حظُّه الكسب، ما هو الكسب؟ توجيه العبد قصدَه نحو العمل فالله يخلقه عند ذلك سبحانه وتعالى، أنت توجِّه قصدَك نحو الكلام كما الآن يحصل، اللهُ يخلق الكلام فيّ، كل شيء بخلق الله، مَن سلَّم الله سَلِم، بعض الناس يقول وهذا التوجيه الذي حصل؟ بخلق الله أكيد، لا أحد يخلق شيئًا إلا الله، إذا واحد سألك على أي شيء يحاسب الإنسان؟
على توجيه قصدِه نحو العمل، لأن الإنسان يعرف ما له من العمل له فيه اختيار، وما ليس له فيه اختيار، إذا أنت كنت جالسًا تتحدث أو تسمع كما هو الحال الآن بيني وبينكم، وقلوبنا تنبض تتحرَّك هل نحن نوجه قصدنا نحو قلوبنا لتتحرك؟ لا، الله سبحانه وتعالى جعلها نابضة حال حياتنا بدون أن نوجه قصدنا نحو ذلك، نحن لا نوجه قصدنا نحو قلوبنا وهي تتحرك بقدرة الله سبحانه وتعالى، إن وجَّهْتُ قصدي للقيام أو للقعود فحصل ذلك مَن الذي خلقه؟ الله، الله هو الذي خلقه، والإنسان لا يعلم الغيب، يعني لا يعلم ما سيكون، بعض الناس يقول لك ما دام كل شيء بخلق الله وعلم الله ومشيئة الله وتقدير الله، لمَ نعمل إذًا؟
الرسول عليه الصلاة والسلام قال: "اعملوا وكل ميسر لِـمَا خُلِقَ له"، اعملوا خذوا بالأسباب وكل ميسر لما خلق له، ما شاء الله أن يكون منك لا بد أن يكون، لكن ماذا يلزمك؟ أن توجه قصدك إلى أي شيء؟ إلى الخير، إلى الطاعة إلى ما أمرك الله به، يجب عليك أن توجه قصدك إلى ما أمرك الله به وأن تنتهي عما نهاك الله عنه، وإن حصل منك هذا أو هذا المأمور حصل أو المنهي حصل، مَن الذي خلقه؟ الله، فإذا سألك على أي شيء يحاسب الإنسان؟ على الكسب، ما هو الكسب؟ توجيه العبد قصده نحو العمل فيخلقه الله عند ذلك، الخلق لمن؟
لله، نحن نُسلِّم لله، مُسْلِم، يُسلِّم لله، لا يُسلِّم لله فليس مسلمًا، كثير من الناس لا يُسلِّمون لله، هم الخاسرون، الله غنيٌ عن العالمين، لو أطاعه كل الناس لا يزيدونه في كماله شيئًا، لو عصاه كل الناس لا ينقصون شيئًا من كمال الله، لأن كمال الله أزلي أبدي، لا يزيد ولا ينقص، الله كان في الأزل وكماله أزلي أبدي ولا يزال كماله أزليًا أبديًا، لا يزيد ولا ينقص، بعد وجود العباد لا يزيد ولا ينقص، وقبل وجودهم لا يزيد ولا ينقص، (وأما الخلق فليس لغير الله قال الله تعالى ﴿ لَهَا﴾ أي للنفس ﴿ مَا كَسَبَتْ﴾ أي من الخير ﴿وَعَلَيْهَا﴾ أي على النفس﴿ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ ۗ﴾ سورة البقرة، آية 286، أي من الشر، الإنسان يوجه قصده نحو العمل، قلنا والله يخلقه عند ذلك إن شاء فإن كان خيرًا الإنسان المسلم يثاب على ذلك، وإن كان شرًا يكتب عليه الإثم ويستحق على ذلك العقوبة، لكن حظُّ الإنسان من عمله الكسب، الخلق الناس هؤلاء مظاهرُ لاكتساب العمل، ليسوا خالقين للعمل،
الله سبحانه وتعالى جعل فينا هذه الإرادة نحن نوجه قصدنا نحو العمل، إن شاء الله أن يكون هذا العمل موجودًا يوجد، وإن لم يشأ لا يوجد، أليس أحيانًا نريد أن نفعل شيئًا لا نستطيع أن نفعله، لأنه ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، أليس أحيانًا يحصل في أحدنا رِعْشَة في يده هو يوجِّه قصده نحو يده لماذا؟ لتثبت، ولكن هي لا تثبت، لأن الخالق هو الله، أليس أحيانًا أحدنا يمرض تصيبه ما يسمى البردية، فيرتجف هو يوجه قصده نحو جسمه كأنه قائل في نفسه اثبت، لكن لا يثبت، لماذا؟
لأن الخالق هو الله، الله شاء له أن يرتج الآن فهو يرتج، لا يستطيع أن يمنع ذلك إن شاء الله أن يحصل، أن يفعل ذلك، لا يستطيع، مهما اتخذ الإنسان من الأسباب والتدبير "لا يَنْفَعُ حَذَرٌ مِنْ قَدَرٍ"، الناس الذين وضعوا أموالهم في البنوك على أي معنى وضعوه في البنوك؟ أليس للحذر من أن تضيع أو تسرق أو يأتي إنسان ويهجم على هذا المال ثم يأخذ هذا المال بدون إرادتهم بدون حبهم لذلك؟ "لا ينفع حَذَرٌ مِنْ قَدَر"، ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، إن شاء الله للإنسان أن يكون له هذا الرزق، سيكون له، إن لم يشأ الله له مهما فعل لا يكون له، إذا إنسان جمع مليارات ولم يشأ الله له أن يتمتع بها، لن يتمتع بها،
وإذا إنسان لم يجمع مليارات، وشاء الله له أن يتمتع بمليارات سيتمتع بمليارات، قَدْ يجمَعُ المالَ غيرُ آكله *** ويأكلُ المالَ غيرُ مَنْ جَمَعَهْ، مِنْ أولِ ما تعلمنا عند الشيخ عبد الله رحمه الله كتب لنا على اللوح هذا البيت، قَدْ يجمَعُ المالَ غيرُ آكله *** ويأكلُ المالَ غيرُ مَنْ جَمَعَهْ، واحد يجمع المال يأكله واحد آخر، واحد يأكل المال يكون الذي جمعه إنسان آخر وقد يكون الذي أكله عدوًا للذي جمعه، ذاك جمعَه ولا يحبه ثم هذا يتركه فيأخذه ذاك، فالإنسان عليه أن يكون على قوة التوكل على الله، بحيث يكون في قلبه أنَّ النافع والضار على الحقيقة هو الله سبحانه وتعالى وأن الأَمْرَ هكذا ما شاء الله وما لم يشأ لم يكن، وأنَّ مشيئة الله لا تتغير، سبحان الله وبحمده والحمد لله رب العالمين نهلل جماعة.
